سياسات فعّالة للحد من الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين

من إعداد بسام أبو عكر، رتيبة النتشة، هناء الزنط  

مقدّمة:

تعاظمت السياسات الإسرائيلية في الاعتقال الإداري بالتوازي مع مسيرة نضالات الشعب الفلسطيني، وقد بات ملحوظًا تعاظم هذه السياسات وتوسعها إبان الهبات الجماهيرية وفترات التصادم المباشر مع الاحتلال، كما هو الحال في محاولات إسكات الشارع قبل عمليات الضم للأراضي، أو فرض سياسات وإجراءات إسرائيلية على أرض الواقع، بل إنها استخدمت قبل أي محاولة لرأب الصدع الفلسطيني الداخلي، أو فترات الانتخابات البرلمانية والمحلية المختلفة. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد المعتقلين الإداريين قد تضاعف في السنوات العشر الأخيرة، حيث بلغ مع نهاية العام 2019، 1100 حالة اعتقال إداري.

هنالك عدد من السياسات الفلسطينية المتبعة على المستوى الرسمي، حيث عقد عدد من المؤتمرات الدولية، ورفعت تقارير للأمم المتحدة والمنظمات الدولية، إضافة إلى السياسات غير الرسمية في إصدار الإحصائيات والتقارير وأوراق الموقف والحملات الشعبية والدولية، وحشد المناصرين والمتضامنين الدوليين، والإضرابات والاحتجاجات والمؤتمرات الدولية والمحلية، والحملات الدولية لمناصرة الأسرى الإداريين في نضالهم ضد الاحتلال، وقد استطاعت تلك السياسات إدانة الاعتقال الإداري التعسفي.

غير أن هذه الإنجازات والتحركات لم تكن كافية لكبح جماح السياسات الإسرائيلية المتعنتة اتجاه تعاظم الاعتقال الإداري التعسفي؛ كونها موسمية، ولا تتمتع بالإستراتيجية الواضحة والاستمرارية، فقد تبينت زيادة في عدد المعتقلين الإداريين ما بين العامين 2011 و2019،[i] كما هو موضح في الجدول التالي:

عدد المعتقلين إداريًا بين العامين 2011 و2019

2011

2012

2013

2014

2015

2016

2017

2018

2019

228

302

147

196

391

687

475

440

486

 لذا، تسعى هذه الورقة إلى تقديم سياسات فاعلة للحد من الاعتقال الإداري الذي يواجهه المجتمع الفلسطيني في كل من القدس والضفة الغربية وقطاع غزة من مختلف الأعمار والفئات، وطرحها أمام صناع القرار السياسي، وهيئات المجتمع المدني ومنظماته العاملة في قضايا الأسرى.

المشكلة السياساتية

تعددت السياسات الإسرائيلية التعسفية لاعتقال الفلسطينيين إداريًا، ما أدى إلى تضاعف حالات الاعتقال الإداري من 228 حالة في العام 2011 إلى 486 حالة، من ضمنهم 4 نساء، و4 قاصرين، وفي ظل تزايد الاعتقالات الإدارية التي طالت الأطفال من الجنسين والنساء وكبار السن والمرضى وأعضاء البرلمان الفلسطيني المنتخبين. وقد وصل مجموع قرارات الاعتقال الإداري ما بين قرارات اعتقال جديدة ومجددة إلى 1046 قرار اعتقال إداري حتى نهاية كانون الأول 2019؛[ii] ما يتعارض مع ما هو منصوص عليه في القانون الدولي في المادة (1) من قانون حقوق الإنسان، والمادة (78) من اتفاقية جنيف الرابعة.

ومع تزايد هذه السياسات التعسفية، يبدو جليًا أن هناك صمتًا دوليًا وتغافلًا عن هذه الانتهاكات من جهة، ومن جهة أخرى قصور وغياب إستراتيجية وتركيز من قبل الجانب الرسمي والحقوقي، وعدم الاستفادة من حجم القرارات الصادرة عن الجهات الدولية التي تدين الانتهاكات التي تمارسها دولة الاحتلال بحق الإنسان، وتحديدًا في سجونها، وفي سياساتها التعسفية بشأن الاعتقالات الإدارية، وإعادة تجديد اعتقال الأسرى الإداريين العديد من المرات أثناء اعتقالهم. وربما من غير المقصود فلسطينيًا التركيز على ملف الاعتقال بشكل عام، مقارنة بالاعتقال الإداري.

أسباب توسع دائرة الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين

تتعدد أسباب الاعتقال الإداري للعديد من الاعتبارات أهمها:

أولًا. السياسات الإسرائيلية

•  انزياح المجتمع الإسرائيلي، بشكل كبير، نحو التطرف: ينزاح المجتمع نحو اليمين متنكرًا لكل الحقوق الفلسطينية ورفض كل خيارات التسوية السياسية، وبالتالي أخذت الحكومة الإسرائيلية فيه تنحو في سياساتها منحى أكثر عدوانية وتطرفًا ضد الشعب الفلسطيني، فزادت من إجراءاتها التعسفية، ومن ضمنها توسيع دائرة الاعتقال الإداري، من خلال ملاحقة النشطاء وأصحاب الرأي واعتقالهم إداريًا دون مبررات أو مصوغات أمنية، ودون تهم أو ملفات واضحة ومحددة، وضمن إجراءات قضائية عسكرية تستند إلى معلومات وملفات سرية، يقوم بتقديمها جهاز الأمن الداخلي (الشاباك)، واستخدام هذا النوع من الاعتقال، بشكل واسع ومستمر، وتمديد فترة الاعتقال العديد من المرات على ذات التهم والمواد السرية غير المعروفة لدى المحامي وموكله.
• قمع أي عمل فلسطيني واستغلال الأحداث الجارية: تستغل سلطات الاحتلال الاعتداءات المتكررة على قطاع غزة بتوسيع دائرة الاعتقال الإداري في الضفة الغربية والقدس، حيث تزايد عدد المعتقلين إداريًا مع كل عدوان على قطاع غزة، ويزداد مع كل حدث وطني أو هبة جماهيرية أو اشتباك مع الاحتلال، كما حدث مع هبة البوابات الإلكترونية
على أبواب الأقصى في القدس، وكلما لاحت في الأفق فرص التوافق الوطني والمصالحة الفلسطينية، أو استحقاق انتخابي للمؤسسات الخدمية مثل: البلديات، المجالس القروية، والانتخابات الطلابية في الجامعات أو الانتخابات البرلمانية.

يزداد هذا النوع من الاعتقال عند التفكير بمشاريع عدوانية مثل: تهويد القدس، وضم الأغوار، والتجمعات الاستيطانية، كشكل من أشكال الردع والتخويف والعقاب الجماعي، لتسهيل تمرير مشاريعهم، بشكل يتنافى ويتعارض مع القانون الدولي، والقانون الدولي الإنساني، والمواثيق والاتفاقات الدولية، واتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين وقت الحرب. فدولة الاحتلال تمارس هذا النوع من الاعتقال في أوقات غير الحرب بشكل كبير وممنهج وواسع.

• للتغطية على جرائم الاحتلال وسياساته العدوانية: تستهدف تلك الإجراءات المئات من السكان المدنيين، من مختلف الفئات العمرية: أطفال من كلا الجنسين، نساء، كبار السن، ذوو الأمراض الخطيرة والمزمنة، مرضى نفسيون، أكاديميون، صحافيون، مثقفون، نشطاء سياسيون ومجتمعيون، شباب، نواب في البرلمان الفلسطيني، دون تمييز أو مراعاة أو احترام للخصوصيات، أو حتى مساواتهم بالمعتقلين الإداريين من اليهود المستوطنين الذين يقومون بأعمال إرهابية ضد الفلسطينيين، كما حصل مع عائلة دوابشة، والكثير من الأعمال الإرهابية في القدس والضفة الغربية، التي يتم اعتقال منفذيها لفترات قصيرة، وبأعداد محدودة جدًا، وفي ظروف محددة.

ثانيًا. أسباب ذاتية

• ضعف سياسة المواجهة الفلسطينية للحد من الاعتقال الإداري أمام سياسة اليد المطلقة لسلطات الاحتلال التي تمارسها في المناطق المحتلة. ففي ضوء ممارسة الاحتلال هذا النوع من الاعتقال، هنالك، في المقابل، محاولات فلسطينية للحد منه، لكنها غير فعالة، ولا تأتي في سياق خطة وبرنامج عمل ومشروع وإستراتيجية سياساتية فلسطينية، قادرة على لجم الاحتلال الذي لا يستجيب للنداءات والمطالبات الدولية والعديد من القرارات من مختلف المنظمات والمؤسسات الدولية التي تدين بالإجماع هذه الممارسة.

ولم يستطع الجانب الفلسطيني حتى الآن نقل هذا الملف من دائرة الجهات الحقوقية واللجان في المنظمات الدولية، إلى جهات القرار والتنفيذ السياسية والقضائية في الأمم المتحدة، مثل: محكمة الجنايات الدولية، ومجلس الأمن.

• العامل الذاتي في آلية التعاطي مع المحاكم الاحتلالية العسكرية: من أسباب زيادة هذا الاعتقال التجاوب مع الإجراءات القضائية التي تستخدمها سلطات الاحتلال لشرعنه الاعتقال الإداري، المتمثلة في مثول المعتقلين الإداريين أمام هذه المحاكم، ما يعطي الاحتلال غطًاء شرعيًا وقانونيًا لاستمرار هذا الاعتقال وبوتيرة متزايدة، وفق ما ترتئيه
سياساته واحتياجاته العدوانية، وتمديد هذا الاعتقال لفترات مختلفة خلال وجود المعتقل في الاعتقال تصل أحيانًا لسنوات عدة دون مبرر واضح ودون وتهم أمنية، وعلى التهم ذاتها المنسوبة إليهم (بحجة أنهم يشكلون خطرًا على أمن دولة إسرائيل وجمهورها)، ومن ثم معاودة اعتقال الشخص نفسه، وتحويله من جديد إلى “الاعتقال الإداري” بعد الإفراج عنه بمدة قصيرة.

الأهداف

الهدف العام

تقديم سياسات وبدائل فاعلة للحكومة الفلسطينية والمنظمات الأهلية المهتمة بقضايا الأسرى، وللأسرى أنفسهم، وذلك للحد من الاعتقال الإداري.

الأهداف الفرعية:

• زيادة وعي المجتمع الفلسطيني، وبخاصة أسر وعوائل الأسرى حول أهمية دورهم في موضوع الاعتقال الإداري.
• اقتراح أفكار ومسارات عمل جديدة لتحريك دور الهيئات الفاعلة والأجسام المهتمة بقضايا الأسرى الإداريين.

الاحتلال والاعتقال الإداري

يرجع أصل الاعتقال الإداري إلى قانون الطوارئ للانتداب البريطاني العام 1945، ويخضع الاعتقال الإداري اليوم لقانون الطوارئ (الاعتقالات) لسنة 1979 (قانون الطوارئ)، الذي ينطبق فقط عند إعلان حالة الطوارئ من قبل الكنيست الإسرائيلي، وحالة الطوارئ ما زالت معلنة منذ تأسيس دولة الاحتلال العام 1948، وتقوم قوات الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة باستخدام هذا الإجراء بناء على الأمر العسكري رقم 1651، وتحديدًا المادة 273 منه، ويمنح هذا الأمر قائد المنطقة العسكرية الحق في احتجاز الشخص أو الأشخاص لمدة تصل إلى ستة شهور، قابلة للتجديد مرات عدة.[iii]

نصت اتفاقية جنيف الرابعة في المادة (78) على: “إذا رأت دولة الاحتلال لأسباب أمنية قهرية أن تتخذ تدابير أمنية إزاء أشخاص محميين، فلها على الأكثر أن تفرض عليهم إقامة جبرية أو تعتقلهم”. إن الاعتقال الإداري الذي تقوم به سلطات الاحتلال يختلف شكلًا ومضمونًا عما ورد في اتفاقية جنيف، حيث تتنافى الظروف التي تقوم سلطة الاحتلال فيها باستخدام هذا الأسلوب من الاعتقال والإجراءات مع الشروط التي تنص عليها الاتفاقية الدولية والمعايير الدولية الأخرى للمحاكمة العادلة. ومن الواضح أن الاتفاقية تتحدث عن الاعتقال الإداري في حالة طارئة جدًا وكوسيلة أخيرة لا مفر منها، وإذا كانت هناك إمكانية لفرض الإقامة الجبرية فلها الأولوية، لأنها أقل ضررًا بالشخص، لكن الاحتلال يمارس هذا الاعتقال بشكل دائم ودوري ودون ضوابط.

تدعي سلطات الاحتلال أنه بموجب المادة 78 من اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب (1949)-الاتفاقية الرابعة، يحق لها أن تقوم باحتجاز الأشخاص الخاضعين لسلطتها تحت الاحتلال للاعتقال الإداري.

واقع الاعتقال الإداري في فلسطين

تستخدم سلطات الاحتلال الاعتقال الإداري دون ضوابط ودون تهمه أو محاكمة، ويعتمد على ملف سري وأدلة سرية لا يمكن للمعتقل أو محاميه الاطلاع عليها، ويمكن حسب الأوامر العسكرية الإسرائيلية تجديد أمر الاعتقال الإداري مرات غير محدودة، حيث يتم استصدار أمر اعتقال إداري لفترة أقصاها ستة شهور قابلة للتجديد مرات عدة، ويمكن أن يستمر الاعتقال لسنوات.

إن الاعتقال الإداري إجراء يكون أحيانا مرتبطًا بالوضع السياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وحركة الاحتجاج الفلسطيني على استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية التي احتلت العام 1967، وهو عقاب وإجراء سياسي يعبر عن سياسة حكومية رسمية لدولة الاحتلال باستخدامها الاعتقال الإداري كعقاب جماعي ضد الفلسطينيين.

والاعتقال الإداري بالشكل الذي تستخدمه قوات الاحتلال محظور في القانون الدولي، فقد استمر الاحتلال في إصدار أوامر اعتقال إداري بحق شرائح مختلفة من المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية، من نشطاء حقوق إنسان، وعمال، وطلبة جامعيين، ومحامين، وأمهات، وتجار.[iv]

يحدّد القانون الدولي الإطار المعياريّ الذي ينبغي لإسرائيل أن تلتزم به في ممارساتها داخل المناطق المحتلّة. والبنود ذات الصّلة المنصوص عليها في فرعين قضائيّين أساسيّين هما القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي الخاصّ بحقوق الإنسان. ففي الماضي، كان متّفقًا أنّ هذين الفرعين لا يسريان بالتزامن مع بعضهما، حيث يسري القانون الإنساني الدولي في أوقات النزاعات المسلّحة، وفي زمن الاحتلال، ويسري قانون حقوق الإنسان في أوقات السِّلْم. وبدلًا من النظر إلى أحكام القانون كبوصلة أخلاقيّة، فإنّ إسرائيل تسخّرها كمرشد في الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان.

وفي السنوات الأخيرة تغيّرت التصوّرات القضائيّة المتّبعة، فتلاشى التغايُر والتمييز بين الفرعين أعلاه، ومن المتّبع اليوم أنّ أحكام قوانين حقوق الإنسان تستمرّ سريانها أيضًا في أوقات الحرب وفي زمن الاحتلال بالتّوازي مع سريان أحكام القانون الإنساني الدولي، ولأنّ الحماية التي يوفّرها القانون الإنساني الدوليّ للمواطنين وضحايا الحرب أضيق من تلك التي يوفّرها قانون حقوق الإنسان، يوسّع التصوّر الجديد، بقدر ملحوظ، نطاق حماية المواطنين في أوقات النزاعات المسلّحة. وفي الحالات الاستثنائية التي تتناقض فيها أحكام القانون الإنساني مع أحكام قانون حقوق الإنسان أثناء القتال في سياق نزاع مسلّح، جرى التوافق على أن تكون الأفضلية لأحكام قانون حقوق الإنسان، أما الذي تمارسه دولة الاحتلال الإسرائيلي فعليًا، من خلال
الإصرار على استمرار الاعتقال الإداري، دون أسباب ومبررات أمنية أو احترازية، لا يراعي ولا يعتبر فيها، بأي حال من الأحوال، أحكام القانون الإنساني ولا أحكام قانون حقوق الإنسان في التعامل مع الشعب الفلسطيني الذي تطاله وتنطبق عليه أحكام القانونين.
[v]

ولقد تضمنت الإحصاءات التي قامت بها المؤسسات العاملة على حقوق الإنسان وحقوق الأسرى في سجون الاحتلال الحقائق التالية:

تمارس قوات الاحتلال سياسة الاعتقال الإداري في الأرض الفلسطينية المحتلة بشكل ممنهج، وعلى نطاق واسع، وكشكل من أشكال العقاب الجماعي بحق المئات من المدنيين الفلسطينيين سنويًا. وأصدرت قوات الاحتلال منذ العام 1967، ما يزيد على (50.000) أمر اعتقال إداري، 24 ألفًا منها صدرت ما بين العامين 2000 و2014، وأثناء انتفاضة الحجارة، وصل عدد المعتقلين إداريًا في العام 1989 إلى ما يزيد على (1.700) معتقل، وفي العام 2003 إبان انتفاضة الأقصى بلغ عدد المعتقلين إداريًا (1.140) معتقلًا.[vi]

المعتقلون الإداريون ونسب الإفراج عنهم العام 2019

أوامر الاعتقال الإداري للعام 2019:

1047 أمر اعتقال إداري مقسمة على النحو التالي:

• الحالات التي جرى اعتقالها للمرة الأولى هي 439.
• 608 أوامر تمديد اعتقال للأسرى رهن الاعتقال.

النسب المئوية للإفراج عن المعتقلين الإداريين:

• 3% يتم الإفراج عنهم من أمر الاعتقال الأول الذي يكون في الغالب بين 4-6 أشهر.
• 10% من مجموع الذين صدر بحقهم أوامر اعتقال إداري يتم الإفراج عنهم من المرة الثانية.
• 70% من مجموع الذين صدر بحقهم أوامر اعتقال يتم الإفراج عنهم بعد التمديد الثالث أو الرابع.

 

حتى نهاية شهر كانون الأول 2019، كانت إسرائيل تحتجز 464 فلسطينيًّا معتقلًا إداريًّا في منشآت تابعة لمصلحة السجون، من ضمنهم أربع نساء على الأقل، وأربعة قاصرين أعمارهم تحت سن 18 عامًا، والجدير بالإشارة وفق اللجنة المشكلة من ممثلي الفصائل والقوى الوطنية من الأسرى داخل السجون، أن سقف الاعتقال الإداري المعلن عنه في المحاكم العسكرية، بعد إضراب أيار/مايو 2014، هو 24 شهرًا، مع بعض الاستثناءات المحدودة لأسرى زادت مدة اعتقالهم عن السقف المعلن عنه والمعترف به من جانب القضاء العسكري، هذا الإضراب خاضه 120 أسيرًا إداريًا، واستمر 64 يومًا، وأعلن عن انتهائه ووقفه بسبب اعتداء حزيران/يونيو 2014 على قطاع غزة.

تدعي سلطات الاحتلال أنه بموجب المادة 78 من اتفاقية جنيف بشأن حماية الأشخاص المدنيين وقت الحرب (1949)- الاتفاقية الرابعة، يحق لها أن تقوم باحتجاز الأشخاص الخاضعين لسلطتها تحت الاحتلال للاعتقال الإداري. ووفق معطيات مصلحة السجون حتى تاريخ 31/9/2016، قبع في سجونها 645 معتقلًا إداريًا فلسطينيًا. تُظهر التفاصيل أن 643 منهم، على الأقلّ، كانوا من سكان الضفة.[vii]

المعتقلون الإداريون ومددهم حتى العام 2016

مدّة الاعتقال – بالأشهر

قاصرون

بالغون

0-3

4

137

3-6

2

130

6-12

3

275

12-18

0

54

18-24

0

33

24-30

0

6

60 وأكثر

0

1

المجمل

9

636

يقع إصدار أوامر الاعتقال الإداري دون تحديد عدد مرات التجديد للمعتقلين من سكان الضفة الغربية وغزة بيد الحاكم العسكري الإسرائيلي للمنطقة، فيما يقع إصداره ضمن صلاحيات وزير الأمن الإسرائيلي للمعتقلين من سكان القدس، ويمنح القانون الإسرائيلي للقائد العسكري صلاحية إجراء أي تعديلات على الأوامر العسكرية المتعلقة بالاعتقال الإداري بما يتلاءم والضرورة العسكرية، دون الأخذ بالحسبان أي معايير دولية لها علاقة بحقوق المعتقلين.

الاعتقال الإداري والقانون الدولي

يحدّد القانون الدولي الإطار المعياريّ الذي ينبغي لإسرائيل أن تلتزم به في ممارساتها داخل المناطق المحتلّة. البنود ذات الصّلة المنصوص عليها في فرعين قضائيّين أساسيّين هما القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي الخاصّ لحقوق الإنسان. في الماضي كان متّفقًا أنّ هذين الفرعين لا يسريان بالتزامن مع بعضهما، حيث يسري القانون الإنساني الدولي في أوقات النزاعات المسلّحة وفي زمن الاحتلال، ويسري قانون حقوق الإنسان في أوقات السِّلْم، بدلًا من النظر إلى أحكام القانون كبوصلة أخلاقيّة فإنّ إسرائيل تسخّرها كمرشد في الانتهاك المنهجي لحقوق الإنسان.

في السنوات الأخيرة، تغيّرت التصوّرات القضائيّة المتّبعة، فتلاشى التغايُر والتمييز بين الفرعين أعلاه. من المتّبع اليوم أنّ أحكام قوانين حقوق الإنسان يستمرّ سريانها، أيضًا، في أوقات الحرب وفي زمن الاحتلال بالتّوازي مع سريان أحكام القانون الإنساني الدولي. ولأنّ الحماية التي يوفّرها القانون الإنساني الدوليّ للمواطنين وضحايا الحرب أضيق من تلك التي يوفّرها قانون حقوق الإنسان، يوسّع التصوّر الجديد بقدر ملحوظ، نطاق حماية المواطنين في أوقات النزاعات المسلّحة، في الحالات الاستثنائية التي تتناقض فيها أحكام القانون الإنساني مع أحكام قانون حقوق الإنسان أثناء القتال في سياق نزاع مسلّح – جرى التوافق على أن تكون الأفضلية لأحكام قانون حقوق الإنسان.[viii] فهل يتناسب الاعتقال الإداري بموجب الأوامر العسكرية الإسرائيلية مع القوانين والمعايير الدولية ذات العلاقة؟

منذ بداية الاحتلال العام 1967، استندت سلطات الاحتلال على أنظمة الطوارئ لاستخدام الاعتقال الإداري. وفي العام 1970 قامت بتحويل المادة 111 من أنظمة الطوارئ إلى المادة 87 من الأمر العسكري رقم 378 بشأن تعليمات الأمن للعام 1970، أما اليوم وبعد إجراء تعديلات على الأمر العسكري 378، فأصبحت المادة 285 من الأمر 1651 هي الإطار القانوني لإجراء الاعتقال الإداري.

المبدأ الأساسي أن كل الناس خلقوا أحرارًا، وبما أن الاعتقال الإداري ليس اعتقال بسبب ارتكاب مخالفة واضحة لقانون واضح، وإنما لأسباب أمنية، يجب أن يكون الاستثناء وليس القاعدة، أما الممارسة الفعلية لسياسة الاعتقال الإداري في الأرض المحتلة تبين أن القائد العسكري المخول بإصدار أمر الاعتقال الإداري، يقوم بذلك ليس في الحالات الطارئة جدًا فحسب، ويؤكد ذلك وجود ما يقارب 450 معتقلًا إداريًا في سجون الاحتلال حاليًا، ومنهم من يقضي في الاعتقال فترات تتراوح بين سنتين إلى ثلاث سنوات. فما هي الخطورة الحقيقية الجدية التي يشكلها الشخص وتبقى حاضرة لمدة سنتين أو أكثر؟ ومنهم من قضى في الأسر سنوات بعد أن حوكم على ارتكابه لمخالفات بموجب الأوامر العسكرية، وعند انتهاء مدة حكمه تم تحويله إلى الاعتقال الإداري بحجة أنه ما زال يشكل خطورة على الأمن.[ix]

الاعتقال الإداري والسياسات الفلسطينية على المستويين الرسمي والشعبي

المستوى الرسمي والمستوى المؤسسي: تتمثل الإجراءات الرسمية الفلسطينية إلى جانب المؤسسات شبه الرسمية والأهلية المختصة بموضوع الأسرى، فيما يتعلق بموضوع الاعتقال الإداري، في متابعة وتوثيق حالات الاعتقال الإداري وإصدار الإحصاءات والبيانات في هذا الخصوص، بجانب المتابعة من قبل هيئة من المحامين والمؤسسات الدولية، وبخاصة الصليب الأحمر، إضافة إلى عقد أربع مؤتمرات دولية عقدت في جنيف، في محاولات استصدار إدانات ضد الإجراءات الإسرائيلية، إلا أن هذه الإجراءات لا ترتقي إلى مستوى الضغط على دولة الاحتلال أو لجم سياساتها التعسفية، نتيجة غياب الإستراتيجية الواضحة والعمل المستمر عنها، أو ربما الخوف من التقدم أكثر في المحافل الدولية.

ولم تحمل الجهات الرسمية على عاتقها رفع ملف الاعتقال الإداري إلى المحاكم الدولية باعتباره انتهاكًا واضحًا لما نصت عليه المواثيق الدولية والقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الإنسان، ويمكن إدانته بشكل تعمل عدد من المؤسسات بدور المستوى الرسمي نفسه في توثيق الاعتقالات والانتهاكات وعمل أوراق حقائق وتقارير سنوية، إلى جانب حملات الضغط والمناصرة الموسمية، والاستشارات القانونية ومساندة الأسرى في احتجاجاتهم وإضراباتهم لتحقيق ظروف اعتقال أفضل، وتحقيق مطالبهم العادلة.

إلا أن هذه الجهود لا ترتقي إلى مستوى فعال وقوي قادر على الحد من السياسات الإسرائيلية في الاعتقال الإداري، وتحديد مدد الاعتقال الإداري، كما لم تكن بالفاعلية المطلوبة لتحقيق مطالب الأسرى الإداريين.

المستوى الشعبي: اقتصر المستوى الشعبي على وقفات الأسرى والاعتصامات التي لم تركز على قضية الاعتقال الإداري بشكل خاص، وإنما اعتبرته جزءًا من قضية الأسرى بشكل عام، باستثناء الفعاليات التي نظمت أثناء فترات الإضراب عن الطعام الذي خاضه الأسرى الإداريون.

ويبرز تدني مستوى الوعي الشعبي تجاه قضية الاعتقال الإداري من حيث حجمها ومخاطرها على فئات واسعة من النشطاء في القطاعات المختلفة. ومن الجدير ذكره أن سلطات الاحتلال لم تستجب لنداءات المستوى الرسمي والشعبي في ظل جائحة كورونا الحالية بإطلاق سراح المعتقلين إداريًا، علمًا أنه لم يوجه لهم أي تهم، ولا يوجد مسوغ يبين مدى خطورتهم ويمنع إطلاق سراحهم، وليس هذا فحسب، بل إن سلطات الاحتلال ما زالت تمارس الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين وتجتاح المدن والقرى والمخيمات بهدف اعتقال مزيد من الفلسطينيين.

البدائل السياساتية

البديل الأول: تعزيز العمل الشعبي لمواجهة الاعتقال الإداري

يشمل هذا البديل العمل الشعبي المتمثل بالمظاهرات، والمسيرات، والاحتجاجات وأدوات المناصرة والضغط الأخرى بالاعتماد على البيانات والمعلومات المتاحة من الجانب الرسمي وشبه الرسمي التي تتحدث عن الاعتقال الإداري، وحجم الانتهاكات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين التي هي في تزايد مستمر، وحاجة التحرك الشعبي الفاعل الداعم لنضالات الأسرى في مقاطعة المحاكم العسكرية والإضرابات الجماعية والفردية وتطوير العمل الشعبي بما يخدم سياسة الحد من الاعتقال الإداري.

وهذا يتطلب تطوير مظاهر العمل الشعبي، بحيث تصبح أكثر جماهيرية وجامعة، من خلال التوافق على آليات جديدة للعمل تشمل مواعيد وفعاليات بأوقات قادرة على التجاوب مع طبيعة الانشغالات اليومية للجماهير (مثلًا: توجد اليوم وقفات أسبوعية أمام الصليب الأحمر تكون في منتصف الأسبوع، وفي وقت يكون معظم المواطنين في أشغالهم، وبالتالي إمكانية الحشد الجماهيري تكون ضعيفة)، وأن تكون أكثر تحديدًا في مطالباتها وأشكالها وتتعدى الوقفات الروتينية والشعارات العامة، وأن تترافق هذه الوقفات مع لوائح مطالبة ترفع بشكل دوري وتتم متابعتها من قبل ممثلي الأهالي والفعاليات الشعبية، وقد يقترح في هذا المجال استخدام الوسائل الإلكترونية وتسخيرها لعمل التظاهرات الإلكترونية والعرائض واسعة الانتشار لمساندة العمل الشعبي في الشارع.

تبنى الحراك الشعبي موضوع الاعتقال الإداري بشكل خاص، وذلك بجانب الدفاع عن كافة المعتقلين الفلسطينيين، وذلك لرفع منسوب الوعي الجماهيري النوعي بقضية الاعتقال الإداري. ويتمثل العمل الشعبي بتفعيل دور وعمل وحراك أهالي الأسرى والمناصرين لهم واللجان الشعبية والنقابات؛ بهدف خلق مشاركة واسعة من قبل أهالي الأسرى بشكل خاص، والجماهير بشكل عام، للدفاع عن الأسرى الإداريين، وإبراز القضية بشكل دائم، وزيادة الضغط على الجانبين الفلسطيني لخلق سياسات مناهضة، والجانب الإسرائيلي للتخفيف من سياسات الاعتقال الإداري المفروضة على الفلسطينيين، ما يتطلب أن تكون تكرس فعاليات موحدة ومتزامنة في أماكن تواجد الشعب الفلسطيني كافة.

يعتبر هذا البديل معقولًا من حيث إمكانية تطبيقه على المستوى الشعبي وتوافقه مع التوجهات الوطنية الشعبية، وهو بحاجة إلى بذل المزيد من الجهود لزيادة الوعي ونشر المعلومات من قبل المستوى الرسمي وشبه الرسمي. كما يمكن لهذا البديل أن يساهم في تعزيز الإستراتيجية الوطنية لمواجهة الاعتقال الإداري بشكل فعال على المستويين الرسمي وشبه الرسمي، بحيث ينعكس زخم الشارع ووعيه على إستراتيجيات الجهات الرسمية.

يبقى هنالك تحدٍّ أمام تنفيذ هذا البديل وتطبيقه، وهو رهن بقدرة المنظمات الأهلية العاملة في قضايا الأسرى، على اجتراح برامج عمل مشتركة من أجل قضايا الاعتقال الإداري، واختيار آليات وبرامج وأدوات من شأنها زيادة أعداد المشاركين في النشاطات والفعاليات مثل “الضغط والمناصرة، وفضح الإجراءات الإسرائيلية غير القانونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى التعاون والتنسيق بين المنظمات الأهلية من جانب، والجماهير والقيادة السياسية من جانب آخر، في حمل المطالب الشعبية وعرائض موقعة من قبل السياسيين إلى المحافل الدولية لتجريم الاحتلال، أي تزامن العمل الشعبي والنقابي والسياسي.

البديل الثاني: رسم إستراتيجية فلسطينية للدفاع عن الأسرى الإداريين أمام المجتمع الدولي ومؤسساته

بناء إستراتيجية فلسطينية من قبل صانع القرار للدفاع عن الأسرى الإداريين في المحافل الدولية وتنفيذها من قبل المستويين الرسمي وشبه الرسمي، بهدف تدويل قضية المعتقلين الإداريين، وزيادة الضغط على إسرائيل أنيًا أو مستقبلًا.

وبحسب الناشط الحقوقي شعوان جبارين مدير مؤسسة الحق “هنالك جهود كبيرة بذلت في سياق إبراز سياسات الاحتلال القمعية أمام المؤسسات والمنظمات الدولية، وتم استصدار العديد من القرارات والبيانات التي تدين الاعتقال الإداري وتجريمه، وتعتبره تعسفيًا، ويرتقي إلى مستوى جريمة حرب، ولكن هنالك إشكالية في تنفيذ هذه القرارات والتوصيات بسبب الانحياز من جانب القوى العظمى صاحبة القرار لصالح دولة الاحتلال”:[x]

أولًا. بناء الإستراتيجية الفلسطينية: يجب أن يكون هنالك فريق من العاملين في الحقل القانوني والمتخصصين، للتركيز على الاعتقال الإداري؛ وذلك لوجود إجماع دولي في مختلف المنظمات الدولية على إدانة هذا النوع من الاعتقال، وعلى أن الإجراءات الإسرائيلية هي في سياق الاعتقالات التعسفية والعقوبات الجماعية التي ترتقي، وفق القانون الدولي، إلى جرائم حرب، وأن يتم توثيق الملفات بحالات فردية من معتقلين أطفال ومرضى وكبار السن، وفضح الإجراءات القضائية الصورية المتبعة أثناء المحاكمات العسكرية وعدم نزاهتها.

ثانيًا. إطلاق حملات على المستوى الدولي لحشد التأييد وتوقيع عرائض ضد سياسات الاعتقال الإداري، وتنسيق الجهود الدولية مع المؤسسات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان للضغط على حكوماتهم لتبني سياسات ضاغطة من أجل إرغام إسرائيل على الحد من الاعتقال الإداري.

ثالثًا. الاستفادة من مخرجات المؤتمرات الدولية المنعقدة سابقًا حول الموضوع، والمتراكمة عليها، التي أدانت فيها الأمم المتحدة، وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة، ومقرر حقوق الإنسان، إجراءات الاعتقال الإداري الإسرائيلي، مؤكدة أنها إجراءات تعسفية.

رابعا: قد يقترح في هذا المجال تحضير ملف لتحريك القضية أمام مجلس الأمن، أو محكمة الجنايات الدولية، لإثارة مزيد من الضجة حول الموضوع، وزيادة الضغط على إسرائيل للالتزام بالقرارات الأممية المتخذة مسبقًا.

يعتبر البديل واقعيًا لأنه مبنى على اعتبارات قانونية، مقبولة لدى المؤسسات الدولية والدول الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة والمواثيق الدولية ومحكمة الجنايات الدولية، كما إن البيانات التي تبين حجم وأماكن الانتهاك موثقة وواضحة في التقارير السنوية للمؤسسات الرسمية وغير الرسمية.

هناك إمكانية كبيرة لتطبيق البديل من خلال حمل المؤسسات الرسمية والحقوقية لهذا الملف، وقبول المؤسسات الدولية له، لرفع قضية ضد الاحتلال، لكن تبقى استجابة الاحتلال مرهونة بالاعتبارات السياسية الدولية، علمًا أن الإجراءات الإدارية والقانونية في المحاكم الدولية، تتطلب وقتًا طويلًا قد يصل إلى سنوات. كما إن هناك قبولًا عامًا لدى المجتمع الفلسطيني لهذا البديل، فإذا طبقت إستراتيجيته بشكل فعال، يمكن الحد من الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين وتجريم الاحتلال.

البديل الثالث: تدعيم نضال الأسرى الإداريين داخل المعتقلات

يرتكز هذا البديل على تعزيز وعي الأسرى الإداريين بحقوقهم، بأهمية نضالاتهم الجماعية والفردية المتمثلة في المشاركة بخطوات احتجاجية، والقيام بنضالات تصعيدية؛ مثل تأخير الوقوف على العدد في أوقاته المختلفة، وتعطيل بعض الإجراءات الرقابية داخل السجون (مثل دق الشبابيك)، ومقاطعة العيادات الصحية، والامتناع عن المثول الجزئي والكلي أمام المحاكم العسكرية بكل مستوياتها، وصولًا إلى الإضراب الفردي والجماعي عن الطعام باعتبارها القوة المحركة الكامنة.

وقد مارس الأسرى الإداريون على مر العقود هذه الأساليب، وحققوا من خلالها بعض النجاحات، ولاقوا بعض الإخفاقات. وتبرز أهمية هذا البديل في تعزيز هذه الخطوات والنضالات داخل السجون، لضمان تحقيقها مزيدًا من الإنجازات في هذا الملف، والاعتقاد بأن هذا البديل واقعي وقابل للتحقيق ويلقى قبولًا على المستويين الرسمي والشعبي كما هو الحال في أوساط الأسرى.

وأخذًا بالاعتبار أن نضال الأسرى محرك رئيسي لتحريك الشارع الفلسطيني، وقد أثبت ذلك من خلال موجات الإضرابات التي كان يخوضها الأسرى، وقدرة تحريكها الشارع الشعبي وشبه الرسمي والحكومي، بخطوات موازية لمؤازرة الأسرى، ولكن المطلوب أن تكون هذه الخطوات في سياق إستراتيجية، ومن خلال التركيز على مواجهة سياسات الاحتلال، وليست عشوائية متقطعة، لزيادة الفعالية في للحد من الاعتقال الإداري، والتفرد بالأسرى الإداريين داخل السجون، والتأكيد على أهمية وجود أجسام رسمية وشعبية مثلت وما زالت تمثل -إلى حد ما- حاضنة للأسرى، وإيصال رسائلهم في جميع الاتجاهات، وهذا نجح في العديد من التجارب على ثني الاحتلال، في كثير من المحطات من التغول والإمعان بممارساته التعسفية ضد الأسرى الإداريين.

يعتبر هذا البديل واقعيًا ومنطقيًا وقابلًا للتطبيق، وتدعمه توجهات الجهات الرسمية وشبه الرسمية. فبحسب ما أفادت الناشطة الحقوقية سحر فرنسيس التي اعتبرت أن عمل المؤسسات الحقوقية يجب أن يبنى في سياق برنامج وطني وتحرري تؤدي هذه المؤسسات فيه دورًا وطنيا لتدعيم وتعزيز النضال الفلسطيني لمواجهة سياسات الاحتلال القمعية، كما يدعم هذا التوجه، أيضًا، وزير شؤون الأسرى السابق عيسى قراقع. ويؤخذ على هذا البديل أنه تواجهه العديد من العقبات، منها انقسام الحركة الأسيرة امتدادًا للانقسام في الحركة الوطنية، بجانب حجم التضحيات التي يتكبدها الأسرى أنفسهم على المدى القصير والمباشر أثناء مسيرة ونضالاتهم.[xi]

البديل الرابع: التصدي للقوانين والإجراءات العسكرية في محاكم الاعتقال الإداري

تقوم المؤسسات الفلسطينية (الحقوقية والأسرى) بتعرية الإجراءات القضائية والعسكرية، المبنية على قوانين الطوارئ الانتدابية والاحتلالية.

والأفضلية عدم الذهاب إلى المحكمة من قبل المحامي والمعتقل الإداري على حد سواء. ففي تجربة مقاطعة المحاكم العسكرية للاعتقال الإداري بين العامين 1996-1998، قاطع المعتقلون الإداريون المحاكم العسكرية بشكل كامل خلال هذه الفترة، وتم تشكيل لجنة عسكرية بقيادة ضابط عسكري (شوهام)، وأجبرت بسبب ذلك سلطات الاحتلال على النظر بشكل جدي في ملفات المعتقلين الإداريين، الأمر الذي قلّص أولًا من أعداد المعتقلين الإداريين الجدد، وثانيًا تم الإفراج عن غالبية المعتقلين الإداريين، ولم يبقَ في الاعتقال الإداري سوى أعداد قليلة جدًا.

في السياق نفسه، قاطع المعتقلون الإداريون المحاكم العسكرية للاعتقال الإداري بين العامين 2018-2019، وكان هذا الشكل أشمل في المقاطعة، حيث شارك الجانب الرسمي والمؤسسات العاملة في هذا المجال مع المعتقلين الإداريين، الأمر الذي خلق حالة من الإرباك لدى الجهاز القضائي، ما استدعى تدخلًا أعلى مستوى في جهاز الشاباك (الجهة الرئيسة التي تقف خلف الاعتقال الإداري) إضافة إلى قائد المنطقة الوسطى، وضباط المحاكم العسكرية، وضباط مصلحة السجون، للضغط على الأسرى الإداريين بهدف ثنيهم عن خطوة مقاطعة المحاكم العسكرية. هذه الخطوة التي شكلت تعرية حقيقية لكل الجهات الاحتلالية، التي تقف خلف هذا الاعتقال، وتم تقديم الكثير من الوعود والإغراءات للأسرى بأن جوهر الاعتقال الإداري سوف يتغير بعودتهم إلى المحاكم.

إن الخيار الأمثل هو وحدة الأسرى داخل السجون، وضرورة مقاطعة المحاكم العسكرية على اعتبار أنها محاكم احتلالية تقوم بدور يخدم سياسة الاحتلال، وتغيب عنها المحاكمات العادلة، ومن غير المجدي استمرار المثول أمامها.

يعتبر البديل واقعيًا، لأنه مبني على تجارب سابقة أثبتت فعاليتها وقدرتها على الحد من سياسات الاعتقال الإداري وتجديده، وهو ينطوي ضمن السياسات التي تبناها الأسرى والمؤسسات العاملة في هذا المجال مسبقًا. هناك إمكانية كبيرة لتطبيق هذا البديل، من خلال برنامج عمل مشترك بين المؤسسات الرسمية والشعبية والأسرى، ومواجهة الضغوط لثني ممثلي الأسرى والجهات الرسمية عن تبنيه.

كما إن هذا البديل يحظى بقبول شعبي، بحيث إنه لا يتعارض مع الضوابط والأسس الوطنية، وهناك تجربة في العمل المشترك بين مختلف الجهات. وقد شكل هذا البديل في السابق فرصة جدية للحد من الإجراءات الاعتقالية التعسفية، وتحديد سقوف المدد الاعتقالية، وعدد المعتقلين الإداريين، ولكن المخاطر كانت تكمن دائمًا في استعجال التجاوب مع الوعود المطروحة من قبل الجانب الإسرائيلي بمستوياته المختلفة. ويعتبر هذا البديل من أقل البدائل تكلفة على جميع المستويات، حيث لا يشكل خطورة مباشرة على الأسير، ولا يحتاج إلى جهود كبيرة.

المفاضلة بين البدائل

بمراجعة البدائل الأربعة المطروحة في الورقة، نجد أنها تتوافق جميعها على التوازي، وبشكل تكاملي، لحل الإشكالية الخاصة بتطوير سياسات فاعلة للحد من الاعتقال الإداري بحق الفلسطينيين. ويمكن اعتبار البديل الأول (الحراك الشعبي) بديلًا متوسط المدى قادرًا على خلق التأييد الدولي القادر على خرق محيط القوة والتأثير الإسرائيلي في الساحة الدولية، وتعزيز موقف الداعمين لقضية الأسرى الإداريين الفلسطينيين، من خلال المنظومة الحقوقية الدولية، ومن خلال استنفاذ الإجراءات الداخلية التي تعتبر مقدمة قبل التوجه إلى القانون الدولي، والأقدر على جمع الدلائل والإحصاءات وقاعدة البيانات، ويبني منظومة المعرفة التي سيستند إليها البديل الثاني.

البديل الثاني: (التوجه للقانون الدولي) هو بديل فعال على المدى الطويل، ويمكن البدء به اليوم، ولكن إجراءاته تستغرق وقتًا طويلًا، ويمكن للبدائل الأخرى أن تكون داعمة له ومسرعة لحدوثه، على الرغم من كون العمل عليه يحتاج إلى زمن ووقت أطول، ومنظومة إجراءات صعبة ومركبة، وإلى حد ما معقدة، كون دولة الاحتلال محاطة بشبكة علاقات دولية وإقليمية، وبقوة نشاط اللوبي الصهيوني وما يمثله من قوة مالية واقتصادية وإعلامية ومنظمات ضغط وتأثير على العديد من دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة وأوروبا والعالم، ولكون هذا البديل يحتاج إلى جهود كبيرة من أجل أخذ دولة الاحتلال إلى مربع الإدانة والتجريم أمام المنظمات الدولية، في ظل نفوذ هذه الدولة الكبير الذي يجعلها تفلت حتى الآن من العقوبات الدولية. إلا أن نقطة القوة في هذا البديل تنبع من قوة الإرادة الدولية والقانون الدولي التي من الممكن أن تتغير فيها موازين القوى لصالحنا وتجريم إسرائيل.

يعدّ البديلان الثالث والرابع القوى الكامنة الداخلية لتحديد الإجراءات وتظهيرها؛ فالبديل الثالث يرفع مستوى الحراك الداخلي، ويشكل دافعًا للمستوى الرسمي وشبه الرسمي بالاستمرار في العمل على البديل الثاني، لفترة طويلة دون انقطاع، بينما يشكل حاضنة للبديل الرابع، من خلال دعم نضالات وإنجازات الأسرى الإداريين داخل السجون. إن قوة الدفع الحقيقية تكمن في أصحاب القضية المباشرين، وهم الأسرى الإداريون أنفسهم، ومن شأن البديل الرابع تدعيم مطالب الأسرى، ودفع الجهات الرسمية وشبه الرسمية والشعبية، إلى حمل رسالتهم، والعمل من أجل الحد من الاعتقال الإداري، وسياسات الاحتلال التعسفية.

هذه الورقة من إعداد بسام أبو عكر، رتيبة النتشة، هناء الزنط، ضمن إنتاجالمشاركين/ات في برنامج “التفكير الإستراتيجي وإعداد السياسات” – الدورةالسادسة 2019-2020.

الهوامش:

[i] راجع:

• “ما هو الاعتقال الإداري؟”، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، 27/5/2014: bit.ly/3cAzx6t
• ورقة عن الاعتقال الإداري، مؤسسة الضمير لرعاية الأسير وحقوق الإنسان، نيسان/أبريل 2020: bit.ly/3cpH08a

[ii] “ما هو الاعتقال الإداري؟”، مصدر سابق.

[iii] المصدر السابق.

[iv] ورقة عن الاعتقال الإداري، مصدر سابق.

[v] مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، الأراضي المحتلّة والقانون الدولي، 11/11/2017: bit.ly/2VkVMa9

[vi] ورقة عن الاعتقال الإداري، مؤسسة الضمير، مصدر سابق.

[vii] مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، معتقلون إداريّون يضطرّون إلى تعريض حياتهم للخطر ليظفروا بحرّيتهم، 6/10/2016: bit.ly/2VBTgeF

[viii] مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، الأراضي المحتلّة والقانون الدولي، مصدر سابق.

[ix] “الاعتقال الإداري”، مصدر سابق.

[x] مقابلة شخصة مع شعوان جبارين، مدير مؤسسة الحق، 25/4/2020.

[xi] مقابلة شخصية مععيسى قراقع، وزير سابق لوزارة الأسرى والمحررين، 25/4/2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى