رحيل أسد الجزائر… هكذا يرسم القدر مشاهد توديع الرجال
عماره بن عبد الله

 

ويترجَّل الفارس عن صهوة جواده… إنها لفاجعة أليمة قاسية أن تـودع الجزائر في هذا الوقت بالذات، قائدا عسكريا بمآثر وخصال المجاهد الفريق أحمد قايد صالح، وهو من هو ذلك الوطني المخلص الذي صان الأمانة وحفظ الوديعة وأوفى بالعهد في فترة من أصعب الفترات التي اجتازتها البلاد، لمِا حباهُ الله به من حكمة وتبصر وصفاء ووفاء للجزائر وللشهداء الأبرار ومن إخلاص للشعب الجزائري الأبي، إخلاص تشهد عليه المرافقة الوطنية الصادقة والعمل الدؤوب المثابر على المرور بالجزائر إلى الأمن والأمان، آمنة مستقرة وشامخة.
رحل القائد الملهم منتصرا بمعية شعبه بعد آخر معركة جهاد قادها في سبيل الجزائر الحرة المستقلة الديمقراطية الشعبية، بعد أيام فقط عندما وضع قطار الجزائر على السكة، بعد أكثر أشهر من التجاذبات وحَراك لم تُرَق فيه قطرةُ دم واحدة، رحل صاحب العهد والميثاق والشرف، المتشبع بقناعات وطنية لا تحتمل الريب ومواقف جمهورية أبدية، رحل الوالد الحنون والأخ الصالح والقائد العظيم، رحل الأسد الأشوس الذي كان للجزائر نعم المنيع و للدولة خير الناصح المعين، على مدار سنوات وأحداث، رحل صاحب التجربة الطويلة والحنكة المشهودة، رحل الرجل الطيب السريرة، والدائم الانشغال بخدمة البلاد، والمحنك في تدبير أمورها وذو جاهزية منقطعة النظير في الدفاع عنها والذود عن حماها، إن كان في وقت الحرب أو في زمن السلم، في وقت الأزمة أو في زمن البناء والتجديد والتشييد، رحل القايد صالح منهَكا ومتعَبا من جراء عمل مضن، فيه لم يكلّ ولم يملّ، تنقلاتٌ في عز الحر إلى كل مناطق البلاد جنوبا وشمالا وغربا وشرقا، ناصحا وخطيبا ومتفقدا ومفتشا، مرافقا لحَراكٍ شعبي وحيرة وقلق شعبي عارم، أمام وضع غير عادي بعد تحمل رئيس الدولة أعباءً لم يكن مهيّأ لها لا صحيا ولا نفسيا. لكن الراحل هو من دعمه في تحمُّل عبء المسؤولية عبر قبول المهمة الوطنية ضمانا لاستقرار الجزائر وأمن الجزائر وحفاظا عليها من عبث العابثين والمغامرين وكيد الكائدين في الداخل والخارج، رحل بعدما قلّد وسام الصدر من الاستحقاق الأكبر من طرف رئيس الجمهورية المنتخَب الذي همس فيه آذنه قائلا “الجزائر أمانة في عنقك”، نعم إنه الحقيقة التي استيقظ عليها الشعب الجزائري وكل العالم صباح الاثنين، والتي مفادها رحيل الفريق أحمد قايد صالح إلى جوار ربِّه وقد أدى الأمانة كاملة، بعد أن صان أمانة الشهداء وسلم الوطن آمنا لأهله، ثم ترحل ليخبر الشهداء أنه لم يخن رسالتهم و أنه صمد لآخر نفس و نبض فيه.
نعم فقط توّحد الشعب الجزائري برمته، على نعي الفريق أحمد قايد صالح رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي نائب وزير الدفاع الوطني، الذي مزج بين الاستراتيجية والشخصية، في مسايرة ظروف عصيبة كادت أن تلقي بالجزائر إلى الهاوية، فكان قد وعد وأوفى بعهده، وعد بإيصال البلاد إلى برّ الأمان، ووعد بعدم إراقة أي قطرة دم جزائرية، ووعد باحترام إرادة الشعب، ووعد بالالتزام بالمخارج الدستورية للأزمة، ووعد باجتثاث الفساد والمفسدين، وأوفى بالوعد والعهد، وأثبت أمام الله والشعب أنه صان الأمانة، وسلّم البلاد لرئيس منتخب وشرعي، وشاءت إرادة الله أن يُسلّم الفريق قايد صالح روحه الطاهرة إلى باريها، ويلتحق بالرفيق الأعلى، ولسان حاله يقول الله فاشهد أني قد أوفيت بالوعد والعهد، وشاء القدر أن يجتمِع الجزائريون على أن هذا الرجل هو من طينة العظماء، وأنه دخل بحق التاريخ من أبوابه الواسعة، ونقش اسمه بأحرف من ذهب في سجل التاريخ، نشهد أنك حفظت الأمانة وصنت الوديعة ، وأنك من أولئك الذين صدقوا ما عاهدوا الله والشعب عليه… الوداع الوداع يا فقيد الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى