دستور عالق ورئيس غائب.. الجزائر إلى أين؟

السياسي – عندما نزل الجزائريون إلى الشوارع ونجحوا في الإطاحة بنظام “عبدالعزيز بوتفليقة” في عام 2019، كان هناك اعتقاد حقيقي بأن هذه كانت لحظة الربيع العربي في الجزائر.

وتم اعتقال شخصيات بارزة في النظام المخلوع فيما واصل المتظاهرون المطالبة بإصلاحات لإعادة تعريف العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها.

ومع ذلك، سرعان ما تحولت النشوة إلى حالة من عدم اليقين حيث أدت عودة ظهور الأصوات الأمازيغية الانفصالية إلى دفع الجيش بسرعة لملء الفراغ السياسي واحتواء مثل هذه الاتجاهات.

وبدلا من تشكيل حكومة انتقالية، قرر الجيش إعلان انتخابات رئاسية.

بعد ذلك، عكست نسبة التصويت المنخفضة في الانتخابات التي بلغت 40% حالة عدم اليقين والانقسامات الناشئة داخل حركة الاحتجاج الشعبي في الحراك.

وجادل أولئك الذين شاركوا في الانتخابات بأن النظام أفضل من الفوضى التي قد تؤدي إلى حرب أهلية أخرى.

وجادل المعارضون للانتخابات بأنها كانت حيلة فعالة من قبل النظام لتقسيم الحراك واحتواء قوته.

وإذا كانت هناك أي خطط لمقاومة الرئيس “عبدالمجيد تبون” بعد انتخابه في ديسمبر/كانون الأول 2019، فإن ظهور فيروس “كورونا” جعل هذا الأمر مستحيلًا، حيث غادر العديد من المتظاهرين الشوارع لتسهيل الجهود الوطنية لاحتواء الوباء الذي جلب معه أزمات على مستوى الاقتصاد العالمي.

ومع ذلك، تم الاعتراف بشكل عام بشرعية الرئيس “تبون”، وعندما عيّن لجنة دستورية لوضع دستور جديد، انخرطت مجموعات المجتمع المدني مع اللجنة في تقديم الاقتراحات والتوصيات.

لكن عملية صياغة الدستور شابها الجدل.

ففي حين قبل الجزائريون على مضض نتائج الانتخابات الرئاسية على أساس أن فراغ السلطة المطول سيؤدي إلى الفوضى، فقد أخطأ النظام في اعتبار التصويت المشروط بالثقة تفويضًا لترجمة المطالب الشعبية من جانب واحد إلى دستور.

وقد أدلى رئيس اللجنة الدستورية بتصريحات مثيرة للجدل حول قضية هوية الدولة والشعب الجزائري، مما أعاد إشعال الانطباع بأن الجزائر تحكمها أقلية أيديولوجية منفصلة عن الآراء السائدة في المجتمع الجزائري، فقد أثارت قضية تضمين اللغة الأمازيغية كلغة رسمية الجدل حول الهوية حيث كان الجزائريون يفكرون فيما إذا كان مثل هذا البند سيتطلب من جميع المدارس تدريس اللغة الأمازيغية، أم فقط تلك الموجودة في المناطق ذات الأغلبية الأمازيغية.

علاوة على ذلك، أثار توسيع صلاحيات الجيش الشكوك بأن النظام يسعى لبسط سلطته.

وأدت الاقتراحات بشأن منصب “نائب الرئيس” الذي سيتم إنشاؤه وتعيينه من قبل الرئيس إلى رد فعل واسع، حيث وضع النقاد أوجه تشابه بين الطريقة التي نحى بها الجيش الرئيس “الشاذلي بن جديد” في أوائل عام 1992، بعد إلغاء نتائج الانتخابات مع تعيين الجيش لـ”محمد بوضياف” مكانه مما أدى في النهاية إلى حرب أهلية استمرت 10 سنوات.

وفي حين تم إسقاط بعض هذه البنود المتنازع عليها لاحقًا، مثل تلك المتعلقة بتعيين نائب الرئيس، كان التصور العام أن ما يدور في ذهن النظام بالفعل كان ما يريد تضمينه في الدستور وأن المشاورات مع المجتمع المدني كانت لقياس مدى رد الفعل العكسي المحتمل.

وتفاقم الجدل حول الدستور بسبب غياب برلمان يفترض أن يدقق في المسودة المقترحة، حيث أن البرلمان الحالي هو نفسه الذي تم انتخابه خلال إدارة “بوتفليقة” في ظل عملية انتخابية لم يكن للجزائريين أي ثقة بها.

وبالرغم من الانتقادات المتزايدة بشأن الدستور الجديد، سعى النظام إلى تقديمه على أنه لحظة ثورية من خلال تحديد 1 نوفمبر/تشرين الثاني موعدًا للاستفتاء الذي يتزامن مع ذكرى إعلان 1 نوفمبر/تشرين 1954 وهي ذكرى إعلان حرب الاستقلال ضد الاستعمار الفرنسي.

ومع ذلك، فإن 23.7% فقط من الناخبين شاركوا في التصويت بينما صوت ما يزيد قليلاً عن نصف هؤلاء لصالح الدستور.

ولتوضيح الأمر أكثر، فقد أكد 13.7% فقط من 24 مليون جزائري مؤهل للتصويت دعمهم للدستور المقترح.

جعلت هذه المشاركة المنخفضة من الصعب على النظام القول بأن جائحة “كورونا” هي من أعاقت قدرة الناخبين على التصويت.

وبينما يحتدم الجدل حول ما إذا كان الإقبال المنخفض مدفوعًا باللامبالاة أو المقاطعة، فإن الحقيقة هي أن مثل هذه التقييمات ليست مؤكدة.

لعل الأمر الملائم والواضح تمامًا هو أن الجزائريين الذين أطاحوا بـ”بوتفليقة” ليسوا متحمسين للسنة الأولى للرئيس “عبدالمجيد تبون”، ولا يقتنعون بالاتجاه الذي تسير فيه البلاد.

وفي الوقت الذي تنقسم فيه حركة الحراك حول العملية التي يجب تنفيذها للوفاء بوعد الإصلاح، يكشف ضعف الإقبال على الاستفتاء أن هناك إجماعًا عامًا على أن العملية التي اقترحتها قيادة “تبون” حتى الآن ليست الطريق إلى الأمام.

وتتفاقم معضلة النظام بسبب الغياب المفاجئ وغير المتوقع للرئيس “تبون” نفسه عن الجزائر.

فقبل أقل من أسبوع من الاستفتاء، تم نقل الرئيس إلى ألمانيا لتلقي العلاج بعد إصابته بمرض “كورونا”.

ومنذ ذلك الحين، لم يظهر أمام الجمهور ولم يلق خطابًا.

وهناك شكوك متزايدة حول الحالة الصحية للرئيس.

وقد بدأ الكثيرون في استحضار التشابه مع السنوات الأخيرة لـ”بوتفليقة” فبالرغم من تدهور صحة الرئيس السابق وعدم قدرته على الاستمرار في مهامه، فقد أبقاه النظام في مكانه كرئيس صوري للحفاظ على النظام.

وفي حين أن مثل هذه المقارنات غير عادلة، يبدو أن السياسة الجزائرية وصلت إلى طريق مسدود حيث يتردد النظام في المضي قدمًا في عملية المصادقة على الدستور، بينما يروّج بعض المحللين لإمكانية اعتراف “تبون” بالاستياء الشعبي وإلغاء الاستفتاء تمامًا.

وفي هذه الأثناء، يسود ارتباك حول ما يحدث عندما يظل المسؤول المنتخب الوحيد بعد الحراك في حالة عجز.

ويسلط هذا الفراغ في الشرعية الضوء على انعدام الثقة العميق بين الشعب والنظام والذي لا يستطيع تجاوزه إلا “تبون” بشرعيته المؤهلة لذلك. فلا يزال لدى “تبون” ما يكفي من ثقة الشعب الجزائري للإشراف على العملية الانتقالية.

كما أن تصريحاته التي تدين تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإصراره على الحياد في ليبيا، وإدارته للصراعات الدبلوماسية مع المغرب، أعطت صورة لدولة فاعلة في وقت تتزايد فيه المخاوف بشأن الاقتراب الشديد من الصراعات الدائرة في المنطقة. كما تعزز حضور “تبون” بغياب بدائل عن المرحلة الانتقالية.

وينقسم الجزائريون حول الانتخابات البرلمانية بموجب القوانين الحالية التي يرى الكثيرون أنها صممت لمصلحة مرشحي النظام، وحول من يمكنه تجسيد الإصلاحات المنشودة.

لذلك، فإن “تبون” ليس في عجلة من أمره لتأسيس هيئة تشريعية جديدة أو تعيين حكومة جديدة.

علاوة على ذلك، مع تضرر الاقتصاد من تأثير جائحة “كورونا” وانخفاض أسعار النفط ، تزداد الحاجة إلى الإصلاحات الضرورية.

لقد أخفق قطاع الصحة في تلبية المعايير المطلوبة، كما أن البيروقراطية تعيق التنفيذ الفعال للسياسات اللازمة.

ويكمن الخوف في الجزائر في أن يكون الوضع الحالي سلامًا زائفًا بسبب قيود الوباء التي تحد من الاحتجاجات، ورغبة عامة في رؤية كيف يتعامل “تبون” مع المرحلة الانتقالية.

ويعني هذا أنه إذا ضغط النظام بشدة في تنفيذ إجراءات غير شعبية يُنظر إليها على أنها محاولة لكبح الثورة، فهناك احتمال حقيقي لنزول الجزائريين إلى الشوارع مرة أخرى.

قد يتم التصديق على الدستور الذي حظى بدعم “13.7%” ممن يحق لهم التصويت، ويمكن أن يعلن “تبون” ذلك باعتباره خطوة إيجابية إلى الأمام.

ومع ذلك، فإن الصمت في الجزائر ليس علامة قبول.

لقد استفاد “بوتفليقة” من تصورات جيل خاف من الحرب الأهلية في التسعينيات ومن نفورهم اللاحق من أي شكل من أشكال التغيير خوفًا من العودة إلى تلك الفترة من عدم الاستقرار والعنف.

ومع ذلك، فإن التركيبة السكانية الحالية تتكون من عدد كبير من الشباب الذين ولدوا بعد الحرب الأهلية، والذين يشعرون بالاستياء الشديد من عدم وجود الفرص المتاحة لهم نتيجة للفساد وسوء الإدارة.

علاوة على ذلك، فإن عجز “تبون” هو تذكير صارخ بمدى استمرار اعتماد الجزائر على الأفراد بدلاً من المؤسسات، مما يؤكد الحاجة الملحة إلى إنشاء هيئات تشريعية شرعية تحصل على تفويض شعبي مقبول لتعزيز العملية الانتقالية.

ورغم ذلك، فإن كل الأنظار الآن على “تبون” وكيف سيدير التقييم القاسي للسنة الأولى في السلطة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى