رحيل محمود جبريل.. وأزمة التيار المدني الليبي
 الحسين المسوري

رحل رئيس تحالف القوى الوطنية، الدكتور محمود جبريل، رحمه الله، في توقيت وظرف سياسي صعب تشهده ليبيا، حيث البلاد في مفترق طرق، والشعب الليبي ينتظر ماذا سيحل به، فلا خيارات أمامه، بل صراع مرير يقود إلى طريقين أو نموذجين لا ثالث لهما يلوحان في الأفق، حيث النموذج العراقي أو النموذج المصري.

وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد أمام فرصة ذهبية للانتقال الديمقراطي قبل سبع سنوات، أبدى الدكتور محمود جبريل مرونة ورغبة حقيقية في مشاركة كل الأطراف من أجل السير قدما بالبلاد نحو دولة المؤسسات والقانون، عقب فوز التحالف بأول انتخابات أجريت عقب ثورة فبراير، إلا أن تيار الإسلام السياسي كانت له مواقف إقصائية ومحاولة القفز على نتائج الانتخابات عبر تحالف (إسلاموي جهوي) مسلح، حرم الدكتور محمود جبريل من الفوز بأول انتخابات عقب الثورة لرئاسة الحكومة الليبية لأسباب جهوية في أغلبها، ورغم نجاحهم في إقصائه عن منصب رئاسة الحكومة في البداية، فإنهم فشلوا في إقصائه من المشهد السياسي نهائيا، بسبب حرص الدكتور محمود جبريل على تقديم التنازلات من أجل مشاركة الجميع.

لكن الهجوم على محمود جبريل، رحمه الله، من الإسلامويين لم يكن جديدا، بل كان منذ بداية ثورة فبراير، عندما عرفوا شعبية الرجل وحضوره في المزاج الليبي، كأكثر قادة الثورة الذين يعبرون عن طموحات المواطنين بمختلف شرائحهم، باعتباره أقرب إلى التكنوقراط منه إلى السياسي، فكانت الحملات الممنهجة للهجوم عليه تتوالى، واشتدت عقب فوز تحالف القوى الوطنية في أول انتخابات والتي فتحت أيضًا باب الصراع داخل التحالف نفسه، هذا الفوز الكبير أثار قلق وخوف الإسلاميين وقرروا إبعاد جبريل عن المشهد السياسي نهائيا بأي ثمن، عندما أصروا على إقصائه عبر قانون العزل السياسي، إذ لا يمكن نسيان مشهد التوابيت أمام المؤتمر الوطني وحصار جلسة الكريمية بقوة السلاح.

بالتأكيد أن للدكتور محمود جبريل، رحمه الله، أخطاءه وهفواته وزلاته، مثله مثل أي سياسي يعمل في بيئة صعبة ومعقدة، لكن أعتقد أن أكثر ما أرهق جبريل هو تعرضه للخذلان من نخب التيار المدني، حتى لا أقول للطعن من الخلف من أقرب المقربين، حتى من الذين راهن عليهم، ورغم أننا اليوم نشهد المئات من أسطر الرثاء التي تعظم الراحل محمود جبريل وتعدد مناقبه، لكن بعض من كتب هذه الأسطر كانوا هم من خذل التيار المدني والدكتور محمود جبريل، إن لم يكونوا هم من طعنوه في أكثر من مناسبة، فكثير من نخب التيار المدني كانت منزعجة من الكاريزما التي يتمتع بها الدكتور جبريل في الشارع الليبي، فلا تمر مناسبة إلا وتوجه سهامها نحوه، كما أغلب أطراف الصراع التي كانت تخشى إجراء انتخابات في وجود محمود جبريل، رحمه الله، حيث أصبح اقتسام السلطة عبر قوة السلاح والمحاصصة الجهوية هو الضامن لوجودهم خشية أن تبعدهم صناديق الاقتراع.

يبقى أن أشير إلى أن الرحيل المفاجئ للدكتور محمود جبريل، رحمه الله، يشكل علامة فارقة في مستقبل التيار المدني الليبي كرمز وظاهرة استثنائية لم يستفد من وجودها، وسيكشف رحيله عن أزمة التيار المدني الذي يتلقى الضربات من خصومه، وتنهشه الانقسامات والانشطار من داخله، فعلى الرغم من أن الكثيرين كانوا يتفقون مع جبريل في الخطوط العريضة، لكنهم للأسف تخلوا عنه في وقت الشدة، والحاجة إلى موقف موحد للتيار المدني، بسبب التفاصيل الصغيرة فيما يمكن أن يلعبوه من أدوار أو من مناصب يتولونها، والآن يبكونه عندما فقدوه، لكن بعد فوات الأوان، لهؤلاء أقول ها قد خلت لكم الساحة فأرونا قدراتكم في قيادة التيار المدني الليبي!

رحم الله الدكتور محمود جبريل وأسكنه فسيح جناته، ولأسرته ورفاقه في تحالف القوى الوطنية عظيم الصبر والأجر.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى