سرديات الزمن الفصائلي
جهاد الرنتيسي

تصلح شهادة القيادي الفلسطيني أحمد جبريل لفضائية لبنانية مثالاً بين أمثلة عديدة وردت في كتاب “لماذا يكذب القادة” لجون جي ميرشمير الذي يعرف التلفيق بأنه رواية شخص ما لحكاية يركز فيها على أحداث معينة ويربط بعضها ببعض بطريقة تصب في مصلحته ويقلل من أهمية حقائق أخرى أو يتجاهلها.

ألحت الحاجة للعودة إلى التعريف عند بث الحلقات الأخيرة من سلسلة المقابلات التي تناولت أحداث ما بعد الخروج الفلسطيني من بيروت ومعارك إسقاط اتفاق 17 أيار(مايو)، وعرجت على اختفاء الإمام موسى الصدر لتثير بعض الضجيج في أوساط فلسطينية ولبنانية عايشت ذلك الزمن.

من أبرز مظاهر التلفيق في الشهادة التي بُثت على مدى 12 حلقة تهميش جبريل لانتفاضة حركة فتح التي اندلعت في مثل هذه الأيام من 1983 لإعادة توجيه المسار السياسي الفلسطيني وانتهى مشروعها، بعد إطاحة النظامين السوري والليبي بزعيمها نمر صالح.

ظهر جبريل في شهادته ملهماً للانتفاضة التي جدفت في الاتجاه المعاكس لنهج ياسر عرفات، وضمت نخباً أكاديمية، وسياسية، وعسكرية من تيار يساري عتيق، كان يوفر حالة من التوازن في القرار السياسي الفتحاوي منذ تشكيل الحركة في بدايات ستينيات القرن الماضي.

ولم يعط أي اعتبار لحماية أبو صالح جبل لبنان، بناء على طلب زعيم الحزب الاشتراكي التقدمي وليد جنبلاط ودور “فتح ـ الانتفاضة” في العمليات العسكرية التي ألحقت الهزيمة بالقوات متعددة الجنسيات.

لتمرير روايته على المشاهد عمل على إعادة تدوير الأضواء حيث رافق التغييب المتعمد للحلفاء المفترضين إسهاب في الحديث عن دوره في جلب التمويل من معمر القذافي لإسقاط اتفاق 17 أيار(مايو)، ولم يراع أن بعض شهود تلك الفترة لا يزالون على قيد الحياة، وأن إمكانية العودة إلى المرحلة في أرشيفات الصحف اللبنانية، واردة وكذلك الاطلاع على كتب تناولت بعض مجريات تلك الأحداث مثل كتابي “قضية ثورة” لجمعة اللامي، و”ستون عاماً من الخداع” لمحمد دلبح.

تعتيمات جبريل على مجريات أحداث تلك الفترة شملت دوره في الإطاحة بأبي صالح توطئة لتحويل انتفاضة فتح من مشروع سياسي يواجه صعوبات إيجاد روافع إقليمية ودولية، إلى فصيل فاقد للبوصلة في منظومة هامشية ملحقة بالسياستين السورية والليبية.

أخذ تغييب جبريل للآخرين وتضخيم دور فصيله “القيادة العامة” السياق ذاته لدى حديثه عن أسر الجنود الإسرائيليين الثمانية بجبل لبنان في 1982، حيث أشار إلى أن العملية مشتركة مع حركة فتح رغم أن جبهته فوجئت بالأسر واقتصر دورها على المساهمة في نقل الأسرى إلى البقاع، واحتفظت مقابل هذا الدور بأسيرين إسرائيليين حسب شهادة منفذ العملية عيسى حجو.

تفسيرات جبريل للأحداث لم تكن أقل تضليلاً من سرده لها، حيث رأي في قدوم عرفات إلى طرابلس لإخراج أنصاره من الجغرافيا اللبنانية، التزاماً بتعهداته لفيليب حبيب، محاولة لدعم الرئيس أمين الجميل.

ولإبعاد الشبهات عن القذافي قاده خياله إلى إلقاء مسؤولية اختفاء الإمام موسى الصدر على عرفات رغم ما يتوفر لدى الجهات اللبنانية من اعترافات مسؤولين ليبيين سابقين.

ديماغوجيا جبريل في شهادته تستند إلى إرث لا بأس به من البروباغندا التي مارستها القيادات الفلسطينية خلال مسيرة ما يعرف بالثورة، وتحولت إلى واحدة من سمات الزمن الفصائلي.

ففي أعقاب معركة الكرامة التي تعد منعطفاً في مسيرة المقاومة حاولت “الماكينة الإعلامية” مصادرة الدور الحاسم للجيش الأردني، واضطرت للاعتراف به على استحياء بعد سنوات.

في مذكراته يتحدث ناجي علوش، عن تزييف الرواية الرسمية الفلسطينية ما جرى في معركة العرقوب، ويتطرق نزيه أبو نضال في كتابه “من أوراق ثورة مغدورة” إلى إصرار عرفات على التلفيقات الإعلامية حول تلك المعركة، ومعركة عين البيضاء لتحويل الهزائم إلى انتصارات الأمر الذي أثار استياء ماجد أبو شرار.

الروايات الملفقة غيض من فيض، إذا قُورنت بالسير التي رافقت مسيرة فصائل منظمة التحرير وتظهر قراءتها عملاً دؤوباً على اختلاق الأساطير حول الزعيم الفرد وتقزيم الخصوم تمخضت عنه إصدارات كاريكاتورية مثل كتابي رشيدة مهران “ياسر عرفات الرقم الصعب” وأحمد عبدالرحمن “عشت في زمن عرفات” الذي طبع أكثر من مرة ووُزع على مؤسسات السلطة، ولا يخلو الأمر من شواهد باقية على محاولة الذهنيات الأرشيفية قولبة الروايات المختلف على صحتها، ومنحها هالات القداسة وممارسة دور القيم على البحث العلمي ومصادره واستبعاد تاريخ شفهي قمعته الماكينة الإعلامية للابقاء على المتداول.

يرى ميرشمير في كتابه الصادر عن سلسلة عالم المعرفة في 2016 ويعد من الكتب القليلة في مجاله فارقاً بين التلفيق والكذب، لكنه يشير في المقابل إلى ضبابية التمييز بينهما، وفي ذلك ما يحث على غربلة السرديات المتوارثة، ومن بينها السردية الفصائلية الفلسطينية على أمل تخليص التاريخ من تشويهاته وفبركاته “الدعائية” و”الدعوية”، التي تحول دون قراءة عقلانية تؤسس لرؤية مختلفة للمستقبل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى