رواية “محطات على قارعة الزمن” للكاتبة فاطمة الفاهوم

( نداء الكلام )

سليم النجار
لاتخلو رواية ” محطات على قارعة الزمن ” للكاتبة فاطمة الفاهوم – من سمات أدبية خاصة الوصف لمقوّمات المكان ؛ كما نجد فيها أدب الرّحلة ؛ ومن الحوار والمنولوج والتشويق . العودة إلى صور الماضي بنبرة حنين للوطن الفلسطيني واسترجاع مساحات من تفاصيل عيش بين دفء الأهل وانس الأصدقاء ؛ بما ذلك من ذكريات الصبا ومراحل من العمر بدقائقها مثلما حرصت الكاتبة أن تختم فصول يومياتها وشهاداتها بأوجاع ورسائل تفيض بصدى الوشائج الإنسانية العميقة : ( فتلك العلاقات بين البشر في هذا الزمن لم تعد تحمل عنوانا واحدا … فلقد تغيرت المعاني الإنسانية التي كانت تحمل مسمى النخوة ص٨٩)١.
على أن الكاتبة الفاهوم لاتجعل من نصّها الروائي وإن كان يحتمل وصفه بالقصة الطويلة ؛ غير منضبط بقوانين عامة وأطر ثابتة تحفظ لكل نوع كيانه وتميزه من غير ه . فتقنية القص التي وظفتها في الرواية ؛ فقد استطاعت الفاهوم توضيح الفروق بين تقنية القص ؛ وتقنية الراوي ؛ كمعالجة الشخصية ومصادر الأحداث وغزارة المعلومات . ففي حين تُحد القصة القصيرة بمدّى كتابيِّ معين ؛ فإن الرواية غير محددة في الحجم او في عدد الصفحات ؛ لهذا فإن الروائي / الروائية – يستطيع من خلال عمله أن يقدم كثيراً من المعلومات الوصفية للفضاء الخارجي ؛ كما يستطيع سبر أغوار شخصياته ويحلل دوافعها ؛ مما يعمق الرؤية التفسيرية لمجريات الأحداث وتصارع الرغبات ؛ 🙁 كانت الأيام والأشهر ثقيلة جداً على عائشة وأولادها . لم يكن لهم أي معيل سوى المساعدة التي تحصل عليها من هيئة الأنروا ث٢٧)٢. هذه الحرية في تناول تفاصيل الشخصية التي تكاد تكون شبه مطلقة للروائي لا تكون لكاتب القصة القصيرة الذي يركز على جانب محدد من حياة الشخصية ؛ في حين أن الرواية تمثل شيئا متكاملاً ( لكنها كانت تشتاط اكثر كما لو كانت شيطان بجسد بشر . لم تترك وسيلة الاضايقتني بها. حتى أنها تترك لي بقايا الطعام كما لو كنت قط جائع ص٣٧)٣.
العنوان :
( محطات على قارعة الزمن ) عنوان فيه إحالات ودلالات ؛ أمّا الدّلالات الرمزّية للعنوان ؛ فهي عميقة إلاشارة . فهذا الطباق بين كلمتي ” محطات ” و ” الزمن ” يشير إلى أزمة وجودية عميقة . فالشخص حتّى يعيش حياة اللجوء والتشرد الذي عانى منه الفلسطيني ؛ عليه التنفس كالأحياء ؛ والسؤال ؛ هل يكفي التنفس ليكون الإنسان حيّا ؟ لعل مضمون النصّ لمحطات على قارعة الزمن كفيل بتوضيح ذلك : ( وخلال تلك السنوات كان احمد قد رزق بطفلة اسماها صابرين . لقد شهدت معظم بيوت المخيم في هذه الفترة على حرفية أحمد المعمارية في بناء البيوت . لتستبدل أكثر هذه البيوت من ألواح الصفيح والاسبتست إلى الاسمنت والطوب ص٤٣)٤.
النصّ خطابا متداولا: سؤال الهوية :
نجيب بداء عن السؤال المثار بالنّفي . فلو كانت المؤلفة غير معنّية بالحاضر والمستقبل ؛ وغير منشغلة بالثّقافة والاجتماع والتّاريخ . ما كتبت نصّها . قد يجوز التعليق هنا : إن المظاهر التي سردتها الكاتبة الفاهوم ليست حكرا على المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلة ومخيمات الشتات ؛ إذ نجدها مازالت قائمة الذات في مجتمعات عربية مستقلة . هذا من الصحة بمكان لكن الاختلاف في درجة الاستفحال … فالمجتمعات المستقلة لا تعيش الانغلاق وبالتالي تتحرك داخلها أليات التوعية ؛ وكيفية اسثمار هذه الرؤى بأساليب سردية متنوعة ؛: ( أين هي أذن سياسة العيب ؟!.. في هذا المجتمع انعدمت …. لكنها مرغمة على التكيف مع كل هذه الظروف دون أن يأثر فيها أي شيء أو يغير مما تربت عليه ص ١٢٦)٥”.
نصّ ” محطات على قارعة الطريق ” للكاتبة فاطمة الفاهوم ؛ يكرّس دلالات انسانية عميقة في حالة صيرورة دائمة ونمو من الداخل يكشف عن حركة زمنية ومتغيرات طبيعية من خلال التحكم بجزئيات المحكي ووضعه تحت سلطة المتخيل … فضلا عن انفتاحه على تقنيات السرد البصري الذي يستدعي المكان الوعاء الفكري للذاكرة .. إضافة إلى توظيف السيرذاتي ومرجعي المؤرخ لحقبة زمنية بصورة موضوعية منطلقة من أحداث وذوات تتحرك في فضاء تاريخي اجتماعي يمتد في الماضي ويعانق الحاضر بلحظته …. فالساردة تنتقل في أمكنة مختلفة منها المفتوح ومنها المغلق .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى