شعوب المغرب العربي حاضنة لفلسطين أمس واليوم وغداً
عبد الحميد صيام

طرحت «مؤسسة سيدة الأرض» الفلسطينية استفتاء للمتابعين من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية على شخصية العام، التي تستحق التكريم لموقفها المبدئي في دعم القضية الفلسطينية. وجاءت النتائج بنسبة عالية جدا لصالح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون. وستعقد مهرجانها السنوي لتكريم الشخصيات الدولية والعربية المناصرة للقضية الفلسطينية، في الخامس والعشرين من ديسمبر الحالي، حيث ستعرض نماذج للمواقف الجزائرية الرسمية والشعبية في نصرة القضية الفلسطينية، والوقوف ضد التطبيع والمطبعين حكومة وشعبا.
ويبدو أن تصريحات الرئيس تبون الأخيرة حول رفض التطبيع، واعتبار «القضية الفلسطينية قضية مقدسة، بل هي أم القضايا» التي عبرت بصدق عن الشعور العام للشعب الجزائري العظيم، الذي يعتبر القضية الفلسطينية قضية تصغر أمامها كل القضايا، هي التي ظلت عالقة في عقول الجماهير العربية عندما اختارت هذه الشخصية باعتباره شخصية العام في الانتصار لقضية الشعب الفلسطيني العادلة.
ولمن لا يعرف الشعب الجزائري فلا يعجبن لهذا الموقف، إذا عرفنا أن الجزائر هي أول دولة عربية احتضنت القضية الفلسطينية مباشرة بعد الاستقلال، حيث حولت مكتب الحاكم الفرنسي عام 1962 لحركة فتح قبل انطلاقتها العسكرية، وأطلق عليه «مكتب فلسطين» وترأسه محمد أبو ميزر «أبو حاتم» الذي بلّغه القادة الجزائريون أن «كلية شرشال العسكرية تحت تصرفكم» ثم تحول إلى مقر منظمة التحرير الفلسطينية بعد تأسيسها عام 1964، وبعد زيارة رئيس المنظمة الأول أحمد الشقيري، إلى الجزائر واستقباله كرئيس دولة، تقديرا لدوره ومواقفه العظيمة دفاعا عن استقلال الجزائر في الأمم المتحدة. القضية الفلسطينية تسكن في قلوب الشعب الجزائري، بغض النظر عمن في الحكم، من أحمد بن بله إلى عبد المجيد تبون، مرورا بحكم القائد التاريخي هواري بومدين، الذي أكد قولا وعملا على أن الجزائر مع فلسطين «ظالمة أو مظلومة» فاستقبل أفواج المتدربين الفلسطينيين، ودعم القضية الفلسطينية بكل الأساليب السياسية والعسكرية والمالية، وفتح البلاد كلها للفلسطينيين للعمل والدراسة والتدريب والنشاط والمؤتمرات. لقد تحملت الجزائر الكثير بما في ذلك استقبال طائرات إسرائيلية مخطوفة، ودافعت عن الفلسطينيين في كل مكان، وحاول بومدين أن ينشئ جبهة الصمود والتصدي، بعد انسلاخ مصر عن الصف العربي، إلا أنه لم يعش طويلا بعد إطلاقها فماتت الفكرة مع رحيله قبل الأوان، وبطريقة غامضة تذكرنا برحيل جمال عبد الناصر المشبوه أيضا.

المغرب وتونس

موقف الشعوب المغاربية عموما لا يختلف كثيرا عن موقف الشعب الجزائري. وعندما أتحدث عن الشعوب العربية في المغرب وتونس والجزائر وليبيا، أتحدث عن خبرة شخصية طويلة مع شعوب هذه البلاد، سكنا وعملا وزيارات متكررة، ولذلك أعرف عن قرب مدى التزام شعوب الشمال الافريقي بالقضية الفلسطينية، التي تعتبر قضية كل شخص وكل عائلة وكل جماعة وكل حزب. أما مواقف الأنظمة في المغرب وتونس وليبيا وموريتانيا فمختلفة عن الموقف الجزائري، بل هي متذبذبة وتميل ذات اليمين وذات الشمال، وصلت بموريتانيا حد الاعتراف بإسرائيل عام 1999 لكن الاعتراف لم يعش طويلا. القضية الفلسطينية في المغرب مستقرة في الوجدان والعقول والقلوب، وقد يختلف المغاربة على كثير من القضايا، إلا على فلسطين. وكم من مغربي ومغربية تطوع دفاعا عن الثورة الفلسطينية، وانضم لصفوف المقاومة، أو عمل في أوروبا، خاصة مع لجان التضامن مع الشعب الفلسطيني، وراح ينظم المهرجانات ويجمع الأنصار حول فلسطين. والشعب الفلسطيني لا ينسى مثل هذه المواقف المبدئية، لكن محاولات اللوبي الصهيوني اختراق المجتمع المغربي، والتسلل من بعض الشقوق المرتبطة بأجهزة رسمية عليا لم تتوقف منذ زمن بعيد، في محاولات يائسة لإيجاد بؤر شعبية تؤيد التطبيع. لكن المرصد المغربي لمكافحة التطبيع يقف بالمرصاد لكل محاولات التطبيع، والاتصالات مع الكيان الصهيوني.. وليس سرا أن هناك حفنة من الصحافيين المغمورين، قبلوا دعوة وزارة خارجية الكيان الصهيوني، لكنهم أخفوا أسماءهم ولم ينشروا شيئا عن زياراتهم، كما أن هناك من استقبل المغنين والمخرجين الإسرائيليين لعرض أفلامهم، لكن لم يعلن عنها بشكل طبيعي. وقد كشفت أجهزة الأمن المغربية تمويلات صهيونية بآلاف الدولارات لبعض الشباب الذين ينسبون أنفسهم لما يسمى بـ»الحركة الأمازيغية» في منطقة بني ملال، ومناطق أخرى لخدمة الدعاية الصهيونية ومشروعها الاختراقي التخريبي للمغرب، وتم اعتقال 25 شخصا أسسوا معهد «الفا» للتدريب العسكري، ليكون غطاء لاستقبال الضباط الإسرائيليين، لكن من جهة أخرى أودعت السلطات بعض الناشطين المناهضين للتطبيع في السجن من بينهم أحمد ويحمان، رئيس المرصد المغربي لمناهضة التطبيع، الذي قاد احتجاجا يوم 26 أكتوبر2019 ضد معرض للتمور شاركت فيه شركة «نيتافيم» الإسرائيلية. وقد سبق أن اعتقلت السلطات ثلاثة ناشطين في سبتمبر 2018 لأنهم احتجوا على حفل للمغنية الصهيوينة الضابطة السابقة في سلاح الجو نوعام فازانا.

شعوب الشمال الافريقي ملتزمة بالقضية الفلسطينية، التي تعتبر قضية كل شخص وكل عائلة وكل جماعة وكل حزب
إننا على ثقة بأن الشعب المغربي العريق لن يسمح بأن يدنس ترابه الوطني الصهاينة الذين سيعملون على ضرب النسيج الوطني، ونحن على ثقة بأن القيادات المغربية لن تتخلى عن القضية الفلسطينية وقضية القدس العزيزة على قلوبهم.
ومن نافل القول إن الشعب التونسي يعتبر القضية الفلسطينية قضيته الأساسية، التي تعيش في وجدان كل تونسي وتونسية، وأن حوادث الاختراق التي حدثت أيام الرئيس زين العابدين بن علي قد ولت إلى غير رجعة. لكن تونس تتعرض الآن لعمليات ابتزاز وتخريب من خارج الحدود، وأصبح الموقف الذي أطلقه الرئيس قيس سعيد في بداية حكمه عندما قال «التطبيع خيانة» مكلفا، ولم يعد يكرر مثل هذه المواقف الحادة، واضطر لأن يسحب سفيرين من الأمم المتحدة بعد أن وصلته رسائل واضحة من بعض الدول، أن هناك ثمنا للمواقف في دعم القضية الفلسطينية، وانتقاد الدول المهرولة نحو التطبيع. تغير الخطاب وعادت مسألة التطبيع من «القضايا السيادية». لكنه أشار مؤخرا إلى أن «هناك مخططا لتفكيك الدولة التونسية، تنفذه أطراف محلية مدعومة من قبل قوى خارجية». المطلوب الإطاحة بالتجربة الديمقراطية الوحيدة التي نجت من الثورات المضادة للربيع العربي، التي قادتها الأنظمة الخليجية. لكن وعي الشعب التونسي والتفافه حول التجربة الديمقراطية، ونضوج المجتمع المدني والتعددية الحزبية، كلها شكلت سدا منيعا أمام محاولات تدمير التجربة التونسية الرائدة. وقد حاولت بعض القوى القومية والوطنية تمرير قانون تجريم التطبيع كقانون أساسي في البرلمان، إلا أن الحصول على ثلثي الأصوات لم يكن سهلا، حيث عارضت بعض القوى تمرير القانون تحت حجة أن ذلك إملاءات من الخارج فالشعب التونسي بطبيعته غير مطبع، وقد اكتوى شخصيا باختراقات إسرائيلية عديدة كان من بينها، اغتيال العالم محمد الزواري في صفاقس عام 2016، والهجوم على مقر منظمة التحرير في حمام الشط عام 1985، واغتيال القائد خليل الوزير في سيدي بو سعيد عام 1988. صحيح أن هناك فراغا قانونيا لتجريم التطبيع، لكن التطبيع محسوم شعبيا، والجدل الحاصل في الشارع التونسي هو من نوع المناكفات الحزبية والمزايدات السياسية، خاصة بعد أن رفع رئيس الجمهورية السقف عاليا حين قال «التطبيع خيانة عظمى». فكل محاولات التطبيع التي جرت سابقا، فشلت شعبيا، وتهاوت سياسيا، بداية بفتح مكتب علاقات مع إسرائيل بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو سنة 1993، وما تبعه من محاولة اختراق الساحة الأكاديمية والثقافية التونسية، حيث قوبلت كل هذه المحاولات برفض وإدانة في الشارع التونسي. بقي أن ننبه إلى وجود جماعات تونسية معزولة موجودة في أوروبا، تدعو للتطبيع تحت يافطة «برنامج السلام الشبابي» الذي ينظمه الاتحاد الأوروبي، وقد تمكن من إرسال وفد تونسي لتل أبيب في نهاية أكتوبر 2019. إلا أن هذه الخطوة لقيت كل أنواع الإدانة، حيث أعلن رئيس جمعية «دعم المقاومة ومناهضة التطبيع والصهيونية» أحمد الكحلاوي، رفضه وتنديده بكل أشكال التطبيع، مؤكدا المساندة المطلقة وغير المشروطة التي يبديها الشعب التونسي للقضية الفلسطينية.

مصدر الخوف المقبل

الحقيقة الصارخة الآن أن هناك دولة، أو» شبه دولة» تعمل على اختراق دول الشمال الافريقي لسحبها نحو مربع التطبيع مزينة لها الأمور بالحظوة لدى الولايات المتحدة، وتدفق المساعدات والاستثمارات، والتأييد السياسي للعديد من المواقف. وسأعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل حيث وضعت المغرب في موقع الاستهداف تتبعها موريتانيا. أما تونس فقبل التطبيع شبه المستحيل، هناك مسلسل لخلخلة الوضع الداخلي، ونشر الفوضى، وانهيار الحكومة وحل البرلمان وتهميش الرئيس المنتخب، وإيكال المهمة لضابط يقوم بتسلم الأمور تحت حجة إنقاذ البلاد من الفوضى على الطريقة المصرية.
كلنا ثقة بوعي الشعبين المغربي والتونسي بإفشال هذه المخططات، ورفض رزم الإغراءات الاقتصادية والسياسية تحت يافطة وضع مصالح البلاد فوق كل اعتبار، حتى لو كان ذلك على حساب الشعب الفلسطيني كما فعل المطبعون في مدن الملح.
* محاضر في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة رتغرز بنيوجرسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى