رؤية ترامب وفيروس كورونا
هاني المصري

هناك من تسّرع واعتبر أن وباء فيروس كورونا وجّه ضربة قوية أو قاتلة لرؤية ترامب. ولا غرابة في ذلك، فهناك من قال سابقًا ويكرر بأنها ولدت ميتة، أو لا توجد لها أية فرصة للنجاح، (هذا صحيح لجهة عدم إمكانية قبول الشعب الفلسطيني لها، وليس صحيحًا لجهة أن ما هو وارد فيها حول تصفية الحقوق والمكتسبات الفلسطينية لن يطبق، بل يجري تطبيقه أميركيًا وإسرائيليًا، وسيتواصل ما لم تنشأ متغيرات جوهرية)، وأن الفلسطينيين حتمًا سيهزمونها كما هزموا المبادرات والمخططات التآمرية السابقة.
في اعتقادي أن رؤية ترامب جُمِّدت من بعض النواحي مؤقتًا، وتواجه بعد عواقب كورونا صعوبات ناجمة من أنها لم تعد الأولوية، وستواجه صعوبات اقتصادية أكبر بكثير، خصوصًا في جمع الأموال الموعودة المخصصة لبلدان عدة، مع العلم أنها لم تكن ممكنة أصلًا، وطرحها يستهدف التضليل والإغواء، بدليل أن معظمها قروض غير مضمون تقديمها، والباقي استثمارات من القطاع الخاص لم نعرف من سيُقدِم عليها، أو منح لم يلتزم أحد بها، و”تجمّدت الرؤية” بسبب إجراء الانتخابات الإسرائيلية، وعدم تشكيل حكومة حتى الآن، وبسبب الانشغال الإسرائيلي والأميركي بمواجهة وباء كورونا.
لا أنصح أحدًا بالرهان على ما سبق، حتى لو استمر فيروس كورونا بالفتك بالإسرائيليين والعالم كله، بدليل استمرار عمل اللجنة الأميركية الإسرائيلية المعنية بتحديد ورسم خرائط الضم رغم كورونا، وأن الحكومة الإسرائيلية تريد إضافة مواقع أكثر مما وارد فيها للضم، والأهم أن الضم طُرح في المفاوضات الائتلافية بين حزب “أزرق أبيض” و”الليكود”، وانتهت إلى إقرار الضم في برنامج حكومة الطوارئ أو الوحدة القادمة.
وإذا لم تنجح المفاوضات لتشكيل الحكومة فتوجد لدى بنيامين نتنياهو فرصة لتشكيل حكومة يمينية متطرفة بانضمام ثلاثة أعضاء من كتلة “أزرق أبيض” بعد تمزقها إلى ثلاث كتل. وأما إذا ذهبت إسرائيل إلى انتخابات رابعة، فستكون فرصة نتنياهو واليمين بالفوز بها أكبر من سابقاتها، كما تشير مختلف الاستطلاعات، لا سيما في ظل فقدان بديل له بعد تحطم ما أعتقد أنه البديل.
يؤسس دعاة أن رؤية ترامب ماتت أو ولدت ميتة، أو حتمًا ستموت، ادعاءاتهم على حيثيات عديدة، منها ما هو واهن وضعيف ولا يعتد به، ومنها ما هو جدي.
من الآراء الجدية، ولكن المختلف حولها، أن بقاء القضية الفلسطينية حية، وبقاء نصف الشعب الفلسطيني على أرض وطنه دليل قاطع على فشل وهزيمة المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي تبنته الحركة الصهيونية، والذي قام على شعار “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وعلى هدف إقامة إسرائيل الكبرى “دولة شعب الله المختار على كامل الأرض الموعودة لهم”.
نعم، لم ينجح المشروع الصهيوني في تحقيق كل أهدافه، ولكنه استطاع أن يحقق جزءًا مهمًا منها، أولًا بإقامة إسرائيل على 78% من أرض فلسطين التاريخية، وحصوله على اعتراف عالمي، ثم اعتراف عربي من مصر أكبر الدول العربية بعد توقيع معاهدة “كامب ديفيد”، وفلسطين والأردن بعد توقيع اتفاقيتي أوسلو ووادي عربة، وتزايد الاستعداد العربي الجماعي للاعتراف بإسرائيل، كما تضمنت مبادرة السلام العربية، مقابل انسحاب كامل من الأراضي العربية المحتلة، ومع أن الانسحاب الإسرائيلي لم يحدث، إلا أن مسبحة التطبيع مع إسرائيل كرّت، لدرجة وجدنا نوعًا من التحالف الواقعي العربي الإسرائيلي المتجه للترسيم تحت مسمى “مواجهة الخطر الإيراني”، الذي بات هو الخطر الرئيسي بالنسبة إلى بعض العرب .
كل ما سبق عربيًا، أُسس على هزيمة العرب في حرب حزيران 1967، حين احتلت القوات الإسرائيلية بقية فلسطين وسيناء والجولان، ثم قامت بعد ذلك بضم رسمي وقانوني لبقية القدس والجولان لإسرائيل، وتستعد الآن للمزيد من الضم بعد أن صادرت مساحات واسعة من الأرض، وإقامة مستوطنات عليها استعمرها أكثر من 850 ألف مستعمر مستوطن، قطعت أوصال الضفة الغربية، وقسّمتها إلى معازل آهلة بالسكان، وفصلت قطاع غزة عن الضفة الغربية ودفعت وسهّلت وقوع الانقسام (الذي ساهمت أساسًا أيضًا أطراف فلسطينية في حدوثه)، وتعمل على بقائه واستمراره.
إن ضم أجزاء من الضفة التي تشمل الأغوار والمستوطنات يخطط له ويمكن أن يحدث خلال هذا العام، وقبل الانتخابات الأميركية، وهو مجرد مرحلة جديدة على طريق ضم مجمل المناطق المصنفة (ج)، التي تشمل مساحتها أكثر من 60% من مساحة الأراضي المحتلة العام 1967.
وهذا كله لن يكون نهاية المطاف. فالقادة الصهاينة يدركون ويخططون ويعملون لتنفيذ ما خطط له مؤسسو الحركة الصهيونية بإقامة دولة نقية لليهود (أي بأغلبية ساحقة يهودية)، لا مكان فيها للأغيار، ما يعني أن مخططاتهم تشمل طرد وتهجير المزيد من الفلسطينيين في الوقت المناسب حتى لا يصبحوا أغلبية في دولة اليهود، لذلك تضمنت رؤية ترامب ضم المثلث للسلطة الفلسطينية التي لن يُسمح لها أن تكون دولة رغم تسميتها بذلك، كما تضمنت إخراج وضم المزيد من أهالي القدس لولاية الكيان الفلسطيني.
المهم الآن التحديد الدقيق لأين تقف القضية الفلسطينية والشعب، وإدراك أننا في وضع صعب، ولكن ليس ميؤسًا منه، إذ لدينا العديد من أوراق القوة، والإقليم والعالم يتغير في غير مصلحة إسرائيل.
إن الحركة الصهيونية لم تنتصر بالحرب، ولكنها انتصرت في معارك كثيرة، ولم تنجح بالقضاء على القضية الفلسطينية، فلا تزال حية رغم كل الأضرار والخسائر والهزائم، ولا في طرد نصف الفلسطينيين من وطنهم، ولا بإقناع الفلسطيني برفع راية الاستسلام، بل لا يزال مؤمنًا بأنه على حق، ومستعد لمواصلة النضال، ويشجعه على مواصلة كفاحه رؤيته للكثير من المآزق ونقاط الضعف الإسرائيلية الداخلية والخارجية.
لقد بات واضحًا للكثير من الصهاينة أن أمامهم فرصة تاريخية، ربما تكون أخيرة في ظل وجود دونالد ترامب في سدة الحكم بالبيت الأبيض، ويجب استغلالها لأبعد حد، خصوصًا أن فرصه بالفوز مجددًا أصبح مشكوكًا بها بعد فشله في مواجهة وباء كورونا، وخسارته لكل الإنجازات التي حققها، لذلك صدرت مطالبات من قادة وكتاب وصحافيين ومراكز أبحاث إسرائيلية باستغلال المدة الباقية له بالحكم للإقدام على ضم أجزاء واسعة من الضفة الآن، في ظل الرهان على أنه سيدعم كونه سيحتاج أكثر إلى مزيد من الدعم من الناخبين الإنجيليين الأميركيين المتطرفين في دعمهم لإسرائيل، لا سيما أن من سيخلفه سيواجه بأمر واقع وحقائق يصعب القفز عليها.
وإذا فاز ترامب بولاية ثانية سيكون الطريق أمام المتطرفين الإسرائيليين مفتوحا أكثر لتحقيق المزيد من أطماعهم وأهدافهم التوسعية والعنصرية، وإذا خسر وفاز بايدن سيكون أمام حقائق يصعب التراجع عنها، وحتى لو رفضها لن يؤدي ذلك إلى تغييرها. فلقد بلعت الإدارات الأميركية قيام إسرائيل بخطوات أحادية من دون اعتراف أو موافقة أمريكية، مثلما حصل مع قرار ضم القدس الشرقية، الذي وافق عليه الكونغرس الأميركي في العام 1995، أي بعد سنوات كثيرة على تنفيذه.
هل سيكون الرد الفلسطيني على خطوة الضم شبيه بالرد الضعيف على إعلان ضم القدس ومجمل الخطوات التي اتخذها، وصولًا إلى طرح رؤية ترامب التي جاءت أسوأ من التوقعات، حيث في هذه الحالة سيغلب على الموقف الفلسطيني الانتظار، والرهان على نجاح بادين ضد ترامب، أم سيكون هناك رد مختلف جوهريًا يراهن على الذات لا على الآخرين، ويتناسب مع حجم التحديات والمخاطر؟
بكل صراحة، المؤشرات والشواهد المتوفرة حتى الآن في معظمها لا تبشر بالخير، فالانقسام الفلسطيني تواصل وتعمّق رغم الوباء، لدرجة لم تعد هناك حاجة كما نرى لطرح هدف الوحدة، أو بذل جهود من أجلها. فهناك تسليم متزايد بأن الانقسام مرشح للاستمرار، وكل طرف من طرفي الانقسام أولويته الحفاظ على ما لديه، والعمل على هزيمة خصمه الداخلي أولًا، ومن ثم تحقيق المزيد من المكتسبات إن أمكن، متناسيين أن ما يهددهما ويهدد الفلسطينيين جميعًا هو الاحتلال، ومخططاته التوسعية والعنصرية والعدوانية.
فالواقع الراهن ليس نهاية المطاف، بل إقامة “إسرائيل اليهودية الكبرى” على كل فلسطين، وهي لا تتسع لكل هذا العدد من الفلسطينيين، وبالتالي مطلوب من السلطتين تقديم تنازلات أكثر من أجل الحفاظ على سلطتيهما.
فالسلطة بالضفة عليها الكف عن لعب دور سياسي، والمطالبة بإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة، والقبول بما تفرضه رؤية ترامب، من تصفية القضية الفلسطينية، وإلا سيجري العمل على تغييرها وإيجاد بدائل عنها.
أما السلطة في غزة فعليها القبول بهدنة طويلة مقابل تخفيف الحصار لا أكثر، والتقدم على طريق الاحتواء، وصولًا إلى الاعتراف بإسرائيل وبقية الشروط المعروفة، والكف عن الحديث عن إزالتها عن طريق المقاومة المسلحة، فالسلاح لحماية السلطة وضمان بقائها، وضمان الالتزام بتنفيذ التفاهمات ليس أكثر، وإلا فالحصار وتشديده والعدوان العسكري يقف لها بالمرصاد.
وصفة علاج الوضع الفلسطيني معروفة، وتنتظر من يعمل على تحقيقها:
بلورة رؤية شاملة ينبثق عنها إستراتيجية واحدة تنهي الانقسام، وتستند إلى القواسم المشتركة، وإلى شراكة حقيقية كاملة وديمقراطية توافقية تناسب مرحلة التحرر الوطني الديمقراطي التي يمر بها الشعب الفلسطيني، وتبدأ بتعريف المشروع الوطني وإعادة الاعتبار له، وإحياء المنظمة، وتغيير وظائف السلطة والتزاماتها وموازنتها … اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى