سوريا: مأساة النازحين.. الحل سياسي لا إغاثي
أحمد موفق زيدان

للعام الحادي عشر على التوالي يقضي النازحون السوريون شتاءهم القارس في خيام بالية، لا تقي حراً ولا برداً، ومع كل عام تتجدد المناشدات وتهرع المنظمات، وتتجدد معها الأسئلة بشأن بناء بيوت للنازحين عوضاً عن خيامهم البالية، ويحتدم كذلك النقاش بشأن الأولويات والأسبقيات، ليخفت مع نهاية الشتاء، وهكذا دواليك.

فمشاكل النزوح متعددة، وكقصص الحيّات لا تنتهي، فمشكلة خطيرة وهي التعليم التي تُلقي بتداعياتها على كل جوانب الحياة، لا تزال قائمة منذ سنوات، وهي عدم تلقي كثير من المعلمين رواتبهم، في ظل شح الدعم للمنظومة التعليمية، ومع هجوم فصل الشتاء هجم علينا كارثة تتهدد القطاع الصحي بوقف الدعم عن 18 مشفى في الشمال السوري المحرر بعد توقف المانحين الدوليين عن دعمها.

ينشط الدفاع المدني السوري برئاسة رائد الصالح في الاستجابة السريعة للكوارث والمشاكل التي يعانيها الشمال المحرر، بعد أن برزت مؤسسته كمؤسسة ثورية تعالت تماماً فوق كل الفصائلية والحزبية والمناطقية، وأثبت وجوداً داخلياً وإقليمياً ودولياً.

الصالح يرى أن الدعم الإغاثي هو غمس خارج الصحن، فالتشديد ينبغي أن يكون على حل سياسي لا الإسعافي، عبر مساعدة المشردين والنازحين بفتات الدعم والمساندة، فالقضية هي سياسية بامتياز.

وما لم يتم إزاحة النظام السوري عن السلطة، فإن المشكلة ستتواصل وتتفاقم وتزداد، مما يزيد من أعبائها ومسؤولياتها، فيضع بذلك المجتمع الدولي في موقف حرج إنساني على الأقل، لا أقله ما حصل للأمم المتحدة بعد جمع اليوتيوبر أبو فلة 11 مليون دولار فأرادت الأمم المتحدة اقتطاع أكثر من نصفهم لمصاريفها الإدارية، فشن الناشطون السوريون عليها هجوماً عنيفاً على مواقع التواصل الاجتماعي فأرغموها على التراجع، لكن بالمحصلة كان على حساب سمعتها الأخلاقية.

 

أكثر من 14 مليون مشرد سوري نازح في الداخل، أو لاجئ في دول الجوار، وكل هؤلاء بانتظار عودة كريمة لمدنهم وبيوتهم، حتى لو كانت خربة مدمرة، هذه العودة بنظرهم وبحسب استطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز دراسات عالمية لا يمكن أن تكون بدون إزاحة النظام السوري، ومحاكمة رأس النظام بعد أن فعل ما فعل بشعبه، لاسيما وهم يقرؤون ويتابعون ما يجري من أقاربهم الذي قرر إنهاء معاناة التشرد فعاد إلى بلده، فكان السجن مصيره كما وثقت بذلك منظمات حقوقية دولية كهيومن رايتس ووتش.

الجرح السوري لم يعد سورياً أبداً، بعد أن طال فتح، وكعادة الجروح التي تظل مفتوحة تتعرض للفيروسات، فيزداد قيحها، ويزداد تلوثها، حتى تتفشى في أجزاء الجسم فتُحدث ربما الغرغرينا، وما يجري للجرح السوري هو تفشيه حتى أصاب الجسد العربي، ونرى ذلك ونلمسه من خلال تحوّل رأس النظام ومليشياته إلى منتجين ومصدرين لحبوب الكبتاغون والمخدرات للعالم العربي وغير العربي.

وقد صادرت وضبطت دول عدة شحنات من هذه الآفة والتي قُدرت الشحنة الواحدة منها بأكثر من مليار دولار، أكدت ذلك صحف عالمية مرموقة من الإيكونوميست والتايمز والفورين بوليسي والنيويورك تايمز بأن البلد غدا عاصمة الكبتاغون العالمي، الأمر الذي يهدد السلم المجتمعي العربي والعالمي.

إذن الحل في سوريا اليوم هو حل سياسي ليس من أجل السوريين فقط، وإنما من أجل العالم كله الذي يعاني من بقاء هذا النظام، ومنظومته الفاسدة التي سينعكس خطرها على المنطقة برمتها، أما النازحون فلا أعتقد أنهم بحاجة إلى الإغاثة، حال عودة نازحيه إلى بيوتهم.

فالسوريون يملكون النفط والغاز وأراضي زراعية مذهلة. فعلى صعيد الزيتون فقط في إدلب والشمال المحرر يوجد ستة ملايين شجرة زيتون، وهو ما أطلق عليه بالنفط الأخضر، تماما كأشجار الفستق الحلبي التي تدرّ ذهباً على أصحاب أراضيها، لتتحول اليوم إلى أراضٍ بوار مع سيطرة النظام وميليشياته الذي لا يتقن زراعتها وإدارتها وإنما يحسن فقط حرقها وتجريفها.

 

* د. أحمد موفق زيدان كاتب وإعلامي سوري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى