سياسة تركيا الخارجية وصفة للانتحار
جنكيز أكتار

تتعامل تركيا مع وباء فيروس كورونا من خلال استجابتها بشكل كارثي لإدارة الأزمات التي بدأ ينتج عنها رد فعل عنيف في جميع أنحاء البلاد.

وبسبب افتقارها إلى أي خبرة في إدارة الأزمات، فلا يوجد سبب يجعل أنقرة هذه المرة ستفعل ما هو أفضل لعلاج جائحة فيروس كورونا.

في الواقع، كل الأمور تنذر الآن بالخطر في تركيا: اعتراف الحكومة المتأخر بخطورة الفيروس، وتأخر إجراءات حظر التجول، وإنكارها المنهجي لأحد المصادر الرئيسية للإصابة، والآلاف من الزائرين المصابين العائدين من موسم العمرة.

ثم كان هناك العدد غير الكافي من الاختبارات التي أجريت؛ وكذلك عدم كفاية توفير الأقنعة وأجهزة التهوية وأسرّة المستشفيات؛ ونقص العاملين في مجال الصحة؛ ونقص خدمات الصحة العامة التي استنزفتها الحكومة بشكل منهجي لصالح القطاع الخاص.

تم الضغط على الأطباء لتحاشي ذكر أن فيروس كورونا يسبب الوفاة، وواصلت الحكومة اتجاهها المعروف لتجنب الشفافية في الحقائق والأرقام عند الإبلاغ عن انتشار الفيروس، كما فشلت السلطات في استشارة الجمعيات الطبية المستقلة وجردت الحكم المحلي من سلطاته التي يحتاجها لمكافحة الوباء.

ويتضح الآن أن نظام أنقرة لم يأخذ الجائحة على محمل الجد. ولكن هناك أمران لا يزالان يأخذانهما على محمل الجد: اقتصاد هش يمنع أي إغلاق شامل وسياسة خارجية قسرية تستمر كما لو لم يحدث شئ.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يمضي النظام بشراهة في تنفيذ مناقصة دولية لمشروعه “قناة إسطنبول” لبناء ممر مائي بين بحر مرمرة والبحر الأسود. وبالمثل، فهي تواصل إطلاق مبادرات متنوعة لخصخصة الممتلكات العامة.

وعلى جبهة السياسة الخارجية، هناك ثلاث مسارح للعمليات حيث تواصل القوات المسلحة التركية، التي أصبحت الآن مسؤولة بشكل غير رسمي عن السياسة الخارجية، عملياتها في ليبيا وسوريا وبحر إيجه.

وتعتبر الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقراً لها هي أحد الأصول الرئيسية التي ساعدت على تورط أنقرة الحماسي في ليبيا. ومن خلال اتفاق التعاون العسكري الثنائي الموقع في نوفمبر الماضي، خلقت أنقرة مصدراً لمشاكلها في الداخل والخارج.

أولاً وقبل كل شيء، تبيع أنقرة كمية كبيرة من المعدات العسكرية إلى طرابلس، وخاصةً الطائرات ذاتية القيادة، وأنظمة الصواريخ المضادة للطائرات وجميع أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة. كل ذلك في انتهاك للعديد من قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

تقدم القوات المسلحة التركية الدعم اللوجستي للتحكم عن بعد في الطائرات ذاتية القيادة، ووفقًا لمصدر مقره في طرابلس، فهي الآن مسؤولة بالكامل عن الدفاع عن الأراضي التي تسيطر عليها حكومة طرابلس.

وبالإضافة إلى أفرادها العسكريين، صدّرت أنقرة أيضًا إلى ليبيا مرتزقة جهاديين، بما في ذلك أعضاء في داعش، وبذلك طردت تركيا الجماعات التي لم يعد بإمكانها السيطرة عليها من سوريا وتركيا.

وبحسب ما ورد جلبت جميع هذه الصفقات العسكرية تحويلات مالية كبيرة إلى تركيا. حيث تشير تقارير غير مؤكدة إلى أن طرابلس حولت مليارات الدولارات نقدًا إلى البنوك التركية، مما ساعد الخزانة التركية المثقلة بضغوط.

وعلاوة على ذلك، فإن اتفاق التعاون العسكري بين أنقرة وطرابلس يسمح لتركيا بالسيطرة على مساحة كبيرة من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​على أساس تعيين حدود بحرية بين الدولتين، مما يتحدى حقوق اليونان السيادية بشكل مباشر.

وعلى الرغم من هذه الإشارات العسكرية، فإن العمليات لم تسر كما هو متوقع. فقد ألحقت القوات الحكومية المتمركزة في طبرق – بنغازي، الجيش الوطني الليبي، خسائر بشرية فادحة بالقوات المتمركزة في طرابلس، بما في ذلك قتل جنود أتراك رفيعي المستوى.

وبالإضافة إلى ذلك، ستقوم عملية “إيريني” التي أطلقها الاتحاد الأوروبي مؤخرًا بتفتيش السفن في أعالي البحار قبالة سواحل ليبيا التي يشتبه في أنها تحمل أسلحة أو مواد ذات صلة من وإلى البلاد في انتهاك لقرارات مجلس الأمن الدولي. وسيؤدي ذلك بالتأكيد إلى تقليص صادرات تركيا عن طريق البحر. ومع ذلك، ستستمر صادرات الجهاديين من قبل ثلاث شركات طيران تعمل من اسطنبول، على الرغم من الحظر الوطني على الرحلات الخارجية.

وأخيرًا، أصبح غضب الجهاديين عاملاً آخر حيث يقال إنه يتم تعيينهم الآن مقابل أجر أقل أو بدون أجر تمامًا.

وفي سوريا، لا تزال الهدنة التي فرضتها موسكو في محافظة إدلب سارية حتى الآن، حتى تقرر موسكو ودمشق حتماً أن أنقرة لا تنفذ أحكام الاتفاق. وهكذا يمكن أن نشهد هجوما متجددا على القوات المسلحة التركية والجهاديين في المحافظة في أي وقت.

وفي غضون ذلك، تواصل تركيا تعزيز وجودها العسكري في إدلب. ووفقًا لتقارير لم يتم التحقق منها، يوجد الآن حوالي 20 ألف جندي تركي في تلك المحافظة وغيرها من الأراضي السورية المحتلة، كما أن مخزون الأسلحة التركية الثقيلة في البلاد يرتفع أيضًا يومًا بعد يوم.
ومن الصعب فهم منطق حشد القوات والأسلحة في إدلب. حيث على الرغم من تفوق موسكو في المجال الجوي، قد تأمل أنقرة في الحصول على بعض النفوذ من خلال وجودها البري.

وفي مناطق أخرى من شمال سوريا تحتلها القوات التركية – عفرين، عزاز، تل أبيض ورأس العين – يتأرجح الحكم التركي يومًا بعد يوم. حيث تدير بعض الجماعات الجهادية فوضى منظمة هدفها نهب واستخراج الأموال. على سبيل المثال، لا يتردد هؤلاء اللصوص في قطع مضخة المياه التي يسيطرون عليها والتي توفر المياه لنصف مليون مواطن في محافظة الحسكة، على الرغم من التهديد الذي يشكله فيروس كورونا.
ويتزايد جشعهم لدرجة أنهم لا يترددون في قتال بعضهم البعض حتى الموت على المال. وبشكل عام، أيام أنقرة في سوريا معدودة. عاجلاً أم آجلاً سيتعين عليها الخروج أو سيتم طردها.

وأخيرًا، في بحر إيجة، يبدو أن شعار تركيا هو الاستمرار في الضغط المستمر على اليونان عبر الحدود البرية أو البحرية للبلاد، باستخدام المهاجرين والطائرات المقاتلة وزوارق الدوريات.

ومن غير المحتمل أن يستجيب الجانب اليوناني لهذه الاستفزازات، ولن يتجاوز الجانب التركي أي خطوط حمراء يمكن أن تثير اليونان في صراع ساخن.

ولكن، من خلال مغامراتها في ليبيا وسوريا، فإن استفزازات بحر إيجة ستستنفد تركيا على المدى الطويل دون ضمان أي إنجاز ملموس.
تحتوي السياسة الخارجية القسرية لتركيا على جميع المكونات الضرورية للانتحار الجماعي، مما يؤدي إلى تفاقم الأضرار الناجمة عن انهيار الاقتصاد والآن بسبب الوباء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى