سد النهضة والعودة إلى المربع الأول
إميل أمين

كيف يمكن للمرء أن يصف المشهد الخاص بسد النهضة في ضوء التصرف الإثيوبي الأخير الأحادي الجانب، والذي رفض المشاركة في الاجتماع الأخير في واشنطن، حيث كان متوقعاً الانتهاء من الاتفاق، والتوقيع بالأحرف الأولى على اتفاقية تفك الاشتباك وتفتح الطريق واسعاً للتعاون الإقليمي بين إثيوبيا ومصر والسودان؟

بكثير من الموضوعية والعقلانية يمكن لأي محلل سياسي محقق ومدقق أن يخلص إلى أن إثيوبيا لم تكن صادقة في نواياها منذ العام 2011 وحتى الساعة، وما تسعى إليه ليس الحصول على الطاقة اللازمة للنهضة، بل بسط سيطرة كاملة على النهر من المنبع إلى المصب، وبما يخالف الاتفاقيات والقوانين الدولية المنظمة لمسألة جريان الأنهار بين الدول والشعوب.

بيان وزارة الخارجية والري في إثيوبيا الذي صدر نهار 29 فبراير المنصرم يفتح الطريق لتساؤلات عميقة وجذرية حول التوجهات الإثيوبية الحقيقية والتي أبدت ظاهريا أنها ساعية للوصول إلى حل مشترك عبر صيغة الجميع فائز، وعلى هذا الأساس قبلت مشاورات واشنطن، وشراكة البنك الدولي وإدارة الرئيس ترمب، غير أنها وحين جد الجد قالت إنها لا توافق على ما جاء في مسودة الاتفاق بشأن ملء وتشغيل السد، لأنها تعكس فقط رأي مصر، وليس الدول الثلاث، الأمر غير الحقيقي، وغير الموضوعي.

موقف إثيوبيا ليس غريبا ولا عجيبا بالنسبة للكثير، من الذين عندهم علم من كتاب العقول الإثيوبية، إذ لا تزال تعاني من عقد اضطهاد تاريخية وليس عقدة واحدة تجاه مصر، بعضها عرقي، وبعضها ديني، وفي جميعها تسعى في طريق لا يحمل صالح مصر والمصريين، والذين أبدوا تفهما كبيرا لحق إثيوبيا في النماء والازدهار وبناء نهضتهم، لكن من غير أن يؤثر ذلك على حياة المصريين.

منذ العام 2015 ومصر تحدث إثيوبيا والعالم، بأن قضية المياه بالنسبة لها هي قضية حياة ووجود، لاسيما وأنها دولة فقيرة مائياً وحتى حصتها في مياه النيل لا تكفيها في حاضرات أيامها، في حين أن ما تتحدث به إثيوبيا في العلن هو الحصول على الطاقة والتي لها مصادر عديدة وليست قضية حياة أو موت كما الحال بالنسبة للجماهير المصرية الغفيرة، وهو الأمر الذي تكلم به علانية الرئيس السيسي في البرلمان الإثيوبي، لكن يبدو أن مشاعر الإثيوبيين هي ما عبر عنه الأخطل شاعر العرب الكبير ذات مرة بقوله:
وقد ينبت الكلا على دمن الثرى … وتبقى حزازات الصدور كما هي

الموقف الإثيوبي الأخير أثبت للعالم برمته أنها تلاعبت بالجميع، وأن مصر كانت الأكثر صدقا في طريقة تعاطيها مع هذا الملف القومي الذي لا تقل أهميته عن ملف تحرير الأرض المحتلة، لاسيما وأنها بذلك تضرب عرض الحائط بكافة قواعد القانون الدولي، ناهيك عن وضع الشريك الأميركي في موقف محرج إذا افترضنا حسن نية هذا الشريك في الأصل… ماذا نعني بهذا الكلام؟

بداية ينبغي القول إن الولايات المتحدة الأميركية وخلال عقود الحرب الباردة فعلت المستحيل لاستنقاذ إثيوبيا من بين فكي الدب الشيوعي، ولعل إدارة الرئيس الأميركي الجمهوري، دونالد ريجان، كانت نقطة تحول كبيرة في مسيرة إثيوبيا إذ أقنع اليمينيين الجدد في الداخل الأميركي من أمثال جيري فالويل وبات روبرتسون، وليندسي هال وأمثالهم ريجان بأنه لابد من عودة إثيوبيا إلى الحضن الأميركي لملاقاة المعسكر الشيوعي كعلامة من علامات قيام الساعة، وإن كانت هذه قصة أخرى.

نجحت واشنطن لاحقا في أن تجعل أديس أبابا تدور في فلكها، وليس سرا أن رئيس وزراء إثيوبيا الحالي “آبي أحمد”، هو رجل الولايات المتحدة في إثيوبيا، وأنه من غير دعمها لها لن يقدر له البقاء طويلا في دولة مليئة بالشروخات العرقية والدينية، ونسيجها الاجتماعي قابل للتفتيت والتمزق في أي لحظة.

هنا يبدو السؤال الذي يتهرب الكثيرون من طرحه لسبب أو لآخر: “هل يمكن أن تضرب إثيوبيا عرض الحائط بالوساطة الأميركية التي تحولت لاحقا إلى شراكة في الأزمة؟

ربما استلفت النظر منذ نحو أسبوعين أو أزيد قليلا تصريح لوزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو على هامش زيارته الأخيرة لإثيوبيا أشار فيه إلى أن الأزمة الإثيوبية المصرية قد تأخذ شهورا قبل التوصل إلى حل نهائي، الأمر الذي أثار علامات استفهام، لاسيما وأن موعد واشنطن للتوقيع على الاتفاق النهائي كان على الأبواب.

هنا لا يبقى أمام المرء سوى الاختيار بين سيناريوهين :
الاول: هو أن هناك سيناريوهات سرية تجري خلف الأبواب المغلقة، واتفاقيات ضمنية بينية فيما بين واشنطن وأديس أبابا، ربما ستكشف الأيام تباعا عنها، وقد يكون الهدف منها إرغام القاهرة على تقديم تنازلات في ملفات إقليمية أخرى، ما يعني محاصصة، عبر لعبة شد الأطراف أو المراكز والتخوم التي أرسى قواعدها “بن جوريون” قبل عقود ونصح بها بلاده في مواجهة الصعاب التي تقابل دولتهم الوليدة وقتها.

غير أن هذا السيناريو لا يمكن الارتكان إليه بسهولة ويسر مرة وإلى الأبد، فالشراكة الاستراتيجية الأميركية المصرية، وبدون أي شوفينية مسألة حيوية جدا بالنسبة لأمن وأمان الإقليم، ولحركة الملاحة الدولية، العسكرية والمدنية، وكذا لأحوال التجارة العالمية التي تمر من قناة السويس، لاسيما حركة تدفق النفط، وكذا لأمن وأمان إسرائيل، ناهيك عن أن الأمر نفسه أيضا مسألة أمن قومي بالنسبة للقارة الأوربية، ذلك أنه إذا جف نيل مصر، لا سمح الله، أو إذا عطش المصريون، فإن الفعل الطبيعي لهم هو التوجه إلى الجانب الآخر من المتوسط ومعهم الملايين من أبناء القارة السمراء لتسقط أوروبا في مدى زمني أقل من الذي احتاجه القوط لإسقاط روما القديمة.

الثاني: هو أن أديس أبابا تمضي بالفعل في طريق مواجهة ومجابهة واشنطن، وهذا رأي له وجاهته لاسيما أن واشنطن أصدرت بياناً رسمياً ترى فيه أنه لا يجب على إثيوبيا ملء السد أو بدء أي تجارب لتوليد الطاقة قبل التوصل إلى اتفاق نهائي بين الأطراف الثلاثة، ما يعني أن واشنطن الرسمية تعترض على التوجه الإثيوبي الأحادي غير المبرر، ما يضع الإثيوبيين في مواجهة بدرجة أو بأخرى مع الجانب الأميركي.

ثم ماذا؟ ماذا عن مصر التي تشعر بالقلق ويحق لها أن تقلق؟

بدون تطويل ممل، مضت مصر إلى أبعد حد ومد في طريق إظهار النوايا الحسنة للعالم كله، وللعم سام تحديدا، وللأشقاء الأفارقة على نحو خاص.

على الجانب الآخر لا يبدو أن إثيوبيا تستوعب ما أشار إليه حكيم الصين الأشهر “صن تزو ” في كتابه الخالد “فن الحرب”، من أن “لا تحشر أحداً في الزاوية، فقد تصل أنت إلى طريق مأزوم ولا يمكنك لاحقاً الخروج منه”، وعلى اللبيب الإثيوبي أن يفهم أن الغريق لا يخشى البلل.

مصر لا تهدد وإنما تتحدث بصيغة حاسمة وحازمة، إنها سوف تضطلع بمسؤولياتها الوطنية في الدفاع عن مصالح الشعب المصري ومقدراته ومستقبله بكافة الوسائل المتاحة.

من يخبر إثيوبيا أن التعايش أفضل من التناحر، والسلام أجدى من الحروب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق