رواية ” خُلِقَ إنسانا ” شيزوفيرنيا

عنان محروس أبجدية أدم
كتب سليم النجار
خُلِقَ إنسانا اسم لرواية الكاتبة عنان محروس ؛ استلهمت فيها مخزون الأسم وما تدّخره الذّات لتمضي بها بيعدا في آفاق تتجاوز مكوّنها الاجتماعي ؛ فأدم صورة الأنا الأنسان ارادت بها صاحبة النّصّ التعبيّر عن كيانها السّيزيفيّ لصورة الإنسان ؛ وهي محاولة قلقة وتحفيز لدفن شجرة الخوف ؛ تناوب حدوثها في مقاطع متفرّقة كان فيها السّجال حادثا بين الحفر وأداته إذ قدر لها في كلّ مرّة أن تخطئ الأرض إلى الأنفاس أحيانا وإلى الرّئة الأخرى : ( أرمم ذاكرتي علها تتجاوز الأيام ؛ فيقتل أحاسيسي البسرية واقعي المتوحش وتئن ذكرياتي أكثر وأكثر ص١١) ١ .
لم تكن الأرض المرتجاه في واقع أمرها إلاّ صورة عن الحافر ؛ واستعارة مزيفة ولم تكن أيضاً ضربة الفأس إلا مسيرة قلم في بياض الورقة ؛ فالنص شجرة خوف لم تسطيع عنان ان ” تصدق موتها ” ؛ إنّ الإهداء في الرواية يبدو مقارنة بما سيحدث من أحداث في الرواية اكثف واشدّ علوقا بكيفيات التّوظيف وبسبيل الإثراء ؛ الكتابة فعل حفر : ( – إلى كل من وصمهُ الزمان ” بعسر ” . فاختار كسرة خبز ؛ كتابٍ مُعنتقاً ص٥) ٠
البراءة قسمة عادلة بين الكونين ؛ اجرتها الكاتبة على مقولتين زمنيتين ؛ فجعلت لها ” ما قبل ” ؛ و” وما بعد ” ؛ بما يشي انضوائها تحت مقولة الحدث ؛ كائنا بذاته مستقلاّ بها ؛ وعليه غير انها قراءة أولى بصفتها مركزا تؤرخ بها عنان وتتّخذه حدّا فاصلا بين فترتين سابقة عليها لاحقة ؛ غير أنها في قراءة ثانية تلوح عدما ؛ فما قبل البراءة ؛ لا براءة فيه ؛ إنّها وعد غير متحقق ؛ وما بعدها مؤسر على انتهائها وتجاوزها ؛ البراءة مياه ٠٠٠ مؤجّلة ؛ امتلاء فارغ ؛ حياة موات ؛ ووجود عادم :
( هي رؤيا أم حلم ؟! ما مصدرها شفيت بعد عشرة أيام وعادت الحياة إلى عهدها .. والأيام تتوالى . ص٢٧) ٣
إنّنها التقاطة شعرّية لحدث واقعيّ ؛ وهو مقطوعة سيراتية ذاتية لا نشك في حدوثها ولكنّ محاميلها الرّمزية مفتوحة على التأويل ؛ لم يحضر ادم بطل الرواية حضورا أفقيا ولم تحضر سلمى البطلة الثانية في الرواية عن موقعها في الرواية بخياراتها الفنّية أو شريكا في العزلة والوجع والرؤيا ؛ لقد التقطت الصّورة بفوتوغرافيا عالية الجودة ؛ متتبّعة ميكانيكا الحركة وتفصيلّتها الجرئية بتقنية زوم التّكبيريّة لتتحوّل اللقطة إلى رسم كاريكاتوريّ مؤلم ؛ لم يقرن حدث الكتابة بما هي مشروع بمعالجة أدم فتقول الراوية : ( زاد جمودي المفاجأة صعقتني ؛ أأ غضب أم اشتم أم اسخر من نفسي ؟ ص٧٧ )٤ .


استطاعت عنان في روايتها ( خَلِقَ إنسانا ) ؛ أن تنشر للمتلقي تسسلل جرثومة عدم الرضا والرغبة في أن يصبح كل منا أكبر مما هو عليه أو مما تسمح به طاقته حتى تبدأ ملامح المأساة في التخلق تحت جلد الأحداث اليومية المألوفة . وحتى تسجيل تفاصيل الحياة العادية إلى نوع من الجحيم الخاص الذي تستعر فيه الشخصيات بعذابات هي في الواقع من صنعها أكثر مما هي من صنع الظروف أو الآخرين . وحتى تتسلط على الأفراد تلك الرغبة المستخوذة في أن يكونوا شيئا أخر ؛ فتحرمهم من الاستماع بما يعيشون ويمارسون ؛ وتعميهم عن رؤية السبب في تعاستهم لأنه قريب منهم إلى حد بالغ الالتصاق بهم . فجرثومة الرضا تلك ؛ شيء مختلف كلية عن نوازع التقدم الإنسانية النبيلة ؛ لأنها لاتولد لدى الشخصيات الدافع للتغيير ؛ ولا تثير طموحهم بالترقي ؛ ولكنها تبث في أرواحهم سموم المرارات القاتلة فتخمد رغبتهم في الحياة ؛ ويزداد إحساسهم بجورها : ( ماذا لو كان كل ما اخبرونا به عن الحياة الأخرة ؛ مجرد كلام وهلوسات ؛ خيال قصص خرافية نتناولها جيلا بعد جيل ص١٧٢) ٥ . تكمن في العبارة السابقة جوهرٌ ماساوي ؛ ومن هنا تكون الكلمات دالّةّ ؛ تسوق حكايتها وهي تكتنز المعنى ؛ ولذلك ليست اللغة ثرثرةً . وهذرا للمعنى بأيّ حال . وفي مسرحية ” هاملت ” عبارتٌ وتصوراتٌ تُعلي من قيمة الإنسان ؛ ( إن جنون الكبار لا ينبغي أن يبقى بعيداً عن المراقبة ) . وزاد هذه العبارات من حديث هملت مخاطبا صديقه المخلص هوراسيو ؛ يغبطه على حسن طويته ” أعطيني واحداً ” بين الناس ” ليس عبداً للهوى ؛ وإذن ؛ سأضعه في أعماق قلبي ” . فنرى عنان محروس تستخلص الزَّبدة من الجاري ؛ لترصد جوهر الخصال البشرية ؛ وبالعبارة الرّوائية اللافتة . لنصل إلى القول السائر ؛ على كل لسان ؛ الذي تحوّل إلى أمثولة ؛ وعند البعض يتّخذها مقولة فلسفية ؛ تجد مستعملها يعرفها بقلقه الخاص ؛ أو يرسلها جزافاً ؛ أي بدون حساب فكري ؛ أي ليس بحدّة القلق والتّمزق اللّذين اعتريا الراوية وهي تتساءل كيف يواجه الأخ أدم اخته سلمى عندما حاولت إغوائه ؟ كيف يواجه يواجه الخيانة ؟ وهو يتسائل معنى وجوده كله ؛ ما يتحول إلى سؤال يسري على العموم ؛ وفي الأن ينزل في مرتبة السؤال الوجودي ؛ هو سؤال مربك ؛ ظاهره الأول لغويّ ؛ وفي العمق هو فلسفي ؛ ذاهبٌ إلى عمق وجود الكائن ؛ فتغدو اللغة عاجزة عن استبطان المعنى ؛ والتّلفظ بالإحساس إلا من حيث الظاهر ؛ من عدمها في القولة الشّكسبيرية ؛ والتي تتأّزم أكثر عبارة ” تلك هي المسالة ” ( أي مسالة ؟! ) : ( مخلوقات سريعة ؛ تشبه الإنسان شكلاً وهيئة ؛ وليست بإنسان ص٢٥٦) .
إن للنص الأدبي عموما بنية عميقة حليمة ( إلى جانب البنية الخطابية ) تخضع فيها الكلمات إلى ترابط رمزي يمكن أن يبلغ مستوى مدهش من التماسك ؛ مثلا عندما نرصد علاقة بين كلمتي العيد والعودة ؛ فإن هذا لا يعني أننا نكتفي بالجذر الثلاثي ( العين والمد والدال ) ؛ بل نرصد أيضا ما وراء هذه الحالة ؛ لدرجة أن النسخة الموازية للنص تبدو لنا كالبرق الذي تم التقاطه بألة التصوير . في قول لسان السارد مثلا ( اتى العيد … وكعادة كل عام أخذ والدي على عاتقه وتحضير لوازم هذه المناسبة ص١٣٤) ٧ ؛ وفي مقطع أخر ( كلها مفرحة ؛ ما عدا الساطور الجديد ؛ اشتراه والدي لذبح الأضحية ص ١٣٤) ؛ ولانرى فقط العودة ب ” العيد ” على هذا المستوى ؛ بل نربط ذلك بالشبكة الدلالية العامة لمنطق النص ؛ وهذا يعني أن السارد ببساطة برفض العيد ! على سبيل المثال ؛ يقول شمس الدين الكيلاني أن الاحتفال أيام العيد بالعودة إلى الأصول ؛ إنما يعبر عن ذروة تلاؤم الحدث الراهن المعاش مع المدلولات الكلية للحدث الأسطوري .
إن رواية خَلِقَ إنسانا في عمقها ليست قصّة أدم خاض مغامرة وأل أمره إلى ما أل أمره ؛ وإنما هي بمثابة الشّجرة التي لا ينبغي أن تُخفي الغابة . هذا المبدأ المفقود / الموجود : فهو مفقود في عالم المتخّيل الرّوائي والواقع الذي يُحيل عليه مرجعيا على حدّ السواء موجود فعل الكتابة ذاته . كذا فيظّل النصّ الرّوائيّ على ظمئه إلى تعدّد القراءات وتنوّعها الثرية الفنّي والدّلاليّ عبر تقصي الخطاب السّاخر في ما استم به من حضور مخصوص وجَّه البرنامج السّرديّ مثلما وجَّهَ ؛ فعل القراءة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى