“دولة فلسطينية”.. تهافت الشعار وهزال المطلب
محمود الريماوي

“تضمنُ حل الدولتين”.. هكذا وصف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وصهره جاريد كوشنر، بعبارات مختلفة، ما سُمّيت “رؤية من أجل السلام والازدهار”. وهي رؤيةٌ افتتح بها كوشنر (37 عاما حين عكف على وضع الخطة) مسار حياته المهني السياسي. والدولتان هما إسرائيل، بعد ضم القدس وغور الأردن والمستوطنات المبثوثة في أرجاء الضفة الغربية المحتلة إليها، ودولة فلسطين على ما تبقى من الضفة الغربية، وهي مناطق معزولة، لا حدود برية أو جوية لها مع العالم الخارجي، ولا سيادة على الأرض أو ما تحتها (مياه جوفية، معادن، آثار)، ولا جيش لها، أو قوات مسلحة تصد الاعتداءات عنها، مع إطلاق يد دولة إسرائيل في استباحة دولة فلسطين، متى وأينما وكيفما شاءت الأولى.
إذن هو الحل الذي يكفل إنشاء الدولة الفلسطينية العتيدة، وفق واضعي الخطة وشركائهم في تصميمها في تل أبيب وواشنطن. وهي خطة واقعية، بمعنى أنها قابلة للتنفيذ، وبصورة أكثر دقة، هي خطة تقبل بها دولة الاحتلال التي لطالما رفضت كل الخطط السلمية السابقة، ومنها إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو)، خلافا لما يدّعيه كوشنر أن الفلسطينيين أساتذة في تفويت الفرص. وقد عمد ترامب، وأركان إدارته، إلى التدليس بتكرارهم عبارات الخطط السابقة التي لم تتوفر لها فرص النجاح، إذ إن شريكهم في تل أبيب هو من أفشل كل جهود سلمية سابقة، فالعيب فيه، وليس في الخطط السابقة، فهدفه الثابت هو التوسّع والضم والاستيلاء، والاستثمار في العنصرية والصراع على أساس الدين، وليس منح الأجيال فرصة سلام جدّي متوازن.
وقد التقط أركان إدارة ترامب المطلب الفلسطيني القديم الذي بات عربيا وإقليميا وأمميا، بأهمية أن يتمتّع الفلسطينيون بدولةٍ خاصة بهم، فكان أن تم اللعب والتلاعب بهذا المطلب، وتفريغه من  مضمونه، وجعله يلبّي مطامع المحتل، لا حقوق الطرف الرازح تحت الاحتلال. وهو ما تتضمنه هذه الخطة. على أن واقع الحال يفيد بأن ثمّة خطأ جوهرياً، وقع فيه الطرف الفلسطيني منذ أواسط سبعينيات القرن الماضي، مع اعتماد البرنامج المرحلي، والذي بموجبه أطلقت الدعوات إلى مواصلة الكفاح من أجل إنشاء دولة فلسطينية (بديلاَ عن مطلب تحرير فلسطين)، إذ فتح هذا المطلب الباب واسعا أمام التلاعب بالحق الوطني والسياسي، وتحت ادّعاء القبول بحق بإنشاء دولة، فحزب العمل الإسرائيلي، في أثناء صعوده، شرع في الاستيطان وشرّعه، واعتبره لا يتنافى مع إقامة دولة فلسطينية. وظلت حدود هذه الدولة ومرتكزات وجودها موضع مساوماتٍ وشدّ وجذبٍ بين الأطراف الإسرائيلية والعربية والدولية. وقد أدّى ذلك إلى تغييب المسألة الأساس، وهي وجوب إنهاء الاحتلال الاستيطاني والعسكري. وقد اجتهد دهاقنة الاحتلال، ومن يشايعهم في واشنطن في ابتداع صيغ توفّق بين استمرار الاحتلال وإنشاء دولة فلسطينية. وذلك لضمان حقوق مصالح الجميع وتلبيتها!
وثمّة فرق جلي بين مطلب إنشاء دولة وإنهاء الاحتلال. في الحالة الأولى، تصبح الأنظار مشدودةً إلى طموح معلن بالتحقق الكياني، لشعبٍ أو قوم أو مجموعة، كما هو حال سعي الأكراد مثلا. وقد تعني أيضا الانفصال، كما هو حال جنوب السودان أو انشطار تشيكوسلوفاكيا إلى دولتين. أما إنهاء الاحتلال فيعني تفعيل مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة، وعلى الحق في مقاومة الطرف القائم بالاحتلال. ويندرج في مصفوفة تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير للشعوب. وبينما يؤدّي إنهاء الاحتلال حُكماً إلى إنشاء دولة مستقلة ذات سيادة، فإن إنشاء دولة لا يؤدّي، بالضرورة، إلى إنهاء الاحتلال، ما دام هذا المشروع قابلا للتفاوض حوله لتحديد فحواه ومضمونه.
وخلافاً للأهداف المعلنة التي ظلت ترفعها حركات التحرّر بتصفية الاستعمار وإنهاء الاحتلال وسحب القوات الأجنبية، ومنها حركات عربية في القرن العشرين، فقد امتاز العمل الوطني الفلسطيني بمطلب إنشاء دولة. وعلى الرغم من أنه كانت تلحق عبارة: على الأراضي المحتلة عام 1967، إلا أن المطلب كان قابلا للاختصار، لدواعٍ سياسيةٍ وأكاديميةٍ ومقتضياتٍ إعلامية، وقصره على دولة فلسطينية.
لقد أفضى تغييب مطلب إنهاء الاحتلال إلى تخفيف الضغط المعنوي والقانوني والإعلامي عن  الدولة المحتلة، وإلى تبهيت واقع حركة التحرّر الوطني، وجعلها مجرّد طرفٍ سياسيٍّ ذي طموح وطني مؤسساتي دولاتي. مع تعريض هذا الطموح لضغط مقتضيات أمن دولة الاحتلال، وفق المنظور الأمني الخاص به، إذ هو مجرّد قناع لتسويق المطامع التوسعية والتمويه عليها. وبينما احترم القانون الدولي حق الفلسطينيين في أرضهم، تركّز الجهد السياسي الدولي على مطلب إنشاء دولة، فكان أن عكف خبراء الاحتلال على ابتداع خطط لتمتيع الفلسطينيين بالدولة، مع سلب الأرض منهم. وحاليا ثمة “دولة فلسطين” المفترضة قائمة، حتى قبل خطة ترامب نتنياهو هذه، فالرئيس محمود عباس يوصف بأنه رئيس دولة فلسطين، في الأدبيات السياسية الفلسطينية والعربية، وهذا من دون أن يتمحور جهد الدولة الافتراضية هذه على تركيز السعي، في المنابر الدولية، على إجلاء المحتلين عن أرض هذه الدولة. والحال أنه تم إشباع الرغبة المعنوية الذاتية لأصحابها بإعلان الدولة، مع مواصلة سلب الأرض بالمصادرة والضم والاستيلاء.. وباتت المسألة هي بمنزلة تنازع بين دولة فلسطين ودولة إسرائيل على الأراضي، فجاءت خطة ترامب نتنياهو، لكي تفصل في هذا النزاع الذي طال أمده، وتوزّع الأرض بين الجانبين مع أرجحية للجانب الفلسطيني! ومع وعودٍ بالازدهار المدفوع ثمنه من أطراف عربية، وفق الخطة، وليس من الطرف المعتدي، وذلك مقابل تمتيع الفلسطينيين بوضعٍ ينجيهم (إلى حين) من غائلة الفاقة، ويسلبهم، في الوقت نفسه، كل شعور بكرامةٍ وطنيةٍ وتالياً بشرية.. وبمعنى آخر، عبودية ناعمة، تتماشى مع تحويراتٍ سلبيةٍ لمفهوم العولمة، بحيث يصبح الازدهار الموعود والمزعوم بديلا للوطن أو حتى رديفا له. والتفتح الاقتصادي والرفاه اليومي بديلا للسيادة أو القوات الساهرة. أما المحتلون الإسرائيليون فلهم أن يحتفظوا بمفاهيمهم “الكلاسيكية” الغابرة عن الأمن والسيادة ومساحات الأراضي ومصادر المياه والحدود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق