رحلة بوداوي تعري الاعلام الجزائري الخاوي!
بشير عمري

في سياقين دولي ووطني مأزومين بفعل وباء كورونا ويضاف إليه محليا الحراك الثوري الرامي إلى التغيير الجذري، انزاح الاهتمام عنهما يوم أمس جزائريا على النطاقين الافتراضي العام والاعلامي الخاص لينحصر في حادثة تنقل اللاعب الدولي الشاب هشام بوداوي مع ناديه الفرنسي – نيس – إلى الاراضي المحتلة بفلسطين لخوض غمار منافسة كروية أوروبية، أين أدان هؤلاء بما يشبه الاجماع قرار اللاعب الشاب بالتنقل مع بعثة ناديه إلى هناك، معتبرين ذلك بمثابة طعنة في القضية الفلسطينية! وإساءة للموقف الجزائري الشعبي منه والرسمي الداعم بلا تردد لهاته القضية العادلة.

وإذا كان موقف رواد مواقع التواصل الاجتماعي مفهوم ومُتفهم بل ومُتجاوز إلى حد ما، لأسباب موضوعية منها ما يتعلق بمستوى الوعي الذي يتيح أو لا يتيح لصاحبه الارتقاء إلى مستوى فهم القضايا والأحداث وفق دقيق حيثياتها وليس صورها وشكلها، فإن ما لا يُفم أو يُتفهم هو ذلك الانحراف لبعض وسائل الاحتراف، أو يفترض أن يكون كذلك لمحنة الاعلام والصحافة عموما، بحيث انتساقت خلف الموج العام الغاضب بلا فهم، بغرض تعزيز حضورها في وعاء المشاهدة والمتابعة للمشهد التلفزيزني الفضائي الذي تساقط مؤخرا لأسباب عدة منها ما هو مرتبط براهن ثورة الشعب التي تواطأت جل هاته القنوات ووسائل الاعلام والصحافة على خيانتها نظير دنانير الاشهار، ومنها ما هو طبيعي متعلق بتحول أهتمام الناس للفضاء الازرق كموجة ثانية بعد موجة الاعلام الفضائي المفتوح.

لماذا لجأت هاته المحظات إلى ركوب الموج العام في التركيرز على رحلة بداوي إلى الأراضي المحتلة؟ ووكيف كان يتوجب عليها التصرف حيال هذا المشكل المفتعل؟  .

لا بد في البداية أن نعود إلى طبيعة الاعلام السمعي البصري بالجزائر ظهورا ووظيفة وتوظيفا، إذ يعلم الجميع أن هذا المجال ظل متحفظا على تحريره من قبل النظام الجزائري الذي بحكم طبيعته المتكلسة المتصلبة يتأخر دوما في اللحاق بحركة التاريخ وتطور أنظمته وأشيائه، ويأبى أن يندرج فيها بالتلقائية اللازمة لأنه يخشى أثرها عليه بسبب أنه هو في حد ذاته غير تاريخي وغير طبيعي منشأ ومسلكا، لهذا وجد نفسه بمجرد ظهور قنوات تبث من الخارج مضطرا إلى ترويضها بذات الأسلوب الذي رود به السياسة والصحافة المكتوبة بعد الانفتاح السياسي سنة 1989.

هذا الترويض الذي ضم القنوات الفضائية (غير الشرعية قانونا) ألحقها بدورها بمجتمع الواجهة، الذي ينفصل فيه الفاعل عن الشكل أو الصورة، فجل أو بالأحرى كل هاته القنوات، عدا الأمازيغية منها التي لا يملك النظام ولا يهتم لها كثيرا كونه مرتاح من أن رسالتها لا تمر إلى كافة الجزائريين بسبب اللغة، قد أخضها للابتزاز بالاشهار، هذا التلازم القهري القسري ( الاشهار مقابل الالتزام بخط النظام) أفقد هاته التجربة السمعية البصرية شعبيتها الأولى وازداد الأمر تفاقما كما أسلفنا مع انحراف هاته القنوات عن الخط الثوري للحراك وانصياعها لأوامر سلطة الاشهار وإشهار السلطة.

وهكذا صارت تبحث عما يلحقها بالمد الشعبي في أي جزئية عدا السياسة وعدا الثورة ومشروع التغيير من ذلك حادثة تنقل اللاعب الدولي الشاب هشام بوداوي إلى الاراضي المحتلة لخوض لقاء مع فريقه الفرنسي ضد ناد إسرئيلي.

الغريب أن هاته القنوات وعوض أن تطرح المسألة على طاولة نقاش لمختصين ومحترفين وقانونيين بغرض النظر للمشكلة (إن صح كونها مشكلة) من زواياها المنطقية، أوعزت إلى مراسليها بمدينة بشار جنوب غرب الجزائر مسقط رأس الشاب، لسبر آراء أناس بسطاء حتى يتفق ويتسق مضمونها مع مضمون الموج بالفضاء الأزرق!

في وقت كان بوسع أهل الرأي والاختصاص، فيما لو فسحت لهم هاته القنوات المجال، تنوير الرأي العام، بالحقيقة، بكون هشام بداوي هو مجرد موظف في شركة (نادي نيس) فرنسية، وهو بموجب ذلك يمثل النادي الفرنسي الحامل للعلم والهوية الفرنسية وليس الجزائر، مثلما سبق وفعل اللاعب إسحاق بلفوضيل، وغريهما وأن المقاطعة السياسية والرياضية للكيان الصهيوني تغدو شرعية ومنطقية حين يكون التمثيل فيها للألوان الوطنية.

وبالحديث عن الاعلام والصحافة، ولوثة التطبيع والاساءة إلى صورة الجزائر التي أراد البعض جعلها قضية كبرى يحمل أوزارها لاعب دولي في مقتبل العمر مثَّل ناديا فرنسيا وليس الدولة الجزائرية، لماذا نسيت هاته القنوات التذكير بأن وفدا جزائريا إعلاميا كبيرا وموسعا زار سنة 2000 الكيان الصهيوني واستقبل من قبل القيادة الصهيونية وقتها وعلى رأسها وزيرها للخارجية دفيد ليفي الذي فرح حينها أيما فرح بمقدم ذلك النفر من صحافة الاغتراب والحالمة بالتطبيع؟

ولماذا لا تذكر بأن بوتفليقة، اجتمع بإيهود باراك على هامش جنازة الملك الحسن الثاني بالرباط وتناقلت كل قنوات العالم تلك الصورة التي ربما لهولها واستثنائيتها خطفت الأضواء والاهتمام من حدث موت الحسن الثاني نفسه؟

إذن واضح أن الاعلام الجزائري، من شدة فشل مشروعه وانكسار رسالته بسبب عدم قدرته (كما السياسي) على التحرر من قبضة النظام، لم يعد صانعا للرأي بل ضائعا في الرعي يقتات على فتات الاشهار الذي يرمى له بمقابل ارتمائه في الطوعي في الراداءة، يبحث عما يلحقه برأي عام انفصل عنه في لحظة تاريخية للشعب الجزائري حاول من خلالها أن يصنع له مستقبلا سياسيا جديدا، تخلفت عنه مع الأسف عديد النخب أبرزها الاعلام، الذي فضل الشعبوية على الثورة والتفهات على الجد والمهنية الرسالية الحقيقة التي كان عليه التقيد بها.    .

بشير عمري

كاتب صحفي  جزائري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى