سوريا في ميزان العلاقات الروسية الأمريكية
عبدالحميد توفيق

على مدار سنين الأزمة السورية لم تحدث احتكاكاتٌ أمريكية روسية عسكرية على امتداد ميدان الصراع السوري.

رغم المواجهة السياسية والدبلوماسية الحادة التي شهدها مجلس الأمن الدولي بينهما، وكان الفيتو ترجماناً كافياً للإفصاح عن حجم التناقض بين الجانبين في الملف السوري، كونه الأداة الوحيدة التعبيرية عن تمترس كل منهما خلف خطوطه وتصوراته ومشروعه.

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

يدرك كلا الجانبين أن اتباع أو تبني سياسة حافة الهاوية مع بعضهما بسبب الوضع الناشئ في سوريا من شأنه جعل العالم يقف على قدم واحدة، وقد يودي بكثير من التفاهمات الجانبية بين بعض الدول، تبعاً لتوجهات وتحالفات كل واحدة، وربما يدفع البعض منها إلى التهور نتيجة قراءة متعجلة أو خاطئة لمسارات مثل هذه السياسة بين قطبين يخصص كلُّ واحد منهما ما يتاح له من الموارد والإمكانات السياسية والاقتصادية والاستخباراتية للإيقاع بالآخر.

هذا التشخيص المختصر والبسيط لميزان علاقات الأمريكيين والروس في سوريا لم تفرضه الظروف أو مستجدات المسألة السورية وحساسيتها وخصوصيتها فقط، ولا تَعارُضُ وتناقض مشاريع الجانبين، وحتماً لم تكن نتيجة تفاهمات نهائية وحاسمة، بل أملتها قراءات دقيقة وعميقة لإرث متخم بالمواقف والعبر من قبل دوائر القطبين مكّنتهما من تلمس أكثر السبل سلامة لصياغة مسارات متوازية لعلاقاتهما في كثير من القضايا الدولية؛ إذ يحافظ كل طرف منهما على مسافة أمان تجنبهما الاحتكاك المباشر، مهما طال الخط وكثرت تعرجاته، ومن ثم تبعد شبح نشوب صراع عسكري مسلح مباشر بينهما على الأرض السورية أو غيرها.

ويبدو أن هذا الإرث الذي يغذي إدراك الدبلوماسية الروسية ويسهم بشكل أساسي في رسم ملامحها وخطواتها لم يفقد بريقه بعد، ولم ينضب مَعينه بشهادة رئيس الدبلوماسية الروسية سيرجي لافروف خلال تلخيصه مجمل نتائج عمل الدبلوماسية الروسية خلال العام المنصرم 2020، وتوصيفه الدقيق لطبيعة وجوهر موقف موسكو تجاه واشنطن وسياستها حيال سوريا بقوله “روسيا لا تنوي طرد العسكريين الأمريكيين من سوريا أو الدخول في قتال معهم، بل تجري حواراً مع الولايات المتحدة في إطار العمل على الالتزام بقواعد محددة”.

ما حظي به الوضع السوري من مواقف روسية على مدار العام المنصرم، وفقا للافروف، حمل أكثر من رسالة، لكنها كانت أقل من مشروع سياسي متكامل يمكن الاستناد إليه لبلورة صيغة حل يطوي مأساة سوريا شعبا ودولة، وما يلفت في رسائل موسكو المتعلقة بالشأن السوري أنها لم تحقق مبتغاها لدى الأطراف المنخرطة في الأزمة السورية، حين كشف الوزير الروسي عن تجاهل إسرائيل لاقتراح بلاده بإبلاغها “بالتهديدات الأمنية المفترضة الصادرة عن الأراضي السورية لتتكفل موسكو بمعالجتها”.

لم تخلُ مواقف لافروف من رسائل استباقية إلى سيد البيت الأبيض الجديد جو بايدن وفريقه الدبلوماسي، وبدا وكأن رئيس الدبلوماسية الروسية سعى لوضع محددات سياسة بلاده بشأن سوريا على طاولة التجاذب مع إدارة بايدن، متضمنة الركائز الأكثر تأثيراً وتعقيداً في مجمل المشهد، وتحديدا مقاربته بشأن إيران التي تسعى لاستنساخ تجربتها في العراق وتطبيقها في سوريا، بتحويلها إلى ساحة صراع للاستثمار السياسي والتوسعي لمشروعها على حساب مصالح ومستقبل سوريا ومصالح روسيا بنسبة كبيرة، فاختار لافروف النافذة السورية ليقول إن بلاده “لا تريد أن تستخدم الأراضي السورية ضد إسرائيل أو أن تستخدم -كما يتمنى الكثيرون، وفقا لتعبير لافروف- ساحة للمواجهة الإيرانية الإسرائيلية”، مقاربة تنطوي على بعدين في الرؤية الدبلوماسية الروسية لمفاتيح التفاهم المأمول مع إدارة بايدن على عدد من الملفات العالقة والمرحّلة من إدارة ترامب السابقة خاصة في سوريا.

في البعد الأول إيحاءٌ روسي بأن موسكو صاحبة الكلمة الفصل في مجريات الوضع السوري، وقادرة على طمأنة واشنطن وغيرها بعدم تحول الأراضي السورية إلى منصة ابتزاز أو استفزاز أو تهديد من قبل إيران لمصالحها ومصالح حلفائها، أما البعد الثاني فيتمحور حول استعداد الجانب الروسي لمعالجة هواجس الجانب الأمريكي من خلال ما وصفه لافروف حرفيا بـ”الإجراءات الضرورية لتحييد أي تهديد” في حال وجد.

آمالٌ رحبة من التفاؤل عمّت فضاءات كثير من عواصم العالم وهي تترقب سياقات السياسة الأمريكية في مختلف القضايا والملفات الخارجية، ومن الطبيعي أن تسعى روسيا ضمن كتلة خياراتها ومصالحها في عدد من ساحات التجاذب والصراع الدبلوماسي والسياسي مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى الإفصاح عن رغباتها وميولها السياسية بمقاربات تحاكي مصالح واشنطن في سوريا وفي بعض الملفات الإقليمية الشائكة، دون أن يعني ذلك التفريط أو التنازل عن جوهر مصالحها الحيوية في سوريا وفي عموم المنطقة.

وبما أن المسألة السورية باتت متشابكة ومتداخلة بين لاعبين كثر فلا بد من اللقاء الروسي الأمريكي في منتصف الطريق على قاعدة توازن المصالح واستبعاد نظرية توازن الرعب بشكل تام، كي يتسنى للجانبين القدرة والمرونة على إحداث اختراق للاستعصاء الحاصل في الوضع السوري، والانتقال به إلى آفاق جديدة تمهد لسوريا طريق التعافي، وللأمريكيين والروس سبل التفاهم على ملفات وقضايا ثنائية وإقليمية ودولية أكثر تعقيدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى