سباق التطبيع مع إسرائيل والخيارات الفلسطينية المتاحة
نبيل السهلي

خطوة إستراتيجية

يعتبر إعلان البيان الأول للقيادة الفلسطينية الموحدة للمقاومة الشعبية في الثالث عشر من أيلول/ سبتمبر الجاري خطوة هامة في الاتجاه الصحيح، لكنها منقوصة وتحتاج ألى خطوات عملية لجهة ترسيخها واجتراح سبل كفاحية ممنهجة ومدروسة لمواجهة التحديات وفي مقدمتها قطار التطبيع المتسارع وصفقة القرن بأبعادها السياسية والاقتصادية المختلفة. يمكن الجزم أن الخطوة التالية يجب أن تكون وضع أسس لإنهاء الانقسام الفلسطيني دون رجعة، والعمل بعد ذلك لترسيخ الوحدة الوطنية الفلسطينية والاتفاق على توجهات كفاحية مشتركة على كافة الصعد، حيث سقط الرهان على استمرار المفاوضات، فبعد أكثر من سبعة وعشرين عاماً من إعلان المبادئ (أوسلو) تشير الحقائق إلى تضاعف النشاط الاستيطاني التهويدي في شكل ملحوظ، سواء في مقياس مصادرة الأراضي أو في بناء المستوطنات في الضفة الغربية ومن بينها مدينة القدس التي تتعرض لأكبر هجمة استيطانية منذ عام 1967.

ستكون وحدة الصف الفلسطيني مقدمة أساسية لجمع القدرات الكامنة لدى الشعب الفلسطيني في داخل فلسطين التاريخية والمهاجر القسرية لمواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وفي المقدمة منها صفقة القرن والتطبيع العربي المتسارع مع إسرائيل، وكذلك مواجهة النشاط الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية، والجدار العازل الذي يعتبر أكبر مشروع استيطاني منذ عام 1948، ناهيك عن السياسات الإسرائيلية الرامية إلى إخراج فكرة يهودية الدولة إلى حيز الوجود من خلال إصدار رزمة من القوانين العنصرية الجائرة خلال العقد الأخير.

الحد من الهيمنة الإسرائيلية

ومن التحديات الأخرى التي يواجهها الفلسطينيون بعد ترسيخ المصالحة ضرورة العمل على فك الارتباط بالاقتصاد الإسرائيلي، وإيجاد السبل للانطلاق بتنمية مستقلة تدفع في اتجاه الحد من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية، مثل البطالة، وقد يكون من باب أولى العمل على فتح أسواق عربية من شأنها الحد من الهيمنة الإسرائيلية على التجارة الخارجية للضفة والقطاع، حيث تسيطر إسرائيل على 90 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية بشقيها من الصادرات والواردات.

من شأن المساعدات العربية،وخاصة من قبل الدول العربية المنحازة للحق الفلسطيني، كبديل للمساعدات الغربية أن تعزز خطوات تنمية فلسطينية مستقلة عن سياسات الاحتلال الإسرائيلي التي أوقعت الاقتصاد الفلسطيني في شرك المساعدات الأميركية والأوروبية المشروطة أساساً، وفق توجهات المتبرعين، وقد تّمكن المساعدات العربية من الدول غير المطبعة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي الاقتصاد الفلسطيني في تحسين أدائه عبر فتح قنوات تشغيل وخلق استثمارات جديدة، ومن شأن ذلك فتح فرص عمل لآلاف الفلسطينيين، ومع تحسين أداء الاقتصاد الفلسطيني يمكن أن تكون خيارات التعليم والصحة وإعادة إعمار ما دمرته الحروب الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة متاحة في شكل أوسع للفلسطينيين، وهذا بدوره سيزيد فرص رفع سوية التنمية البشرية ومؤشراتها المختلفة التي باتت معياراً لتطور الشعوب والأمم.

ويمكن تعزيز الاعتراف بفلسطين كدولة في المؤسسات الدولية إذا استطاع الفلسطينيون ترسيخ المصالحة بالأفعال وليس بالأقوال والبيانات السياسية، ومن ثم التوجه بخطاب سياسي دبلوماسي موحد وجامع بعد الاتفاق على قيادة وطنية فلسطينية موحدة ووضع برنامج وإستراتيجية كفاحية مشتركة.

ولا يمكن أن تكتمل دائرة المصالحة الحقيقية من دون تفعيل دور منظمة التحرير الفلسطينية ومشاركة الغالبية الصامتة من الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني والشتات في اجتراح سبل كفاحية ناجعة ؛ ونقصد بالقوة الصامتة الفعاليات السياسية والاقتصادية، وقد يكون ذلك بمثابة جدار متين في مواجهة صفقة القرن والتطبيع المتسارع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

ستكون عملية ترسيخ المصالحة الحقيقية بالأفعال بمثابة طوق نجاة للحد من الضغوط الإسرائيلية والأمريكية على الفلسطينيين، ويرفع في الوقت نفسه من سقف الخطاب السياسي الفلسطيني، بعد مفاوضات عبثية مديدة وبائسة، بحيث يكون من السهولة المطالبة بتفكيك معالم الاحتلال، ومنها المستوطنات، عوضاً عن تجميدها، وكذلك يمكن المطالبة بتطبيق قرارات دولية صادرة، ومنها تلك القرارات المتعلقة بالأسرى الفلسطينيين، والسيادة على المياه الفلسطينية التي تسيطر عليها إسرائيل، واعتبار المستوطنات غير شرعية، خصوصاً أن هناك قبولاً بعضوية فلسطين في العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة.

وقد يكون أجدى للفلسطينيين بعد ترسيخ المصالحة الوطنية المطالبة بتدويل عدة ملفات، وخاصة الاستيطان والأسرى والمياه، ناهيك عن ضرورة العمل لتفعيل وتطبيق القرارات الدولية التي تعتبر كافة الأعمال التهويدية الاحتلالية في القدس باطلة، وفي المقدمة التغيرات الجغرافية والديموغرافية، كما تحتم الضرورة المطالبة بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم الوحيد فلسطين والتعويض المادي والنفسي عن الأضرار التي لحقت بهم إثر نكبة 1948، وثمة قرارات دولية تدعو إلى ذلك وفي المقدمة القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة.

ترسيخ المصالحة

إن التحديات الجمة التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني وفي مقدمتها صفقة القرن والتطبيع العربي مع إسرائيل ؛ تتطلب الإسراع بترسيخ المصالحة الفلسطينية في شكل حقيقي يتعدى البيانات الفصائيلية والتصريحات الرنانة، وإنهاء حالة الانقسام في الساحة الفلسطينية من دون رجعة، نزولاً عند مطالبات الشعب الفلسطيني، فتجميع الجهد الفلسطيني والاتفاق على برنامج سياسي كفاحي مشترك وخيارات سياسية مستقبلية مشتركة،من شأنها أن تسقط صفقة القرن وتداعياتها المختلفة، ومن بينها التطبيع بين كل من الإمارات والبحرين مع دولة الاحتلال الإسرائيلي قبل عدة أيام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى