رواية أرتميسيا للكاتبة هبة رفيق: نجوم سرقتها … الأسى

كتب سليم النجار
يجيد البعض أحيانا خلق واقع يفوق الخيال .. وربما هذا ما يفعله الفن الروائي دوما ؛ بان يشغل مساحات من الواقع قوامه الخيال ليجعله اكثر واقعية واحتمالا … كانت الأفكار تتدفق بسرعة عن ماهية الخيال في مقابل الواقع ؛ والحلم في مقابل الحقيقة ؛ بينما أقف تحت الأمطار الغزيرة التي تهطل بلاسحب وبلا سماء في غرفة شبه مظلمة ؛ هذا الشعور الذي خرجت منه ما انتهيت من قراءة رواية ” أرتميسيا ” للكاتبة هبة رفيق الصادرة عن دار زهران للنشر والتوزيع .
لست من هواة نحت المصطلحات وتصنيف الأجناس وتبوبيها ؛ فالعمل الأدبي بوجه عام ليس عملاً ميكانياً محسوبا بدقة الأداء . كما ان الكثير من الأعمال التي وصفت انها تجريبية – مثلا – لم تكن قظ هبطت من سماء الابداع للتو واللحظة ؛ او الأعمال التي وصفت انها عبثية . كانت مجرد لهو ؛ وقد سئل الشاعر الكبير صلاح عبدالصبور عن العبث حين قدم مسرحيته ” مسافر ليل ” فأجاب من سأله ( وهل تظن أن إنسان العصر عنده مساحة للعبث ؟ ) . وحتى التجريب خلفه خبرات معرفية لدى المجرب ؛ تدفعه لمحاولات التطوير أو المزج أو التوظيف … كل هذا يجعلنا نسأل عن مفهوم الأصالة في العمل الأدبي في ريبة وتطلع في نفس الوقت ؛ والحقيقة التي أتصورها ان اسئلة كثيرة تفرضها رواية ” أرتميسيا ” ؛ منذ البداية فالرواية تتكون من عدة مشاهد تحكي حال والدة بطلة الرواية المصابة بمرض السرطان : ( حتى لووضع الميت في تابوت أو في حفرة فقط أو احيط بالزهور والأشجار ؛ حتى لو كانت المراسم شديدة التأبين او حتى لو كانت الجنازة كثيرة ام قليلة بالمصلين ص١٦ )١ .
رواية ” أرتميسيا ” هي لوحة بكل ألوان الألم والظمأ والمعاناة تجسد تفاصيل الحياة التي تشكو من الحياة والروح المثقلة بصدأ الأيام التي تبحث عن طعم لأيامها : ( أصبحت ساندرا في خوف شديد ؛ نظرات الأطباء كانت تفيد بأنها النهاية على ما يبدو . بدأت والدة ساندرا في تلك الأثناء تنطق بإسم صغيراتها ص١٩٢) ٢.
لقد شيدت الكاتبة هبة رفيق ؛ حيث وجدت المرأة ” الملاك ” مستقرا لها في أجوائها النّورانية ؛ باعتبارها بمثابة ( مدينة فاضلة ) ؛ تخطت حدود عتبة الزمان والمكان ؛ لتبلغ المطلق السّريالي إنها كائنات وأطياف سماوية نورانيّة تأتي من ضباب الأثير ؛ لترتع وتصبوا إلى الخلاص ناسية متناسية العوالم الأرضية ؛ رافضة الأمانة ( خلافة الله في الأرض ) ؛ نراها محلقة ومجنحة في الأجواء اللامتناهية في سردها ؛ فتخترق كوامن الذّات لتجعلها تنتشي حلاوة الخلاص : ( كان زوجها قبل كل شيء إنسانيا قبل ان يكون زوجها ومحبا ص١٣٤) ٣ .
تبدو الكاتبة مشحونة بإحساس مرهف ( كاتبة جريحة ) ؛ ممّا تؤكد انّنها تعيش معاناة داخلية ونفسية لعلنّا نجد ذلك من خلال تفصح مراحل السرد الذي يختبأ بين متونه وجع مفتوح : ( الموت ليس بيدي وبيدك ؛ ولكن علينا المضي في هذه الحياة ؛ ونحن نشعر بكل ثقة من أن هذه الحياة إنما هي هبة من الله إليك ص٢٠ ) ٤.
اهتمت الكاتبة بالمرأة الراوية في الرواية وصورتها ملاك ولدت من رحم الوجع واستطاعت من هذه الولادة سرد حكايتها ؛ حكايات المستشفي المتخصص في علاج مرض السرطان ؛ الذي تحول من خلال تلك الحكايات أمل للحياة . ورغم تكرار أساليب السرد لا لشيء لأن موضوع المرض مؤلم والكاتبة تريد من هذا التكرار تكثيف تصوير الحالة الإنسانية : ( لم يكن هناك أي شيء لافعله سوىالجلوس والنظر بين هم حولي ؛ أراقب الوجوه وأحاول دراستها صض١٣٧ ) ٥. ولابد من ذكر ان الخطاب السردي في رواية ( أرتميسيا ) ؛ يعتبر تجّليات الذات المحاورة للكشف عن صيرورتها من خلال إفراز الوعي الجدلي القائم على التكنيك الفني والتقنية الجمالية بأبعادها المستفّزة للذكراة … والذي شهد انعطافات وتحولات تتوافق والتحول الحضاري القائم على الثنائية الجدلية التي تشكل بمحتواها الهام المنتج الذي يمتلك قدرة على فهم الحياة بمكنونتها وقوانيها للتعبير عن مشكلات الانسان : ( أحاديثي وفي روايتي لكم كل تلك الأحداث ؛ إذن يتوجب عليّ ان استغل ذلك الأمر وانتقل بكم إلى محطتنا القادمة ص١٣٦) ٦ . وباستحضار النص السردي الذي يتجلى بشكل حوار ( أرتميسيا ) … المدونة السيرة الجامعة ما بين الذاتية والمكانية ( سيرة المستشفى ) مع تركيزها على تيمة حاضرة بكل مفاصلها الحياتية التي تحمل وحدتها الموضوعية وتكاملها الدرامي وامتدادتها المشهدية التي تشكلت من مشاهد متعددة مع نصوص موازية مصافة للعنوان العلامة السيميائية الدالةوالأيقونة التي تشكل العتبة الأولى من عتبات المتن النصي الموازية التي بمضونها يتراءى الزمن الاجتماعي الذي تكشف عنه اللوحة الفنية التي احتلت نصف الغلاف الخارجي … وهي تجمع ما بين إنسانة تدعو بجانبها رجل مسن يفعل نفس الحركات – أي الدعاء ؛ فضلا عن النص الموازي المضاف الذي شكل تعريفا كاشفا عن نبض النص وتشكيلاته . فالنص يكرّس دلالات انسانية عميقة في حالة صيرورة دائمة ونمو من الداخل يكشف عن حركة زمنية ومتغيرات طبيعية من خلال التحكم بجزئيات المحكي ووضعه تحت سلطة المتخيل … فضلا انفتاحه على تقنيات السرد البصري الذي يستدعي المكان … الوعاء الفكري للذاكرة .. إنها رواية ( أرتميسيا ) للكاتبة هبة رفيق .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى