سيناريو حرب شاملة تُعدها إسرائيل ضد إيران
العميد الركن أحمد رحال

يخرج أمير علي حاجي زادة قائد القوى الجوية والصاروخية في الحرس الثوري الإيراني ليهدد بإزالة إسرائيل عن الوجود, يرد عليه أفيف كوخافي رئيس أركان الجيش الإسرائيلي أن الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية والتحضيرات اقتربت من لحظة الصفر للتخلص من المشروع النووي والصاروخي الإيراني.

سياسياً تقول إيران إن كل التهديدات الإسرائيلية ضدها هي للاستهلاك الداخلي, ولا تجرؤ إسرائيل على مهاجمتنا, ترد إسرائيل بالقول إن التصريحات والتهديدات الإيرانية تُصرف فقط في “فيينا” لرفع أسقف المطالب الإيرانية على طاولة المفاوضات.

عسكرياً الوضع معقد جداً, وكلا الطرفين يدركان تماماً نقاط قوة وضعف الآخر.

إسرائيل تدرك أن أي اتفاق نووي يتوصل إليه الغرب مع إيران, ومهما تكن بنوده, لن يحقق لها مطالبها ما لم يتم تفتيت البنية التحتية النووية الإيرانية التي تسمح لها بامتلاك سلاح نووي, ولدى تل ابيب قناعة راسخة أن كل ما تقوم به إيران من خلال المفاوضات مع الغرب, والمشاكسات مع لجان تفتيش هيئة الطاقة الذرية, ليست سوى عملية شراء وقت بهدف الوصول للعتبة النووية, ومن بعدها مفاجأة العالم بالسلاح النووي الإيراني بأي لحظة.

تقول إسرائيل إنها أبلغت كل حلفائها أنها أمام أحد خيارين: إما ضرب المنشآت النووية الإيرانية وتدمير كامل البرنامج النووي الإيراني إلى غير رجعة, أو خيار التعايش مع إيران النووية, وإسرائيل لن تقبل بالخيار الثاني.

ومن أجل عدم الوصول لحافة الخطر مع إيران النووية تقوم إسرائيل بتحضير البلاد والقوات والحلفاء ومسرح الأعمال القتالية, وتنطلق باستعداداتها من ثوابت وقناعات مؤلمة, أولها إدراكها الكامل أنها تمتلك قرار إعلان ساعة الصفر وبدء الحرب على إيران, لكنها بالتأكيد لا تملك قرار وقف تلك الحرب, ولا تملك أيضاً القدرة على التنبؤ بارتداداتها وما يليها.

 

انتقال إسرائيل من منطقة عمليات القيادة الأوروبية للقوات الأمريكية إلى منطقة عمليات القيادة المركزية في الشرق الأوسط, يَعِد تحولاً استراتيجياً يساهم بتسهيل التعاون الأمني والعسكري الثنائي والإقليمي بين البنتاغون ووزارة الدفاع الإسرائيلية, والمناورات البحرية التي أجرتها إسرائيل في البحر الأحمر (مؤخراً) لم تكن لغايات تدريبية فقط بقدر ما هي رسائل سياسية وعسكرية لإيران, بأن إسرائيل أصبح لها حلفاء من العرب بدليل اشتراك البحرية الإماراتية والبحرينية بتلك المناورات إلى جانب البحرية الأمريكية (ردت عليها إيران بمناورات بحرية واسعة على مساحة مليون كم2 في مضيق هرمز أسمتها ذو الفقار 1400), تلا ذلك إبراز لمدى التنسيق والتعاون الثلاثي بين القوى الجوية الأمريكية والعربية والإسرائيلية, عندما تناوب الطيران الحربي الخليجي والمصري والإسرائيلي بالتتالي على مرافقة رحلة طائرة القيادة والمراقبة الأمريكية (ب 52) في جولتها من الخليج العربي حتى البحر المتوسط, والولايات المتحدة ليست قاصرة بتأمين المرافقة لجولات طائراتها الاستطلاعية, لكن غايتها كانت واضحة بدعم التطبيع العربي الإسرائيلي وكسر الخطوط الحمراء التي تقيد التعاون والتنسيق العسكري فيما بينها.

من حيث القدرات العسكرية تمتلك إسرائيل أكبر أسطول حربي جوي في منطقة الشرق الأوسط وأكثرها تطوراً, خاصة مع امتلاكها لأحدث طائرات (إف 35 الشبح والإف16معدل), وأيضاً لقدراتها المتفوقة في مجال الحرب الإلكترونية والتشويش والطيران المسير, والمعلومات الأخيرة تتحدث عن اختراقات شبه يومية تقوم بها طائرات إف35 الإسرائيلية عبر جولات في الأجواء العراقية والإيرانية دون قدرة لوسائط الاستطلاع الإيرانية على كشفها, للقدرات الفائقة التي تتميز طائرات إف35 على التخفي وتجاوز كشف وتتبع والتقاط محطات الرادار حتى المتطورة منها والتي يمتلكها الحرس الثوري الإيراني, ويرافقها بتلك الجولات طائرات إسرائيلية مسيرة من نوع (إيتان) قادرة على الرصد والتجسس والتخفي فوق إيران لمدة (36) ساعة متتالية, وإسرائيل تمتلك الرصيد المادي الكافي لتحسين مقدراتها العسكرية وهي تصرف بمتوسط سنوي ما قيمته 16 مليار دولار على المجهود العسكري لوزارة الدفاع تعادل 4.7% من ناتجها المحلي, يقابل ذلك 14.5 مليار تصرفها إيران على قدراتها العسكرية لكنها تعادل 37% من إجمالي ناتجها المحلي, لكن أيضاً ورغم التفوق الجوي الإسرائيلي والتفوق التقني والتفوق بمجال الحرب الإلكترونية وقدرتها على التنسيق مع الحلفاء بالمنطقة والغرب, إلا أن إسرائيل تدرك تماماً أن لديها نقاط ضعف لا يمكن التخلص منها بالمدى المنظور ومنها لا يمكن التخلص منها نهائياً.

قدرات القبة الحديدية والمنطاد الجوي التي تتغنى بها إسرائيل وبقدراتها على حماية سمائها من أي خرق لطائرات حربية أو صواريخ أو مسيرات, كلام لم يعد بالإمكان صرفه عسكرياً, ولعدة أسباب:

أولها الصاروخ إس_200 دفاع جوي السوري الذي اخترق سماء الجولان ووصل لصحراء النقب ووقع على مقربة من مفاعل ديمونا (22/4/2021), سواءً كان إطلاقه مقصوداً أو خطأً, فالقبة الحديدية لم تحرك ساكناً لا في مجال الكشف ولا في مجال التصدي, وسقط الصاروخ بعد نفاده من الوقود, وتكرر الأمر مرة ثانية مع صاروخ دفاع جوي سوري آخر سقط في بحر حيفا في البحر المتوسط مؤخراً (24/11/2021).

الأمر الآخر والذي تدركه قيادات إسرائيل العسكرية والسياسية, أن إعلان الحرب على منشآت إيران النووية, سيعقبه رد إيراني له سيناريوهات مختلفة ومجهولة, والسيناريو الأخطر هو فتح جبهات متعددة بوقت واحد ضد إسرائيل, جبهات صرفت عليها إيران مليارات الدولارات, جبهة غزة, جبهة الجنوب اللبناني, الجبهة السورية, وجبهة أخرى من داخل إيران, وقد يتم استهداف إسرائيل من العراق واليمن أيضاً, لذلك أطلقت إسرائيل في صيف العام الماضي مناورات عسكرية شاملة (برية وجوية) افترضت فيها تعرض إسرائيل لحرب من عدة جبهات.

من ناحية أخرى, صحيح أن إيران لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في مجال امتلاك تقنيات الطيران الحديث من الجيل الرابع والخامس, لكنها استطاعت كسر احتكار التفوق الجوي لتلك الدول عبر صواريخها التي صنعتها وعبر الطائرات المسيرة, وعملية ضرب المسيرات الإيرانية لمنشآت “أرامكو” في المملكة العربية السعودية (وإن لم تعترف بها) أعطت صورة واضحة عن دقة المسيرات الإيرانية في التصويب والاستهداف.

أيضاً, في عملية “ضربة محرم” التي نفذتها القوات الصاروخية الإيرانية في الأول من تشرين الأول/أكتوبر عام 2018 ضد أهداف قالت إنها لتنظيم داعش في محيط دير الزور السورية, واستخدمت بالعملية ستة صواريخ من نوع “قيام” و”قيام1″ و”ذو الفقار”, وإطلقت من الأراضي الإيرانية ضد أهدافها في سورية, وكانت العملية تهدف إيصال رسالة لإسرائيل أكثر مما تستهدف ضرب داعش, والرسالة وصلت.

في مجال الصواريخ فقد صنعت إيران عدة أطرزة من الصواريخ المتوسطة وبعيدة المدى, بأمدية إطلاق تناسب استخدامها من جبهات مختلفة, ( صواريخ زلزال وفاتح وشهاب1 وشهاب2 هي صواريخ متوسطة يتراوح مداها بين 200 و500كم, والصواريخ قدر1 وسجيل وسومار وشهاب3 وعاشوراء هي صواريخ بعيدة المدى يتراوح مداها بين 1500 و3000كم), وتلك الصواريخ قد تطلق من جنوب لبنان (لدى حزب الله 150 ألف صاروخ متنوع), وقد تطلق من مواقع الحرس الثوري الإيراني في سوريا, وقد تطلق من العراق أو من داخل الأراضي الإيرانية, وهناك صواريخ متوسطة امتلكتها فصائل غزة (حماس والجهاد الإسلامي) ومؤكد أنها ستستخدمها دعماً لإيران, وبالتالي وأمام كثافة صاروخية عالية قد تنهال على كامل المواقع والمدن الإسرائيلية, لن تستطيع القبة الحديدية ولا مناطيدها الجوية من امتلاك القدرة على التصدي حتى لو تم الكشف, وتلك نقطة غاية بالأهمية تعلمها غرف العمليات الإسرائيلية ويعلمها صانع القرار في تل أبيب.

نقطة أخرى تؤرق قادة إسرائيل, أن أبعاد مسرح العمليات الإيراني يمتد على مساحة إيران البالغة 1,648 مليون كم2, إضافة للمسارح الفرعية في سوريا ولبنان وغزة والعراق ومناطق الحوثيين في اليمن, بينما المساحة التي تتموضع فيها إسرائيل لا تزيد عن 20 ألف كم2 بنسبة 1/69, وتلك ميزة إيجابية تخدم إيران وتضعف الموقف العسكري لتل أبيب.

لكن ورغم كل تلك المعطيات غير الغائبة عن تفكير جنرالات إسرائيل, صرح بعض ضباط العمليات أن وزارة الدفاع في إسرائيل تلقت طلبين متتالين لرئيس الوزراء الأسبق “نتنياهو”, بالاستعداد لتوجيه ضربة جوية وصاروخية إسرائيلية ضد المنشآت النووية الإيرانية, لكن وزارة الدفاع ردت بعدم جهوزيتها لتنفيذ المهمة في ذلك الوقت, واليوم يؤكد هؤلاء الضباط أن استعداداتهم قائمة, وتحضيراتهم متسارعة, وأنهم بسباق مع الزمن لإدراكهم خطورة وصول إيران للعتبة النووية وتصنيعها للقنبلة النووية, وأنهم باتوا بمرحلة وضع اللمسات الأخيرة على خطط عملياتية واستراتيجية إذا ما طُلب منهم تنفيذ مهمة التعامل مع التهديد النووي الإيراني.

تقول إسرائيل أيضاً, إن وجودها العضوي في منظومة القيادة المركزية الوسطى بالشرق الأوسط يمكنها من الوصول لأهم وأدق معطيات الاستطلاع الأمريكية, إضافة لمنظومة استطلاعها الجوية والفضائية عبر طائراتها وأقمارها الصناعية التجسسية, وأن مناوراتها البحرية المشتركة مع الدول الحليفة كانت جزءًا من تلك الاستعدادات, أما النقطة الأهم بالاستراتيجية الإسرائيلية فهو سيناريو تقسيم الحرب على إيران لثلاث مراحل متتالية:

تبدأ الحرب مرحلتها الأولى عبر ضربة جوية وصاروخية استباقية تشل فيها إسرائيل كل أذرع الميليشيات الإيرانية في الخارج, والتي يمكن أن تستثمر فيها إيران لتوجيه ضربات نحو إسرائيل, وتشمل أذرع ميليشيات إيران: حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في غزة, حزب الله في لبنان, الحرس الثوري الإيراني في سوريا, بعض تموضعات الحشد الشعبي في العراق, وبعض صواريخ الحوثي في اليمن.

يلي ذلك المرحلة الثانية من الحرب والمتمثلة بضرب الدفاعات الجوية ومنظومات الرادار الإيرانية عبر ضربة جوية وصاروخية مركزة ضد قواعد الدفاع الجوي ومنظومات إطلاق صواريخ أرض_أرض بعيدة المدى ومستودعاتها ومناطق انتشارها, مع حرب سيبرانية وتشويش وإعماء كامل وسائط الاستطلاع ومنظومات قيادة النيران الإيرانية عبر الجيش الإلكتروني ومنظومات الحرب الإلكترونية الإسرائيلية.

ثم تأتي المرحلة الثالثة والحاسمة المتمثلة بتحقيق هدف الحرب الاستراتيجي عبر ضربات جوية وصاروخية مركزة وبالعمق, وتستخدم فيها صواريخ وقنابل خاصة بالتعامل مع أهداف على أعماق كبيرة تحت الأرض, لتدمير أكبر قدر ممكن من المنشآت النووية الإيرانية.

لكن واقعياً, ليس كل ما يخطط قابل للتنفيذ, وليس كل ما يقال قابل للتطبيق, فالاستراتيجية الإيرانية العميقة في واقع الحال ليست في وارد الاصطدام مع إسرائيل فعلياً. هي تستثمر بالشعارات الصدامية شعبياً لتمرير أجنداتها, لكنها من حيث الواقع هي تبحث عن شراكة مع إسرائيل في تقاسم الهيمنة على المنطقة, والولايات المتحدة الأمريكية التي تنعتها إيران بالشيطان الأكبر صباح مساء, جل ما تريده إيران منها هو اعتمادها كشرطي أمريكي بالمنطقة, وحتى القيادة الأمريكية الحالية بظل الإدارة الديموقراطية هي أضعف من أن تتخذ قرار حرب ضد إيران, وليست في وارد الموافقة على أي عمل عسكري إسرائيلي يستهدف المنشآت النووية الإيرانية, لأن رهان الديموقراطيين منذ عهد أوباما حتى بايدن يعتمد على الوصول لحل تفاوضي مع طهران وكبح جماح إسرائيل, لكن تبقى التصريحات ذات الأسقف المرتفعة أمريكياً وإيرانياً وإسرائيلياً هي من تتسيد المشهد وتتصدر العناوين لأهداف انتخابية وغيرها, لكن الحرب تبقى فرضية واحتمالية واردة جداً إذا وجدت إسرائيل بمعادلاتها السياسية والعسكرية أن ضرب إيران هو أقل التكاليف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى