خليل حاوي من التمرد العظيم إلى الموت الفاجع
أحمد برقاوي .

ما أن تذكر خليل حاوي، حتى يلقي بك الاسم في قلب المأساة، لا المأساة التي عاشها حاوي فحسب بل المأساة التي نعيشها نحن. وقولنا المأساة التي عاشها لا يعني إطلاقاً أنها مأساة فردية. بل المأساة بالمعنى الكلي. وليس الجميع بقادر على الحياة في لظاها. وآية ذلك أن النفوس النبيلة والمتمردة وحدها هي التي تعيش الكُلّي بفرحه وحزنه. وهي التي تجعل من معاناة الاحساس بالمأساة إبدعاً. سواء كان هذا الإبداع فعلاً كفاحياً أرضياً ، أو فعلاً إبداعياً شعرياً نظري كما هي حال خليل حاوي، لأن خليل ينتمي إلى جيل كان مفعماً بالآمال. جيل مؤمن بالتجاوز، جيل أعلى من شأن الارادة في تكسير رأس التاريخ، . عند حاوي نجد وحدة الشعري والفلسفي، بل قُل أنه الفيلسوف الشاعر وليس الشاعر الفيلسوف. فما أراد قوله فلسفة قدمه لنا في إيهابه الشعري.
ولعمري أن وحدة الفيلسوف والشاعر هي ميزة النفوس الرافضة، ميزة النفوس التي تعشق اللا. وكلما ازداد وهج التمرد فيها تعينّت بكلام غير مألوف. وإن وعت هزيمتها التي هي هزيمة الكل، ازداد بؤسها على شاكلة شدة آمالها.
كل كلامنا هذا هو من وحي “رحلة السندباد”، فهذا السندباد الذي يجوب العالم بحثاً عن السر، سر البعث والخصب. سندباد هذا، يمقت العالم المعيش، يمقت العالم المكون من إله وطقس أبدي، أي من عالم عتيق موات، كل ما فيه خراب، يمقت عجز الارادة فيجول باحثاً عن الخلاص عودة إلى الأرض.
وفكرة الخلاص أصيلة عند حاوي، ولهذا تراه يستعير من الأسطورة كل ما دل عليها (الفكرة)، ولما كانت فكرة الخلاص تنتمي إلى المستقبل، أي إلى حقل الآمال والأحلام، فإن التعرف إليها عند حاوي يتعين في الحرية. حرية الأمة التي تبدو في بعض الأحيان صريحة في شعره. وقصيدة “الجسر” هي تكثيف لهذا الخلاص الانساني. ولأن الحرية تمرد فلقد انحاز حاوي إلى كل فكرة أو صورة أو واقعة تعيّن هذا الجموح الوقّاد.
فالغجرية، براءة الجسد الانساني وجماليته وعنفوانه تأتيها كل صنوف القيود، وكأن حاوي أراد أن يقول: ليس التاريخ أو الواقع إلا صناعة للقيود الانسانية، هذه النزعة الروسوية حاضرة كثيراً في شعر حاوي.
وربما كان ارتباطه الأولي بالأرض، بالناس البسطاء، بالجبال، بالحب، قد جعله تواقاً دائماً إلى العودة إلى هذا العالم الجميل . فكأنما خلاص الأرض هو العودة إلى الأرض في براءتها الأولى. ومع ذلك فإن موسيقى اليأس لا تنجو منها أية قصيدة في شعر خليل، اليأس المعذّب، انه يصرخ، يتحرر أحياناً منه، لكنه سرعان ما يعيش في قلب المأساة فتتحدد رغبة التوق إلى الخلاص مع نزعة التشاؤم. ليصوغ لنا حاوي وحدة المأساة والملهاة في آن معاً.
ترى هل كان يفكر بالموت دائماً حتى اختار مصيره بيده؟ ولعمري أن اختيار الموت هو ذروة الاحتجاج الوجودي على العالم.
إن هذا الفيلسوف الشاعر وهو يقدم رؤىً في إهاب جمالي لم يستطع إلا أن يكون رسولياً، أو إن شئت قل ايديولوجياً. إذ كانت العروبة تعني بالنسبة له كخيار أخير، ليس انتماءً إلى الماضي، بل انتماء إلى العالم في حلته الجديدة. العروبة المتحررة من ماضيها والنازعة نحو مستقبل زاهر. هنا بالضبط تكمن علاقة الشعر بالفكرة، وهو على أية حال لا ينفصل عن أبناء جيله من الشعراء، لكن الفكرة عنده هي مركز الشعر، ولهذا تراه غارقاً في الكلي مبتعداً عن الجزئي. وحينما رأى انهيار الكلي أمام عينيه ،وهو الذي يعيش في قلب هذا الكلي، قرر مغادرتنا بموت غير مألوف. كأنه وقد رأى موت الكلي، فلم يعد لوجوده مبرر. وتلك حالة لا تعيشها إلا النفوس العظيمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى