دم، عرق وغانتس…

ناحوم برنياع
يديعوت
منذ بداية أزمة الكورونا ونتنياهو يتبنىالسيناريو المتطرف، هكذا يتصرف دوما: كل خلل هو في نظره خطر وجودي، كل تهديد هو كارثة. ولما كان احدا في العالم حاليا لا يعرف بثقة الى أين سيأخذنا الوباء، فان السيناريو المتطرف يبدو معقولا. والحكومات ملزمة بان تتخذ احيانا اجراءات قاسية، وحشية. اذا كان هذا ما سيمنع الموت الجماعي للاسرائيليين فخير وجميل. من يؤيد تصفية الكورونا؟ كل الاسرائيليين جميعا، كرجل واحد.

ولكن عندها، مع نهاية الخطاب، امتشق الساحر فجأة الجوكر. الكورونا سيقيم لنا “هذه الليلة” حكومة طوارىء وطنية. غانتس، ليبرمان، بيرتس، ليفي أبقسيس. كان هذا سريعا جدا، نشيطا جدا، بحيث أني لم اكن واثقا أني سمعت جيدا. فأحد لا يمنع نتنياهو من أن يدير أزمة الكورونا كما يشاء، مع وزرائه الممتازين، ليتسمان والحاخام بيرتس الذين يكثروا مؤخرا الثناء عليهم. قبل يوم من ذلك كانت الرسالة التي خرجت من مكتب رئيس الوزراء تقول العكس: لا نريد الوحدة؛ نسير الى جولة رابعة. فما الذي تغير؟ بالتأكيد ليس الكورونا.

أنا بالذات مع حكومة مشتركة للحزبين الكبيرين: كان ينبغي لها أن تقوم منذ زمن بعيد، بعد الجولة الاولى. نتائج الانتخابات جعلتها ضرورية. ولكن ما الصلة بين الابرة والجب، ما الصلة بين الكورونا والعقدة القانونية والسياسية، التي تجرنا منذ أكثر من سنة؟ لو كنت غانتس لقلت لنتنياهو نعم، انا موافق. انا اكون رئيس الوزراء وانت تكون الوزير الاعلى لشؤون الكورونا. فهذه مصيبة لم يشهد لها العالم مثيلا. وأنت فقط المجرب، الواصل، المقتنع، ستعرف كيف تحاربها. أنت فقط.

بكلمات اخرى، نتنياهو فعل هذا مرة اخرى، اندفع الى الامام بسرعة طائرة فائقة، قام بمناورة شقلبة لامعة، في السماء، وعندها اصطدم بحائط المصداقية. نعم، كانت عدة امور صغيرة اخرى أخلت بخطاب الدم، العرق والدموع امس. فالعرض الذي قدمه في البداية، مع الامر الاستعراضي للفصل بين فلان وعلان في القاعة كي لا تتناقل العدوى، الدرس الثاقب الذي اعطاه في الرياضيات الاساسية (المعطيات من الصين وكوريا الجنوبية تعتقد خلاف ذلك)، المحرمة الورقية المستعملة التي اخرجها من جيبه، ومسح بها أنفه واعادها الى جيبه واخرجها مرة اخرى. رئيس الوزراء يمكنه أن يسمح لنفسه بان يتزود بمنديل نقي. اذا كان يريد ان يكون نموذجا للاخرين فهذا ما كان ينبغي أن يفعله. وهكذا يحافظ ايضا على صحته التي هي صحتنا.

مناورة الوحدة نحت جانبا المشكلة التي من أجلها اجتمعنا: الكورونا. نحن نكثر من الحديث عن الجوانب العموم طبية والعموم اقتصادية للمشكلة. وبالتدريج يتسلل الوعي بان الحديث يدور عن اكثر من هذا بكثير – عن التأثير على الفرد، على عمله، على تعليم اولاده، على ثقافة وقت الفراغ، على حياته في العائلة وفي المجتمع الاهلي.

ان التحول الذي يجتازه هذه الايام مئات ملايين من ابناء البشر من العالم الغربية لا يمكن تشبيهه بأي شيء – ولا حتى بالحروب. قسم متزايد مما يسميه السياسيون “الحياة نفسها” مشلول – وليس لاحد اي فكرة، بما فيها الحكومات، اذا كانت هذه أزمة مؤقتة، اجازة باعثة على التحدي، كارثة عالمية أم ملاحظة هامشية جانبية على صفحات التاريخ. يشكو المواطنون في الدول الديمقراطية من أنهم يضطرون للعمل في ظروف من انعدام اليقين. هذه هي المشكلة الصغيرة: المشكلة الكبيرة هي ان الحكومات التي تصدر لهم الاوامر تعمل في ظروف من انعدام اليقين. فهي تطلق النار في الظلام.

تدخل اسرائيل أزمة الكورونا في وضع جيد نسبيا. احيانا يكون من المفضل الفيللا في الغابة. فللفيللا يوجد جدار، وللجدار توجد بوابات يمكن اغلاقها. الاغلاق ليس محكما – فالفيروس، وهذا هي طبيعته لا يتوقف في الحواجز ولا في حاجز مطار بن غوريون، ولكن من الاسهل ابطاء تسلله الى الداخل.

ميزة أخرى هي أنه يوجد لاسرائيل جهاز صحي عام، يعرف كيف يأخذ ا لمسؤولية عن كل مواطنيها وسكانها. الجهاز الصحي هو احد الذخائر الهامة التي خلفها لنا الاباء المؤسسين للدولة من رجال حركة العمل.

ميزة ثالثة هي التجربة التي راكمها الاسرائيليون في مواجهة حالات الطوارىء. هذه الميزة الهائلة ولدت مع قيد واحد: الفتيل الزمني للاسرائيليين قصير. بعد بضعة اسابيع يملون. ربما لهذا السبب يحتاج نتنياهو الى غانتس في حكومته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق