“دبلوماسية الكمامات”
د. أيمن سمير

شكّلت الأسلحة الأمريكية فائقة الجودة خلال العقود الماضية إحدى أبرز الوسائل الدبلوماسية للزخم والتأثير الأمريكي في قارات العالم أجمع، وبعد وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للحكم عام 1999 بدأ السلاح الروسي وبخاصة منظومات «S300» ثم «S400» تلعب الدور الأهم للحضور الروسي في مناطق كثيرة أبرزها الشرق الأوسط.

لكن في زمن «كورونا» أصبحت «الكمامات» والأجهزة الطبية إحدى أهم الوسائل للتعبير عن «التضامن السياسي» وبات واضحاً للجميع أن دول العالم تتخذ من «الكمامات» نهجاً وطريقاً، سواء لتثبيت مواقف الأصدقاء والحلفاء، أو لتخفيف حدة الخلافات مع المنافسين والأعداء، فإلى أي مدى يمكن أن تلعب الكمامات دوراً كبيراً في تعزيز الحضور السياسي للدول العظمى؟ وهل يمكن أن يتم البناء على «دبلوماسية الكمامات» لتغيير المواقف السياسية والتحالفات القائمة؟.

الخنادق السياسية

لا شك أن مسارعة الصين وروسيا لتقديم المساعدات الطبية لأكثر من 85 دولة في العالم سيؤدي لاختلاف في «المواقف السياسية» للدول التي تلقت ملايين الكمامات، لكن لا يمكن لهذه الكمامات أن تؤدي لانتقال هذه الدول إلى «خنادق سياسية» جديدة ضد الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والولايات المتحدة، فدول مثل فنزويلا وإيران سوف يزداد ارتباطها بالصين وروسيا كما كان قبل الوباء، لكن الدول في جنوب وشرق أوروبا التي تلقت مساعدات صينية وروسية لن يتعدى «حدود التغيير» في مواقفها إظهار الدعم لبعض الدعوات الأوروبية الداعمة للحوار مع روسيا، وعدم إغلاق الباب أمام الاستثمارات الصينية.

وخير نموذج لهذا التغير المتوقع هو دعم إيطاليا وإسبانيا وصربيا وعدد من دول جنوب وشرق أوروبا للدعوة الفرنسية التي أطلقها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قبل تفشي الفيروس، والتي وصف فيها روسيا بأنها دولة «أوروبية بامتياز»، وأن الحوار مع روسيا أفضل من الصراع معها، وأن إيطاليا والنمسا والمجر ستكون أكثر انفتاحاً على فتح حوار أوروبي روسي بعيداً عن نظريات «الحرب الخاطفة» ونشر القنابل النووية في أوروبا، لكن من المستبعد تماماً أن تتبنى إيطاليا وإسبانيا وحتى صربيا «المقاربة الروسية» في اليوم التالي لانتهاء «كورونا»، فعندما كانت الطائرات الروسية تفرغ حمولتها في شمال إيطاليا كتبت صحيفة «لا ستامبا» الإيطالية أن 80% من المساعدة التي قدمتها موسكو لإيطاليا عديمة الفائدة، وأن الكمامات الصينية لا تتمتع بالجودة الكافية، وهو ما يشير بوضوح لوجود حدود للتغيير الذي يمكن أن تقوم به المساعدات الطبية الصينية والروسية.

سقف عالٍ

من يتابع الصحافة في موسكو وبكين يتأكد أن هناك «سقفاً عالياً» من التوقعات الروسية والصينية لمدى التغيير الذي يمكن أن تفعله «دبلوماسية الكمامات»، فالميديا في الصين وروسيا باتت تشكك بشكل علني في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والكفاءة الأمريكية والنموذج الغربي، وفي العولمة والرأسمالية وحتى الثقافة والفن الغربي.

نعم، تقديم المساعدات الطبية سيكون له تأثير إيجابي على العلاقات بين روسيا والصين من جانب والدول التي تلقت المساعدات من جانب آخر، لكن ملفات الخلاف التي كانت قبل وباء «كورونا» ما زالت عالقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى