رحلة جبلية رحلة صعبة، فدوى طوقان سيرة ذاتية لشاعرة فلسطين الكبيرة
مهند طلال الاخرس

#كل_يوم_كتاب

فدوى طوقان، وهي سيرة جائت على جزئين(رحلة جبلية رحلة صعبة، والرحلة الاصعب) وهذا الجزء يوثق لسيرة فدوى طوقان حتى النكسة، والكتاب من القطع المتوسط ويقع على متن ٢٤٠ ومن اصدارات دار الشروق للنشر والتوزيع. رحلة جبلية رحلة صعبة هو الاسم الذي اختارته الشاعرة العربية الفلسطينية الكبيرة فدوى طوقان عنوانا لقصة حياتها، والتي ترويها هنا بصدق وصراحة، فقد بلغ البوح منتهاه لدى فدوى، فأطلقت اهاتها وعناتها، واطلقت العنان لقلمها بتسجيل حكايتها كما هي وبحروف وضاءة صادحة بما تؤمن باحثة عن وميض الضوء القادم من بعيد والمختفي خلف كثير من القسوة والعادات البالية. ولعل فدوى نجحت من خلال هذه السيرة تسليط الضوء على مكامن الخلل الواقعة تحت مطرقتها المرأة العربية عموما.، وقد نجحت فدوى الى حد بعيد بتعليق الجرس في ظروف واوقات عصيبة وفارقة كانت تمر على فلسطين والوطن العربي عموما. ولعلَّ فرادة فدوى طوقان إنها كانت الأكثر جرأة على الذات، والأكثر اندفاعا في البوح والاعتراف، ويكاد لا يجاريها في هذا المضمار إلا الأديبة السورية غادة السمان. وقد اقتحمت فدوى هذا الحقل المزروع بالألغام بجرأة مدهشة في مجتمع ذكوري محافظ. ولم تتورع عن كتابة سيرة حياتها الخلابة في جزءين: «رحلة جبلية رحلة صعبة» و«الرحلة الأصعب». ولعلَّ هذه السيرة تُعد من أجمل كتب البوح والاعتراف والمذكرات التي نُشرت واخذت تتلقفها الايدي من جيل الى جيل، ولا ينافسها في ذلك إلا «الخبز الحافي» لمحمد شكري و«خارج المكان» لإدوارد سعيد والايام لطه حسين وزهرة العمر لتوفيق الحكيم. ولعلَّ جرأتها تكمن هنا بالتحديد، أي في مصادمتها ذكورية المجتمع النابلسي من خلال اعترافاتها التي كشفت فيها حياتها الغرامية على الرغم من انها أخفت الكثير من الجوانب المهمة والحيوية في رحلتها الصعبة، فقد وثق الناقد الناقد المصري رجاء النقاش فقي كتاب ظهر في أواسط السبعينات قصة حب قال أنها جمعت بين فدوى طوقان والناقد المصري أنور المعداوي ولكن عن طريق الرسائل فقط، ما يعيد إلى الذاكرة قصة مي زيادة وحبها لجبران خليل جبران. رحلة جبلية رحلة صعبة كتاب نجحت فيه فدوى بتقديم رسالتها صرخة مدوية في وجه الظروف الاجتماعية السائدة، حيث لم تبخل علينا فدوى في ذكر العديد من المواقف والعادات السائدة والتي تصلح لان تكون شريحة لدراسة الواقع الاجتماعي السائد في تلك الفترة ومواكبة التطورات والتغييرات التي طرأت عليه، وحسنا فعلت فدوى بتعليقها الجرس، وكانت اول دقات هذا الجرس هذا الاعلان وهذا البوح الوارد في هذا الكتاب. قد تشكل تلك المعلومات وذلك البوح الوارد في الكتاب صدمة للكثيرين لما يقدمه من معلومات وصور للمعاملة الظالمة للمرأة في المجتمع الفلسطيني في تلك الفترة. ورغم ان فدوى نجحت باكرا في دق جدار الخزان وقرع الجرس، وتبوأت مكانة عالية واخذت خطوات كبيرة في ذلك، إلا ان المراقب ما زال يلحظ تلك الصور الواسعة من انواع التمييز المجتمعي السلبي ضد المراة. تميزت المذكرات بمخزون ثقافي واسع وباستخدام لغة ادبية جميلة وسلسة وبسيطة بعيدة عن التعقيد، اضافة الى كثرة استخدامها لقواعد وادبيات في علم النفس والاجتماع، اضافة لتقديمها وتوظيفها لكثير من مقولات الحكمة والقصص التي قد يعين الاستعانة بها الكثير على تجاوز عثرات هذه الحياة، حيث اسهمت فدوى على حملة ولادة قيسرية للامل ونجحت بإنتزاعه من وحل الالم. وفي هذا تقول:” ان المشاعر المؤلمة التي نكابدها في طفولتنا نظلّ نحس بمذاقها الحاد مهما بلغ بنا العمر ص ٢١. في المذكرات حوادث ووقائع تعرضت لها فدوى وكانت جزء منها، وبالذات فيما يتعلق بفلسطين والقضايا القومية، فكانت فدوى مرآة لشريحة زمنية مهمة وحساسة للشعب الفلسطيني. تتحدث عن تاريخ ميلادها الضائع في ضباب السنين ص ١٣ وتستحضر قصته وحادثة استراجعه في سردية موجعة وجميلة تستحق الاطلاع، وتتحدث ايضا عن طقوس شهر رمضان وليلة القدر واشهر العادات السائدة في تلك الفترة كاستعراض شعرات الرسول الكريم ص ١٩ بما فيها تلك الاشياء المثيرة التي تميز ليلة القدر ص ١٨ مثل تلك الشجرة التي تظهر في السماء فتسقط منها اوراق وتنبت اخرى ، ولكل حالة وورقة تنبت او تسقط حكاية متعلقة بشخص دون غيره، ولا تتوانى فدوى عن طرق طبيعة علاقتها بابوها وامها واخوانها واقاربها والجيران على صورتها الحقيقية، والتي قد تشكل للكثيرين احد اهم الصدمات التي قد يتعرض لها عند قرائته للكتاب. في ص ٣٠ تتحدث فدوى عن اول حالة فقدان تتعرض لها في حياتها، وفي ص ٣٩ تتحدث فدوى عن شجرة العائلة وتاريخها وموقفها الصريح من كل تلك الخزعبلات، ولا تكف فدوى في تقديم نصوص وافتتاحيات لكثير من كتب الرحالة والمؤرخين الذين كتبوا عن نابلس وطبيعتها وجمالها وعاداتها ص ٤٣، دون ان يفوتها ان تتذكر معلماتها في المدرسة ص ٥٣ قبل ان تتركها نتيجة لتلك الوردة الهدية من ذلك الغلام ذي ١٦ عاما والذي لا تعرفة إلا بالنظرات التي يلحقها بها ص ٥٥ ، كانت تلك الوردة وتلك الخطوات الراكضة خلفها سببا لحياة فارقة بتدها. اذ تسببت بتركها المدرسة اضافة الى ازدرائها والتعامل معها على انها خانت الامانة واسائت للاعراف والتقاليد ، فكان ان منعت عن المدرسة وحبست في البيت. في ص ٦٠ يعود ابراهيم من بيروت ومعها تعود فدوى للحياة من جديد، وتبدا بالتعلم على يد ابراهيم وتتطور الامور الى ان اصبح ابراهيم يعلمها نظم الشعر، كان ابراهيم مقبلا على الحياة ولا يناظر فدوى إلا مبتسما، تبتسم الحياة لفدوى وتصبح اقل قساوة معها. تتقدم فدوى في التعليم البيتي وكذلك في الشعر، وتبدا اشعارها بالظهور على صفحات الجرائد والمجلات في فلسطين وخارجها وتحوز على التقدير والاعجاب، وتبدأ ايام جديدة في انتظار فدوى. لم تنفك فدوى عن ترديد حكمتها المفضلة:” حتى صغار الطير يمكنها ان تطير لو ارادت، فما في الوجود مُحال امام الارادة التي لا تقهر” كانت تلك الحكمة لكونفوشيوس كتبتها فدوى بخط يدها وعلقتها على باب خزانتها ص ٨٣.

ثم تعود فدوى تستعرض علاقتها العائلية وتخص بالذكر الشيخة ص ٩٥ وتلخص تلك العلاقة بقولها:” هذا العالم الذي كنت اعيش فيه، ظل شديد الوطأة على نفسي حتى لقد سيطر عليّ الشعور بالعبودية والقسر…كنت على وعي بمهانة هذا الوضع وبعجزي عن تحطيمه والخروج عن اطاره”. في ص ١٠١ تدخل على فلسطين السنة ١٩٣٥ وفيها يستشهد عزالدين القسام وبعد استشهاده بشهور تندلع الثورة ١٩٣٦ ، تحاصر فدوى في عمان ص ١٠٥ برفقة اخيها مدير المعارف، ينفك الحصار وتعود فدوى الى نابلس لتعاود ارتباطها المتجذر في المكان والزمان. تبدا فدوى باستعراض لاهم الاحداث اثناء الثورة الكبرى، وتورد فدوى اجمل تلك تلقصص على ظهر الصفحة ١٠٧ قصة جائت العباية جائت العباية، كانت تلك كلمة السر المتعارف عليها في كل نابلس حين يلمح احدهم قوات المحتل في المكان، فيعرف الناس معها ان قوة عسكرية مداهمة في الطريق اليهم ص ١٠٨. في ص ١١٤ تتحدث فدوى القوانين الاجتماعية الخاصة بالنابلسيين، ولكي يرضى عنك الناس يجب عليك المحافظة على تلك القوانين وتستعرض لذلك امثال كثيرة. اثار الام الطفولة وعثراتها بقيت تلاحق فدوى على طول العمر وهذا ما يتضح على ظهر الصفحة ١٢٨ :”ظلت عقدة السجن كامنة في اعماقي.ان عقدنا الطفولية تتحكم بنا طوال حياتنا، يذهب الذين ولّدوها فينا ، وتمضي الايام والاعوام، وتبقى هي في داخلنا قابعة هناك تحكمنا وتوجه خطواتنا. في ص ١٣٣ تتحدث فدوى عن وضع المرأة المدنية والريفية وتتطرق الى دور كل واحدة منها في الثورة مع استعراض الفرق والفوارق بينهما. في ص ١٣٨ تستعرض فدوى صورة زمنية لمراحل لبس المرأة ، وتأخذ الحجاب ومراحل تطور لبسه حتى خلعه تماما مع سقوط البلد والنكبة، لم تعد هناك كثيرا من الامور التي يمكن الوقوف بوجهها، لقد حدثت النكبة وسقط الوطن. وتختم بالحديث عن الحب وتستدل بمقولة جميلة:”ان القلب الممتليء بالحب يختنق اذا لم يجد من يحب” وتستدل على ذلك ايضا بقصة جميلة حدثت مع الرسول الكريم وستنا زينب بنت جحش ص ١٣٩. في ص ١٤٨ تتحدث فدوى عن العامل الفكري والروحي كدور اساسي في تقرير مصائر الشعوب، وللتاريخ شواهد على ذلك منها الفتوحات الاسلامية. تتحدث فدوى عن الادب وانواعه وتتطرق الى الرواية ص ١٥٣، وتتحدث عند ص ١٥٨ عن الخبرة والمعرفة والكتب فتقول:” ان الكتب لا تكفي لوحدها كمصدر لمعرفة الحياة وما في العلاقات البشرية من تعقيد وتصادم ، علينا ان نحيا في الحياة ذاتها، فتجاربنا الخاصة تظل هي الينبوع الاصلي للمعرفة”. في ص ١٦١ تبدأ فدوى اول خطواتها باتجاه رحلتها الى انكلترا، حيث غادرت فدوى البلاد باتجاه انكلترا ص ١٦٩ وتبدأ هناك تجربة جديدة وعالم اخر يفتح عليها من جديد عديد نوافذ الفرح، وقد يظهر واضحا وبأثر جلي وقع تلك الحياة الجديدة على فدوى من خلال تلك العبارة المستخدمة من قبلها على لسان نيتشة على ظهر الصفحة ١٧٦:”كلما ارتقى عقل الانسان قلت رغبته في الضجة”. وعلى مدى الصفحات ١٦١ ولغاية ٢٠٧ تستحوذ رحلة فدوى طوقان على متن تلك الصفحات، فتروي سيرة مفعمة ومشرقة من تفاصيل تجربتها في انجلترا، مستعرضة الجمال للارياف والمكتبات والجامعات وسلوك الناس وعاداتهم ومدى انضباطهم واحترامهم للحياة والوقت. في ص ٢١٥ ولغاية ٢٣٦ والتي جائت تحت عنوان صفحات من مفكرة عام ١٩٦٦ وسنة ١٩٦٧ الى ان تقع النكبة، يعرض عليها اصدقاء ومقربون الخروج من فلسطين قبل الحرب، حسنا فعلت حين قالت لهم:” اموت على عتبة بيتي ولا ألجأ الى بلد آخر، محال ، محال….”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق