سينمائيون من أجل فلسطين
معن البياري

لم ينكتب كتابٌ مثلُه في موضوعتِه، بالحرارة نفسِها، وبالقيمة العالية لما أرّخ له، وما وثّقه، وما سجّله، بشأن السينما الفلسطينية، في مقطعها الثوري بعد العام 1967، في إهاب منظمة التحرير الفلسطينية. الكتابُ مشغولٌ، تأليفا وإعدادا، بحبٍّ، أو على الأصح، بحبٍّ كثيرٍ، لفرسانٍ أنجزوا لفلسطين صورةً عن فدائييها وثوّارها، وعن ناسٍ لاجئين منها، وعن لحظةٍ خاصةٍ من مسيرة كفاح شعبها. تعبت خديجة حباشنة في إنجازها هذا الكتاب، وفي جمع مادّته، وهي الباحثة المجدّة، والكاتبة والسينمائية، وقبل ذلك وبعده، الحاضرة والمشاركة في تفاصيل بعض ما كتبت ودوّنت عنه، فجاء هذا الكتاب، بعنوانه “فرسان السينما.. سيرة وحدة أفلام فلسطين”، وبعنوانه الشارح “أول مجموعة سينمائية ترافق بدايات حركة تحرّر وطني” (الدار الأهلية، عمّان، 2020) يفيد من الذاكرة الشخصية، ومن شهاداتٍ غير قليلةٍ، ومن وثائق ومواد منشورة في صحفٍ ودوريات. وإلى ذلك كله، يتزوّد قارئُه بثبتٍ توثيقيٍّ لأسماء أفلام مؤسّساتٍ ومنظماتٍ فلسطينيةٍ في مرحلة النضال الفلسطيني من 1968 إلى ما بعد 1982، وبمعلوماتٍ عن سير بعض فرسان تلك المرحلة في مسار السينما الفلسطينية، وقد طاف الكتابُ على ما صنعوا وأنجزوا، وعرّف جيدا بالروح القتالية والمُثابرة التي كانوا عليها. وعرفانٌ مستحقّ وكبيرٌ لخديجة حباشنة، خصوصا، على إضاءتها الثمينة على تجربة الراحلة سلافة جاد الله، التي كانت أوّل مصوّرةٍ سينمائيةٍ عربية، ولها إسهامُها المهم في تصوير أفلامٍ فلسطينيةٍ أولى بين قواعد الفدائيين في الأردن، بعد 1967.
وقد أصابت كثيرا عبارة الناقد فيصل درّاج في تقديمه “فرسان السينما..”، إن الكتاب “احتفاءٌ بما لا يجب نسيانُه”. وهذا حقيقيٌّ، فإذا كانت تنويعات الحالة الكفاحية الفلسطينية المديدة متعدّدةً في غير أمر وشأن، فإن ما أدّاه مصطفى أبو علي ورفاقُه في سينما ما بعد النكسة، في الأردن ثم في لبنان، وهو كثيرٌ ومثيرٌ ومتنوّع، يلزم أن يُحمى من الإهمال والنسيان، وأن يُصان في الذاكرة الفلسطينية، والعربية بداهة. وفي البال أن من صنّاع هذه السينما من ذلك الجيل الرائد من استُشهدوا في مواقع إنجازهم أفلاما. والبديع في عمل خديجة حباشنة أنها وثّقت بالتفصيل اللازم وقائع استشهادهم، فقارئ كتابها سيعرف ما غالبه هاني جوهرية لمّا استعصى عليه الانتقال مع صحبِه من عمّان إلى بيروت، بعد 1970، بسبب احتراق جواز سفره (!)، فاضطرّ أن يعيش من مورد استديو تصوير فوتوغرافي، قبل أن يتمكّن، في نهايات 1975 من الالتحاق بالثورة الفلسطينية في لبنان، ليستشهد، في إبريل/ نيسان 1976، في أثناء تصويره معركةً في مواجهة قوةٍ لبنانيةٍ انعزالية. وثمّة المصوّران إبراهيم ناصر وعبد الحفيظ الأسمر اللذان استشهدا في أثناء تصويرهما اجتياحا إسرائيليا لقواعد فلسطينية في 1978.
تستأنس خديجة حباشنة بسردٍ قصصيٍّ يُسعف في إشاعة تباسطٍ ظاهرٍ بين قارئ الكتاب ووقائعه، فمن مكتبٍ في وزارة الإعلام الأردنية في صيف 1966، حيث كانت تعمل سلافة جاد الله وهاني جوهرية، ثم التحق بهما مصطفى أبو علي، يبدأ مشوار الكتاب (170 صفحة عدا الملاحق والوثائق) في متابعة سيرة وحدة أفلام فلسطين التي صارت مؤسسة السينما الفلسطينية، لتكون نتاجاتُ من استحقّوا لقب الفرسان، الذي اختارته الراوية الكاتبة لهم، من علامات السينما الثورية والنضالية في العالم. تنجح ضربة البداية في الكتاب في أن تشدّ القارئ إلى مشوار حكايةٍ فنيةٍ وفدائيةٍ وإبداعيةٍ، ذات مواضع ملحميةٍ بحق، وأخرى شفيفةٍ، عدا عن المُؤسية والحارّة، فضلا عن غير السارّ الذي يبعثُ على الغضب، والحنق ربما (امتناع اجتماع النتاجات السينمائية للفصائل الفلسطينية في إطار موحّد مثلا). وينتهي المشوار بفقدان أرشيف كل تلك السينما، عندما تسرقُه إسرائيل، وعندما يضيع بعضُه. ثم تاليا، يطمح مصطفى أبو علي، في غضون إيقاع زمنٍ فلسطيني مستجدّ، في إهاب السلطة الوطنية في رام الله، أن يُحيي مؤسسة السينما الفلسطينية. لا ينجح. أما ما نجحت فيه خديجة حباشنة فأنها استطاعت جمع عددٍ طيبٍ من أفلامٍ فلسطينية مفقودة، ولملمت، بجهدٍ مثابر ودؤوب ومُكلف، ما أمكن أن تقع عليه. وفي صياغتها مقترحاتٍ عمليةً من أجل جهدٍ مؤسّسيٍّ لأرشفة السينما الفلسطينية، أفلاما وصور ووثائق، يبدو أسىً كثيرٌ تشفُّ عنه سطور خواتيم كتابها .. الحاذق الذي أبلغنا الكثير مما لم نكن نعرف عن فرسانٍ سينمائيين من أجل فلسطين، فكان كتابا ضروريا..
شكرا خديجة حباشنة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق