دفتر الخطايا
عبد الحليم قنديل

نقرأ الماضي، لا لكي نعيش فيه، بل لنفهمه، ونستوعب عظاته ودروسه، ولا نكرر خطاياه بالذات. هذه حكمة قديمة، ينساها أغلبنا، حين يحول الحول، وتزداد وطأة ما نحن فيه من مآس، فيزيد ميلنا للعيش في الماضي، والتلهي عن عثرات الحاضر، الذي يبدو أسوأ بامتياز، رغم أن الحقيقة قد لا تكون دائما كذلك.

مناسبة تذكر الحكمة القديمة الجديدة، هي ما تمر به القضية الفلسطينية اليوم، وسيول المراثي، التي تكاد تنعى قضية الشعب الفلسطيني، وتحدثك عن تصفية نهائية للحق الفلسطيني، مع ما تسمى خطة ترامب، وعزم حكومة العدو ضم المستوطنات والأغوار وشمال البحر الميت، وانعدام فرصة إقامة الدولة الفلسطينية المجتزأة على الأراضي المحتلة في حرب 1967.

والقضية الفلسطينية لم تنشأ اليوم طبعا، فقد عبرت من قرن إلى قرن، ومنذ وعد بلفور عام 1917، لم يتوقف الكفاح الفلسطيني في مئة سنة وتزيد، وتوالت انتفاضاته ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان اليهودي، التي لم تحل في النهاية دون وقوع نكبة 1948، واحتلال غالب فلسطين، وإنشاء كيان الاغتصاب الإسرائيلي، وطرد ثمانمئة ألف فلسطيني من ديارهم، صاروا مع تناسلهم في الشتات نحو ستة ملايين اليوم، بينما تبقى العدد الأكبر من الفلسطينيين داخل فلسطين، التي صارت محتلة بكاملها بعد حرب 1967، ولكن من دون أن يحدث التفريغ السكاني، الذي أوحت به كوارث النكبة، فقد بذلت الصهيونية كل ما تستطيعه من جهد، وبالتحالف الوثيق مع مراكز قيادة الغرب الاستعماري في لندن وباريس، ثم بالاندماج الاستراتيجي مع واشنطن، مركز القيادة الغربية الإمبريالية بعد الحرب الكبرى الثانية، وجرى التهجير الواسع لليهود إلى فلسطين على موجات، كان آخرها تأثيرا موجة تهجير ما عرف طويلا باسم «اليهود السوفييت»، وكانت تلك آخر دفقةدماء كبرى للاستيطان الصهيوني في فلسطين، لكن الهدف المعلن للصهيونية لم يتحقق في النهاية، فلم تصبح فلسطين وطنا خالصا لليهود المستجلبين، رغم الفروق المرعبة في القوة العسكرية لصالح إسرائيل، المسلحة حتى الأسنان النووية، ولسبب ظاهر، هو أن الشعب الفلسطيني الأصلي صار أكبر عددا اليوم على أرضه التاريخية

( 50.9% )، بينما يتراجع «الشعب الإسرائيلي» المفتعل باطراد إلى وضع الأقلية السكانية (49.1%)، خصوصا مع نضوب مخازن التهجير اليهودي لاستيطان فلسطين، فلم تعد في العالم كتلة يهودية كبرى خارج كيان الاحتلال، سوى حالة اليهود في أمريكا، وهؤلاء لا يريدون الذهاب إلى فلسطين، ويكتفون بدعم «إسرائيلهم» عبر دفاتر الشيكات، أو تطويع دور صانع القرار في واشنطن لصالح دولة الاحتلال، على طريقة انخراط ترامب في منح القدس والضفة، ومن قبلهما الجولان لإسرائيل، بقرارات الضم الأبدي.

والمعنى باختصار، وبعيدا عن زحام العواطف، أن تصفية القضية الفلسطينية لم تعد ممكنة، وهذا هو درس الماضي وعظة التاريخ الأولى، فإسرائيل كيان استعماري استيطاني إحلالي، ولم تنجح أبدا عملية ثبات ودوام أي كيان استيطاني، إلا إذا نجح في تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، أو خفض عددهم إلى أدنى حد، وعلى طريقة ما جرى في الاستيطان الأوروبي الاستعماري للأمريكتين واستراليا، بينما لم ينجح الاستعمار الاستيطاني في حالتي الجزائر وجنوب افريقيا، صحيح أن المحاولة دامت في الجزائر على مدى 130 سنة، لكنها فشلت في النهاية، وبعد تضحيات عظمى من أهل الجزائر الأصليين، قدموا فيها ما قد يصل إلى المليون ونصف المليون شهيد، أنهت غزوة «فرنسة» الجزائر، وهو ذاته ما جرى بطرق أخرى في جنوب افريقيا، وعبرة التاريخ ودروسه تقول، إن ذلك عينه هو ما سيجري في فلسطين بإذنه تعالى، ربما مع إكمال كيان الاحتلال لعامه المئة، رغم اختلاف ظروف حالة الجزائر عن حالة جنوب افريقيا، واختلاف السياق المصاحب في الحالتين عن الحالة الفلسطينية الراهنة، التي تمتاز بثبات كتلة الشعب الفلسطيني الغالبة فوق أرضه المقدسة، وبحيوية متزايدة للفلسطينيين، الأفضل تعلما بين شعوب أمتهم العربية، فقد خلقتهم المحنة الفريدة خلقا جديدا، واستعاضوا عن نزيفهم السكاني مع الطرد الأول، وصاروا تسعة أمثال عددهم الذي كان وقت النكبة الأولى.

“لا يصح أن ينسحب ظل الماضي على مستقبل القضية الفلسطينية، ولا أن يظل الفلسطينيون أسرى لأوهام أوسلو “.

وقد يقال لك، وما جدوى التفوق العددي الفلسطيني إذا كانت الأرض تسحب من تحت أقدام الفلسطينيين بالضم والقضم والتهويد، وهذه نقطة اعتراض تبدو وجيهة لأول وهلة، والجواب المضاد عليها، أن الفلسطينيين منتشرون بنسب متفاوتة في أغلب الأقاليم الطبيعية لفلسطين المحتلة بكاملها، مع فك الأقواس المصطنعة، من نوع «الخط الأخضر» و»الجدار العازل»، أو المحاولة الصهيونية لوضع الفلسطينيين في كانتونات فصل عنصري، على طريقة ما كان يجري في جنوب افريقيا، وهنا قد يصح الالتفات إلى دفتر الخطايا التي تضعف القوة الصراعية للفلسطينيين، وقد جرى أخطرها في الماضي القريب، وبالذات في العقود الأربعة الأخيرة، منذ إعلان المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988، الذي قضى بالاعتراف النهائي بدولة إسرائيل، مقابل إقامة دولة فلسطينية في غزة والضفة عاصمتها القدس الشرقية، أي على مساحة الخمس من فلسطين المحتلة بكاملها، وما تبعه من اتفاقات أوسلو وأخواتها، التي أقامت سلطة افتراضية، لها عمليا أقل من صلاحيات سلطة حكم ذاتي، ولبعض السكان دون كل الأرض، ورفعت عن كاهل سلطة الاحتلال كل الأعباء المنهكة، ووفرت لدولة العدو احتلالا منخفض التكلفة، وربما بالمجان، وعقودا من الهدوء النسبى، زادت من تغول الاستيطان اليهودي أضعافا في القدس والضفة الغربية بالذات، بينما انقرض الاستيطان اليهودي في غزة بدواعي وأفضال وعواقب انتفاضة 2000، التي عملت السلطة الفلسطينية الرسمية على منع تكرارها، والتورط في خطايا التنسيق الأمني، ومطاردة الخلايا الفدائية، وقد لا يكون اليوم هو وقت العتاب والمؤاخذة، فقد اقتنعت السلطة نفسها أنها كانت تطارد سرابا، وأعلن الرئيس محمود عباس عن إلغاء الاتفاقات كلها، وإن كانت المراجعة لم تكتمل، فقد ظلت السلطة نفسها موجودة، وهي وليدة اتفاقات السراب، ووجودها قيد متصل على حركة الشعب الفلسطيني، بينما تملك الحركة الوطنية الفلسطينية أن تحيي منظمة التحرير، وتعيدها إلى وضعها الأصلي، كممثل شرعي جامع للشعب الفلسطيني، وتلغي خطيئة الاعتراف بأي «شرعية» لوجود إسرائيل الراهنة، وتعيد دمج فلسطينيي الداخل الإسرائيلي مع فلسطينيي الشتات، في صلب القضية، وبالطرق المناسبة لكل قطاع، فالقضية الفلسطينية ليست محصورة بأهل غزة، والضفة كما أوحت أوسلو وتوابعها، والانتقال من التضييق إلى الاتساع الفلسطيني الرحب، هو الذي يسمح بترجمة التفوق العددي الفلسطيني إلى تفوق كفاحي طويل المدى، وعلى أساس مبدأ الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين بكاملها، وكان هو المبدأ الأول لحركة فتح في ظهورها الأول، مع انطلاق رصاصة العاصفة الأولى في الأول من يناير 1965، وقبل أن تزحف خطايا البرنامج المرحلي في 1974 بالاعتراف بقراري مجلس الأمن الشهيرين 242 و 338، وصولا إلى ما أسمي عرفا بإعلان الاستقلال الفلسطيني والاعتراف بشرعية إسرائيل.

وبوضوح، فقد لا يصح أن ينسحب ظل الماضي على مستقبل القضية الفلسطينية، ولا أن يظل الفلسطينيون أسرى لأوهام أوسلو، وما سبقها وتلاها من ترتيبات مراوغة مهلكة، كادت تنزع عن الشعب الفلسطيني جوهر قضيته في التحرير الوطني، ونقطة البدء هي الوعي بالعظات، وتجنب تكرار الخطايا، فليس صحيحا أن القضية تخسر بالكفاح المسلح، كما روجوا، فالكفاح المسلح هو الذي بلور الهوية الوطنية الجديدة الجامعة للشعب الفلسطيني، وليس صحيحا أن الشعب الفلسطيني لا يقدر على انتفاضة جديدة، ولا هو صحيح أن السلام ومفاوضاته هي الطريق، وأن العمل الدبلوماسي الدولي هو الخيار الوحيد المتبقي، وهذه أفكار أثبت الواقع الفلسطيني الحاضر بؤسها العظيم، فهي لا تقود سوى إلى الطرق المسدودة، التي تستهلك الطاقة وتزور الوجدان، وما على من بيدهم الأمر الفلسطيني في ما نظن، سوى أن يتركوا القضية لشعبها على امتداد خرائط تواجده فوق أرضه المحتلة كلها، وفي خبرة كفاح الشعب الفلسطيني متسع للكثير، من الانتفاضات الشعبية السلمية، إلى التعبئة السياسية المنتظمة، إلى إفساح المجال لأجيال جديدة عفية، تبدع صيغ الكفاح الشعبي في كل الأوقات، وتدرك جدوى الكفاح الديمقراطي، واستثمار التناقضات في كيان دولة الاحتلال، وجدوى الكفاح المسلح في مواقع وأوقات وعلى خطوط بعينها، مع الثبات المتصل على الأرض المقدسة، وتحويل التفوق العددي المتزايد إلى أغلبية فلسطينية كاسحة في دولة المستقبل المحرر من تحكم الفاشية الصهيونية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق