شركات التأمين اللبنانية في مهب مرفأ بيروت

السياسي – مباشرة عقب الانفجار الهائل في مرفأ بيروت، الذي هزّ العاصمة ومعظم المناطق في الرابع من الشهر الجاري، وقلب الموازين السياسية برحيل حكومة حسّان دياب المستقيلة على وقع ضغط شارع غاضب، برز تسرّع لافت في تصريحات بعض المسؤولين والخبراء حول تقدير قيمة حجم الأضرار والخسائر التي لحقت بحرم الميناء اللبناني الرئيسي نفسه أو في الشوارع والمناطق المجاورة، أكانت أضراراً مؤمّناً عليها لدى شركات الضمان أم غير ذلك.
محافظ بيروت مروان عبود، سارع، بعد أقل من 24 ساعة من وقوع الانفجار الذي كان لا يزال ملتهباً، إلى التصريح بأن الخسائر الناجمة عن انفجار المرفأ تُقدّر بين 10 مليارات و15 مليار دولار، صعوداً من تقديرات سبقتها بساعات قليلة وتراوحت بين 3 و5 مليارات، فيما قدّر نقيب المقاولين، مارون الحلو، الخسائر بنحو 1.5 مليار دولار للمرفأ نفسه، ومليارَي دولار أضراراً في 40 ألف بناية و200 ألف مسكن في محيطه.
بدورها، بادرت وكالة “رويترز” إلى استصراح محللين ومصادر في قطاع التأمين، ونقلت ترجيحهم أن يبلغ إجمالي الخسائر المؤمّن عليها نحو 3 مليارات دولار، بما يوازي الخسائر المؤمّن عليها في انفجار ميناء تيانجين الصيني عام 2015، ومن هؤلاء مصدر تأميني قدّر أنّ الخسائر المؤمّن عليها تراوح بين مليارين و3 مليارات دولار، بما يشمل مطالبات الميناء نفسه على خلفية الأضرار التي لحقت بالمنشآت وتعطّل نشاطه، وهو ما قد يصل إجماليّه إلى “بضع مئات ملايين الدولارات”.

تقديرات غير دقيقة
عن هذه الأرقام “الفورية”،قال رئيس “جمعية شركات الضمان”، إيلي طربيه، الذي اعتبر أن أي تقدير صادر حتى الآن “يفتقر إلى الدقة”، خصوصاً أن أي تقرير عن التحقيق في الحادث وأسبابه ونتائجه النهائية لم يصدر بعد، ولا سيما في وقت لا تزال “الهيئة العليا للإغاثة”، وكافة الجهات المتعاونة معها، تعمل ميدانياً على مسح الأضرار.

ويتفق تصريح طربيه إلى حد التطابق مع إعلان عملاق إعادة التأمين العالمي، “ميونيخ ري”، أنه لا يمكنها حتى الآن إعطاء تقدير محدّد مع أن الانفجار سيتسبّب على الأرجح بمطالبات كبيرة. وفي الاتجاه جاءت تصريحات “أكسا” و”أليانز”، وهما من شركات التأمين العالمية الكبرى العاملة في لبنان، أن من المبكر جداً لأوانه الخروج بأي أرقام عن الانفجار الذي دمّر أهراءات الحبوب الوحيدة في لبنان الذي يستورد كل احتياجاته من القمح تقريباً، مضافاً إليها إليه الخسائر المرتبطة بالبضائع المخزنة في المرفأ ومنشآته ومكاتبه، فضلاً عن تدمير الانفجار عقارات سكنية وتجارية بعشرات الآلاف.

50% على “التأمين المحلّي”
لكن للإحاطة بما يمكن أن تتحمّله شركات التأمين المحلية من خسائر، فإن نسبته ستتراوح بين 20% و50% من مجموع قيمة بوالص التأمين، وفقاً لرئيس “جمعية شركات الضمان” الذي أوضح أن تفاوت هذه النسبة يعود إلى طبيعة العقود المختلفة التي تربط شركات إعادة التأمين العالمية بشركات التأمين المحلية البالغ عددها 51 شركة، وجميعها منضوية إلى عضوية هذه الجمعية. استنتاجاً، يعني هذا أنه إذا صدقت التقديرات الأولية غير الدقيقة المتداولة للخسائر المؤمّنة دون غيرها، والتي تراوح بين مليارين و3 مليارات، فإن ما ستتحمله شركات التأمين المحلية، على تنوّع طبيعة عقودها مع شركات إعادة التأمين، قد يصل في أقصى حالاته إلى 50%، أي بين مليار دولار ومليار ونصف، ليتبقى رقم مماثل تتحمله شركات الإعادة. وبالحد الأدنى، ستتحمّل الشركات المحلية بين 200 و300 مليون دولار، باعتبار أن أدنى نسبة مذكورة في العقود هي 20%. أما متوسّط ما يمكن أن تتحمله الشركات المحلية فقد يصل مجموعه إلى 35%، أي بين 700 مليون ومليار و50 مليون دولار. يقول طربيه: “ستتوزع قيمة الخسائر على شركات التأمين وإعادة التأمين، لكن كل الأمر متوقف على صدور التقرير النهائي حول أسباب الحادث، ثم موافقة شركات إعادة التأمين باعتبار أنها تتحمل غالبية الخسائر عادة، وهي سوف تركّز بشدة على سبب الحادث وطبيعة الانفجار، فهذه معلومة حاسمة بالنسبة إليها، إذ يختلف تعاملها مع الأمر في ما إذا كان ناتجاً من خطأ بشري، أو هجوم حربي، أو عمل إرهابي، أو انفجار كيميائي، أو غير ذلك”.
مصدر في قطاع التأمين قال إن نوع البوليصة التي بحوزة العميل وسبب الانفجار في مرفأ بيروت أمران ينعكسان مباشرة على شركات التأمين اللبنانية التي من المرجّح أن يعجز بعضها عن تحمّل حتى النسبة التي ستقع على عاتقه حتى لو كانت 20% بحسب الاتفاق الموقع مع شركة إعادة التأمين.

ماذا يشمل التأمين؟
يقول طربيه: “في جميع الحالات سوف تترتب علينا خسائر لأن الكلفة كبيرة”، علماً أن ثمة أضراراً مؤمّناً عليها، وأُخرى لا تتمتع بتغطية تأمينية ولا بُد من التنبّه إليها. فالبيوت القديمة الموجودة بكثرة في محيط المرفأ، ولا سيما في منطقة الجمّيزة، لا تأمين عليها أبداً، في حين أن التأمين يشمل أساساً الشركات و”المولات” والمدارس والبيوت المشتراة بقروض سكنية، إضافة إلى المستشفيات، علماً أن 4 أو 5 منها لحقت به أضرار مختلفة المستويات، “فكلما كان الموقع أقرب إلى مكان الانفجار كانت الأضرار أكبر”.

أما مرفأ بيروت نفسه، فهو بمنشآته ومعداته مؤمّن لدى شركة تأمين، في حين أن عملاء المرفأ، وهم كُثُر، لديهم تغطيات تأمينية من شركات مختلفة، وكذلك الشركات والبواخر، فيما تبقى العقدة الكبرى داخل المرفأ بالنسبة للتأمين، هي في تقدير تلك البضائع التي كانت موجودة في العنابر قبل تدميرها كلياً بفعل الانفجار.

إشكالية “دفع” مع المعيدين
لكن خسائر شركات التأمين المحلية قد ترتفع في حال استغلت شركات إعادة التأمين عدم دفع الشركات المحلية أقساطها السنوية منذ أواخر العام الماضي. فحتى لو صدر التقرير النهائي عن التحقيق في انفجار مرفأ بيروت، فإن ثمة مسألة عالقة تتيح لمعيدي التأمين التحايل على تغطية الخسائر، وهي ثغرة ناتجة عن أزمة التحويل بالدولار إلى الخارج عجزت معها شركات التأمين المحلية منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2019 عن دفع أقساطها إلى شركات إعادة التأمين. حول هذه النقطة، يقول طربيه لـ”العربي الجديد”: “كشركات تأمين نحتاج إلى وقوف الدولة معنا، فمُعيد التأمين ليكون إلى جانبك في الكوارث، يجب علينا أن نسدد له أقساطه، بينما نحو عاجزون عن تحويل الأموال إليهم منذ أكتوبر/ تشرين الأول الفائت، لأن التحاويل إلى الخارج ممنوعة، وما تشملنا الاستثناءات الواردة في تعاميم مصرف لبنان المركزي كما شملت قطاعات أُخرى”، مضيفاً: “بإمكان معيد التأمين الآن أن يتملص من دفع تغطية الأضرار لو شاء ذلك، مع أننا نتوقع أن يغطوّا حصتهم من الخسائر نظراً للعلاقات القائمة معهم منذ 20 أو 30 عاماً وأكثر.

الدولار… ولجنة تعويضات
في الوقت الذي لم تصل فيه الدولة إلى إنجاز مسح نهائي للأضرار، من غير الممكن لشركات التأمين أن تعلم إلى أي مدى سترتفع قيمة الأضرار، ولا سيما مع تذبذب سعر الدولار في السوق السوداء، لأن قيمة الاستيراد بالدولار للسلع والبضائع التي سيحتاج إليها لبنان من أجل إعادة الإعمار والترميم، كلها بالدولار، وهو متقلّب من يوم لآخر. ولذلك، فإن أي تقدير للخسائر، حتى لو ورد في تقرير رسمي، تبقى قيمته قابلة للتعديل انطلاقاً منع عدم ثبات سعر صرف العملة.
وتبقى مسألة تائهة بالنسبة لتعدّد مصادر المساعدات الخارجية التي تتوافد على لبنان من دول عربية وأجنبية، وكيفية تنسيقها مع مسألة التعويضات من شركات التأمين. ولتلافي تضارب التعويضات، يقترح طربيه تأليف “لجنة تعويضات” تضم في عضويتها ممثلين عن “الهيئة العليا للإغاثة” و”جمعية شركات الضمان” والجيش اللبناني والمجتمع المدني وغيرهم من المعنيين، كي تتوزّع التعويضات بعدالة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى