رامي مخلوف… توقف فورا عن تصوير الفيديوهات
حازم الأمين

المشهد بالغ الدلالة لجهة كشفه جانبا من طبيعة هذا النظام. إنه الوجه المافياوي، الذي تتكثف فيه مشاهد العائلة والثروة والانشقاقات والبنية الهرمية لمراكز القوى الحقيقية في هذا النظام. فالزوجة، أي الأم البيولوجية والسياسية للوريث تعيد توزيع النفوذ بما يتلاءم مع احتمالات التوريث، فيما الأم الأولى والخال، وابن الخال، أي ابن شقيق الأم الأولى التي أنجزت عملية التوريث، يبتعدون خطوة عن مركز النفوذ الحقيقي.

وفي هذا الوقت يجلس الرئيس على كرسيه معاينا صراع الأم والزوجة، وضابطا إيقاع التوتر بما يضمن انتصار الزوجة وانسحاب الأم. وهنا علينا أن نخصب خيالنا لتوزيع أدوار أفراد العائلة الذين لم يساعدنا فيديو رامي على تحديدها. بشرى التي قتل زوجها على مذبح العائلة، وماهر الذي يمسك بحرس العائلة، والأحفاد الآخرون ومصائرهم في ظل قرار “سيدة الياسمين” بأن الأمر والثروة لها، ولابنها الذي بدأ يهل هلاله! 

لا بأس، فهذا حال كل العائلات التي تحكمنا في هذا الشرق البائس. شركة الهاتف الخلوي هي نفط هذه العائلات في ظل نضوب النفط، ولكل دولة رامي مخلوف ينافس الابن أو الصهر على الثروة لا على السلطة، وغالبا ما يسقط الأصهار والأخوال وتنتصر الزوجات بوصفهن أمهات أولياء العهود، إلى أن تأتي الزوجة الجديدة فتطيح بالزوجة الأم في دورة دم عنيفة أين منها الدورة الخلدونية.

لكن الحلقة السورية في هذه الدورة أكثر تمثيلا من غيرها على بؤس ودموية هذه الدوامة. فهي تشتغل على وقع حرب لا يخفي فيها النظام جشعه إلى مزيد من الدماء وإلى مراكمة الثروات فوق الجثث. والغريب أن لا وظيفة لهذا الجشع سوى مزيد من الدماء.

فدافع رجل مثل رامي مخلوف إلى مراكمة مزيد من الثروات غير مفهوم في ظل استعصاء مواز يتمثل في استحالة تصريف هذه الثروة في مزيد من الرخاء. الرجل محاصر بعقوبات دولية من كل حدب وصوب، وها هو محاصر أيضا من قبل النظام الذي شاركه في نهب السوريين وفي قتلهم، فما دافعه إذا لخوض حرب دفاع عن ثروته؟

لن نتوقع منه طبعا أن يكون متقشفا، لكن السؤال يحضر عن دافعه لقتال حتى الرمق الأخير، وفي حربٍ خاسرة، دفاعا عن ثروة قذرة! دافع “سيدة الياسمين” معروف، وهو تأمين مستقبل “ولي العهد” حافظ بشار حافظ الأسد، وهي بعرفها أن الاسم سيتكرر عبر متواليات جبرية لقرون طويلة، ذاك أن من بموقعها يعجز عن تخيل غير ذلك، وهو إذا تخيله فقد السلطة وانهار مستقبله فيها.

لا يعني هذا الاضطراب في العائلة أن نهايتها صارت وشيكة، إلا أنه يكشف عن طبيعة من الانشقاقات صادرة عن صدع جوهري فيها. النهاية غير قريبة لا لأن العائلة ممسكة بالسلطة، بل لأن سوريا مرهقة ومدماة، ولأن العالم متآمر عليها، ولأن موسكو وطهران ممسكتان بيد الرئيس الضعيف. والأمر قد يدوم لسنوات وسنوات.

صدام حسين واصل حكم العراق عقدا إضافيا بعد تصدع سلطته في العام 1991. وشهد هذا العقد أيضا تصدعات كبرى في العائلة وفي السلطة وفي الحزب، قتل على أثرها الأصهار، وقبلهم كان قتل الأخوال وأولادهم. أما الأعمام فلا يبدو أنهم يقتلون في جمهوريات البعث والهاتف الخلوي، لكنهم في جمهوريات موز أخرى، كإمارات الخليج وممالكه، يلقون مصير الأخوال في الهلال المشرقي، ذاك أن لا أمهات في الخليج يطمحن لدفع أولياء العهود إلى المنافسة وإلى الدماء. الأعمام هم من يفعل ذلك.

لا شيء نقوله لأنفسنا بعد فيديوهات رامي مخلوف، سوى أن هذا الملاك هو نهاية عنقود العائلة المخلوفية، وأن عنقود “سيدة الياسمين” بدأ ينضج ويشق طريقا مستقلا ومبتعدا عن العنقود المخلوفي، وأن أخوالا جددا يلوحون في الأفق.

هذه سنة الحياة في أنظمة الأخوال والأصهار، وما على رامي إلا القبول والكف عن تصوير الفيديوهات، وإلا استيقظت ظاهرة الانتحارات وأخذت بدربها الرجل وشركته ومؤسساته الخيرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق