خمس نصائح إلى باسيل.. الحياة تبدأ بعد العقوبات!
أحمد زعزع

الزّمن دولاب. والدّنيا جزرة قد تُمسكها أياماً في يدك لينقلب الأمر بغمضة عين. لكلّ جزرةٍ نهاية، ولكل زمنٍ دولةٌ وعقوبات. دارت الأيّام على الصّهر فائق الدّلال، فكان أن ثُقب دفّ الفرعنة وتكهربت الأجواء في القصر، رغم أن الناس باتت منذ سنين تسمع بالكهرباء ولا تعرفها ولا تحظى بها إلا سويعات من هنا وهناك.

لكن، كما لكلّ روايةٍ وجهان، ولكل صرصور قرنان، لكلّ عقوبةٍ حياتان، لا تلغي إحداهما الأخرى. إذن، على الصّهر ألّا ينزعج كثيراً من العقوبات الأميركيّة وأن يتعلّم التّعايش معها وتحويلها إلى خبر كان، فربّ ضّارةٍ نافعة نفعاً عظيماً.

كيف ذلك؟ هاكم كلام الخبراء في كتابٍ صدر حديثاً عن جامعة هارفارد، بعنوان “أفضل الهوايات للعيش مع العقوبات”، بقلم دوروثي شويتك. تقول دوروثي في مقدمة الكتاب: “المصاب بالعقوبات يمكنه مواصلة العيش بسعادة كأن شيئاً لم يكن، ثمّة حياة تبدأ بعد العقوبات باتّباع برنامجي الخماسي مضمون النّتائج، والذي اختبرته بنجاح مع عشرات الشّخصيّات المعاقَبة في أنحاء العالم. وسأركّز في السّطور التالية على حالة السيد جبران باسيل، من لبنان، وأوجّه له نصائحي كونه من الشّخصيّات التي وقعت عليها فأس قانون ماغنيتسكي مؤخّراً” (والكلام دوماً لدوروثي، إلا أنني سألخّص كلامها في ما يلي منعاً للإطالة):

1) مارِس هواية جديدة. لاحظتُ من قراءة سيرتك أنك عجول ومتسرّع بعض الشّيء. أنصحك بممارسة صيد السّمك، مثلاً. إنها هواية لطيفة وتُعلِّم الصّبر والرّويّة والتّأمل. كل ما تحتاجه قصبة صيد وطعوم ومياه غير ملوّثة وقبّعة للتّخفّي من الثّوار، الذين قد يرونك وإن كان بعضهم يتجوّل بعينٍ واحدة، بفضلكم.

2) جدِّد علاقتك بزملاء الماضي. العودة إلى صداقاتٍ قديمة غالباً ما تكون منعشة للرّوح والوجدان. في حالتك، يمكنك تجديد العلاقة مع من فرّق بينكم الزّمان وضرورات العمل والمصاهرة والهموم العائليّة. يمكنك الاتّصال بقدامى التّيار مثلاً، سواء المشحوطين أو الموضوعين على الرّف بعدما تسلّقت على أكتافهم، فهم سيحبّون بلا شك أن يسمعوا منك ويعاودوا نسج خيوط الصّداقة والزّمالة والنّضال المشترك في الزّمن الجميل. قد تجد بينهم أكثر من يهوذا واحد، لكن هذا قدر كلّ ناجحٍ من أمثالك.

3) إشرح موقفك لأشخاص تعثّرت معهم العلاقة المهنيّة بسبب انشغالاتك أو لظروفٍ خارجة عن إرادتك. لاحظتُ أيضاً من قراءة سيرتك أنك كوزير دائم للطّاقة، أو كصانع وزراء، تحكّمتَ بموضوع الكهرباء لمدةٍ تقترب من 10 سنوات أُهدر خلالها ما يربو على مبلغ 40 مليار دولار من دون تحقيق ولا شفافية ولا بطّيخ أو شمّام. اتّصل بهؤلاء الأشخاص الذين حرمتهم طويلاً من الكهرباء، وقدّم لهم التّوضيحات والاعتذارات وحاول إصلاح الوضع (كلمة إصلاح يجب أن تكون مألوفة لديك) إذا أمكن. قد لا تتمكّن من إعادة الكهرباء وإرجاع الزّمن إلى الوراء، لكنّك قد تنجح على الأقلّ في ترميم الثّقة في نواياك وكفاءتك وهذا هو الأهمّ من وجهة نظرك.

4) تعلَّم لغة جديدة. غالباً ما ينسى أصحاب المناصب العليا في غمرة امتلائهم بذواتهم أهمّية اكتساب لغاتٍ جديدة. لم يفت الأوان بعد. ووقتك يسمح لأن انشغالاتك تقلّصت إن لم تكن اختفت كلّياً. لاحظتُ أيضاً من قراءة سيرتك أنك تُحبّ الكلام والتّصريحات وتهوى التّطويل والهذر، وتعشق اللغو والحشو وإدخال لزوم ما لا يلزم ومن كل وادٍ عصا. عرضتَ من تلقاء نفسك تعليم دول غربية كبيرة كيفية الإنفاق من دون موازنة. الفكرة لم تكن موفّقة كثيراً. لدينا مثل يقول: “الشّحاذ لا يضع شروطاً”. وكثرة المحاضرات في العفّة ليست مفيدة لك. ترداد عبارات مثل “ما خلّونا نشتغل” لا ينعكس إيجابيّاً في شخصيّتك ولا يساعدك في ترميم الثّقة، في حين أن تعلُّم لغة جديدة، كالصينية أو اليابانية، يساعدك في الاختصار وتجنّب الثرثرة.

5) أنصحك بأن تغيّر “اللوك” الأخير. هذه عثرة أخرى على صعيد العناية بصناعة الصورة. السّعي إلى الهمشرة والتّخلّي عن ربطة العنق ورخي اللحية والشوارب، على طريقة نواب كتلة “هيهات منّا الكرافات”، ليست مناسبة لك ولا تعكس حقيقتك. أنت مسؤول ولستَ مغنّي راب. أنظر داخل نفسك، أين تجد سعادتك الحقيقيّة؟ في الزّراعة؟ ذهبتَ في تمّوز إلى حقلٍ شديد الجفاف مرتدياً قفازات وملابس خلنج غالية الثّمن من رفوف “أيشتي”. هذا لا يساعد. هل ترى نفسك في العمل الوزاري؟ أبديتَ ندمك عليه وقلت أنه مضيعة للوقت، هذا إن صدّقنا، فقد يكون مجرّد لغو (أنظر الفقرة رقم 4). هل تجد نفسك في النّيابة؟ إنها قاصرة عن تحقيق طموحاتك الكبيرة، رغم أنك رسبتَ فيها مرّتين إلى أن تمّ تعديل قانون انتخابي مفصَّل لأجلك. أفهم أن النّيابة غير مغرية لك، إذ أن المماحكة اليومية مع ثعالب متمرّسين مُصابين بلوثة طموحك ذاته، لن تكون في مصلحتك. هل تجد ذاتك في بناء السّدود؟ حاولت وفشلت. هل تحلم برئاسة الجمهوريّة؟ قد يكون ذلك الآن أبعد من أمل ابليس في دخول الجنّة. اتّبع برنامجي واصنع جنّتك الخاصّة في البلد الذي نجحتم في تحويله إلى جهنّم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى