خيارات لبنان للخروج من جحيمه
حسين عبدالحسين

يمرّ لبنان بأزمة اقتصادية وسياسية واجتماعية غير مسبوقة منذ المجاعة التي عانى منها قبل حوالي قرن. أسوأ ما في أزمة لبنان أنها ما تزال في بداياتها، وأن القادم أسوأ، وأنه سيحوّل حياة اللبنانيين إلى مأساة تشبه الخيال. ثاني أسوأ ما في أزمة لبنان أن مخيلة اللبنانيين نضبت، وأنه لا يمكنها أن تسعفهم في الخروج من جحيمهم.

ومآسي اللبنانيين ليست قدرا، بل خيارا يتخذه اللبنانيون، غالبا بسبب الشحّ الهائل في ثقافة غالبيتهم حول شؤون الحكم والوطن والمواطنية.

قبل ثلاثة عقود، تسلّم رئيس الحكومة المغدور، رفيق الحريري، لبنان بعد حرب أهلية دامت 15 عاما. بذكائه الفطري الهائل، أدرك الحريري أن حجر زاوية إعادة إحياء لبنان يتمثل بتكريس استقراره، وتحويله دولة ذات جاذبية لقطاعات الخدمات على أشكالها، السياحية والتعليمية والصحية والمصرفية.

استقرار لبنان كان يتطلب استقرار نقده، وتمويل إعادة إعماره، لإطلاق عجلة اقتصاده. كانت الحرب الأهلية أنهكت اقتصاد لبنان وأفرغت خزائنه، وهو ما تطلب تمويل نمو الاستقرار بالاستدانة، وهي عملية شائعة وإن كانت محفوفة بالمخاطر، مثل إمكانية عدم تحقيق نمو اقتصادي يمكنه تمويل الاستدانة وتسديد الديون لاحقا.

نظريا، توافرت أمام لبنان كل العناصر المطلوبة حتى يتحول إلى دولة تنمو اقتصاديا على طراز “نمور آسيا”، لكن كانت هناك مشكلة حاول الحريري الالتفاف عليها، فالتفّت هي على عنقه وسلبته حياته. المشكلة كانت تكمن في أن الحرب الأهلية لم تكن انتهت بالكامل، إذ (بتعليمات من حكام لبنان في دمشق آنذاك) تم استثناء ميليشيا “حزب الله” من قرار حل الميليشيات الذي تلا الحرب الأهلية. ثم تم تشريع ميليشيا الحزب، شعبيا وسياسيا لا دستوريا، واعتبارها “مقاومة” مشروعة لاحتلال إسرائيل للجنوب اللبناني، وهو ما أبقى الحرب في الجنوب، مع جولات حرب شاملة طالت عموم البلاد بين فينة وأخرى.

الحكومات تستدين بفوائد، والحكومات التي تعاني من حروب، تستدين بفوائد أعلى بسبب المخاطر على المستثمرين. عقبات حروب “حزب الله” والاستدانة بفوائد عالية لم تثن الحريري، المعروف بصلابة عزيمته، الذي نجح في التوصل إلى ما يشبه الهدنة مع إسرائيل في “اتفاقية نيسان” عام 1996. ومع انسحاب إسرائيل بعد أربعة أعوام، حاول الحريري توسيع الهدنة إلى استقرار كامل، فراح يعقد جلسات مكثّفة مع زعيم “حزب الله” نصرالله لإقناعه بالتخلي عن السلاح. لم يتخلَّ نصرالله عن سلاحه، وتم اغتيال الحريري.

لم يؤد اغتيال الحريري إلى انهيار فوري للبنان، بل بقي نموذجه المبني على استقرار النقد قائما، وإنما دون استقرار في البلاد يسمح بنمو الاقتصاد، وهو ما أعطى اللبنانيين شعورا زائفا بإمكانية مزاوجة الاستقرار مع استمرار “المقاومة”. لكن الشعور ليس واقعا، ولا يمكن بناء سياسات عليه، فكانت نتيجته الحتمية الانهيار.

لم يع اللبنانيون ضرورة إنهاء الحروب، وساهم الاستقرار المزيّف في الإيحاء لهم أن لا ثمن لمواقفهم الإقليمية، واعتقدوا أنه يمكنهم مواصلة التمسك بـ “القضية الفلسطينية”، وبالسماح لحزب الله بمواصلة حروبه، بدون ثمن، إلى أن وصل لبنان نهاية الدرب، وبدأ مشوار تدحرجه نحو الهاوية.

على الرغم من الانهيار، ما يزال بعض اللبنانيين لا يفهمون ارتباط موقفهم تجاه “القضية الفلسطينية” بانهيار اقتصادهم، بل راحوا يبتدعون حلولا، كلها فارغة وانتقامية، من قبيل محاسبة كل السياسيين، وزجّهم في السجن، واستعادة الأموال المنهوبة. على أن فتح باب السجون للفاسدين، على أهميته، لن يوقف انهيار لبنان.

إن سبيل الخروج من الأزمة اللبنانية يكمن حصرا في أن يعي اللبنانيون تكلفة مواقفهم حتى يعرفوا ما يختارون. فلنعتبر أن “القضية الفلسطينية” هي أنبل قضية في التاريخ، وأن الظلم الفلسطيني لا يمكن السكوت عنه. لكن لمناصرة الفلسطنيين لائحة من الأسعار، بعضها يمكن للبنانيين تحمله، وبعضه الآخر خارج عن قدرتهم.

لو اختار اللبنانيون هدنة بحتة مع إسرائيل، بالتزامن مع دمج “حزب الله” بالقوى الأمنية اللبنانية، وتبنّي سياسة استقرار حديدي، وحياد إقليمي تام، يمكن أن يسمح الاستقرار ببعض النمو الاقتصادي، ووقف الانهيار، وإعادة لبنان إلى دولة ذات اقتصاد صغير، وإنما مستقر، وهو النموذج الذي كان يسعى إليه الحريري ومات في سبيله.

أما لو اختار اللبنانيون توقيع اتفاقية سلام وتطبيع مع إسرائيل، مثلما فعلت الإمارات المزدهرة وقبلة المهاجرين اللبنانيين، فمن شأن انفتاح لبنان على اقتصاد إسرائيل، الذي يبلغ حجمه 40 ضعفا حجم اقتصاد لبنان، أن يؤدي إلى نسب نمو اقتصادية لبنانية أعلى بكثير من نموذج الهدنة، ويمكن أن يتحول لبنان إلى دولة ذات دخل مرتفع، وهو النموذج الذي اختارته “المارونية السياسية” في اتفاقية 17 مايو 1983 للسلام مع إسرائيل، ولم تنجح في تسويقه ولا فرضه.

الخيار الثالث أمام اللبنانيين هو التمسك بنموذج “الدولة المقاومة” الذي صممه “حزب الله” والقائم حاليا، وهو نموذج يضع القوة العسكرية فوق كل اعتبار، على الرغم من تكلفتها المالية والاقتصادية الخارجة عن قدرة اللبنانيين. ويرى “حزب الله” أنه يمكن التخفيف من مأساة اللبنانيين بحلول اشتراكية مثل بطاقات تموينية وتقتير وفقر.

ولا بد من القول إنه لا شك في قدرات “حزب الله” العسكرية، وإنه نجح في أن يجعل إسرائيل “واقفة على رجل ونصف”، حسب التعبير المحبب لأنصاره. لكن السؤال لأنصار “حزب الله” وللبنانيين عموما هو ما فائدة إبقاء إسرائيل مستنفرة؟ وبماذا يفيد ذلك اللبنانيين أم حتى الفلسطينيين؟ وما هي مكاسب اللبنانيين الاقتصادية من هذا الاستثمار الباهظ؟ لا عائدات، غير دغدغة المشاعر الوطنية، فالغالب أن المطلوب هو إعادة النظر بسياسة لبنان القائمة اليوم، واستبدالها بأحد الخيارين الآخرين اللذين يمكن للبنانيين تحمّل تكلفة أي منهما.

هذه هي خيارات لبنان للخروج من أزمته. أما إن واصل اللبنانيون نقاشهم العقيم حول “شكل الحكومة”، أو استبدال “المناصفة” بـ “المثالثة”، أو معاقبة المصرفيين أو الصيارفة، أو ابتداع أكباش فداء للانتقام منهم، كلها سياسات انتقام يمكنها أن تمتص غضب اللبنانيين دون أن تُنهي المآسي التي يعيشونها، فالانتقام والمشاعر لا تبني أوطانا. وحدها السياسات العقلانية هي التي تعلي الأوطان وترفع من شأنها وكرامتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى