شمايزر وشداد وجان جينيه؛ ذكريات تروي تاريخ المخيم
بقلم مهند طلال الاخرس

في المعسكر زارتنا وفود وافراد، كان احدهم اجنبي الملامح، كنا نظنه جاسوسا، عرفنا فيما بعد انه مناضل فرنسي من طراز رفيع لم احفظ اسمه لكني حفظت تلك الواقعة التي قتله بها شداد بالخطأ….

كان شداد غيورا من ذلك الفرنسي، كان ذلك الفرنسي يحمل سلاحا يختلف عن كل الذي بأيدينا، كان يحمل الشمايزر 75 ، كان البقية يحملون الكلاشنكوف، اغتاظ شداد من شدة ملاحقة اعين الجميع للفرنسي وترقبها له.

من غيظه فلتت منه رصاصة وجدت طريقها بسهولة صوب ذلك الفرنسي، توفي على الفور، رتبت له جنازة رسمية ونعي شهيد ولف الجثمان بالعلمين الفلسطيني والفرنسي، كانت تلك اول مرة نرى العلم بالالوان، كانت كل تفاصيل حياتنا محصورة تحت ظل الخيمة، لم نكن نعرف الالوان، لم نكن نملك في حينها سوى ظل الخيمة، كانت تفاصيل حياتنا اليومية فقيرة، سوداء او بيضاء، لا تعرف ذلك البذخ المسمى الوان!

سلم الجثمان للسفارة الفرنسية بمراسم عسكرية انطلقت من معسكر البقعة للاشبال ولم تنتهي إلا في السفارة الفرنسية بعمان، ومنها لمطار ماركا، لم ينتهي المشهد عند ذلك الحد، اذ اوفدت فرنسا وذوي الشهيد صحفيا فرنسيا اسمه جان جنيه للكتابة حول تجربة الفدائيين ومطالبهم المشروعة، كان لديه مطلبا آخر، معرفة حقيقة ما جرى للفرنسي الشهيد!

في حقيقة الامر كان الجميع ينظر لسلاح الشمايزر 75 الذي تحمله يد ذلك الفرنسي، لم يعر احدا ذلك الفرنسي اي اهتمام، كان المعظم من الغيرة والحسد ومن قلة الفهم يعتبره جاسوسا، كانت قناعاتنا في تلك الفترة تنظر للآخر بصورة واحدة، كان كل الغرب بالنسبة لنا كله سواء.

كان جينيه مريضاً بسرطان الحنجرة عندما عاد للمرة الأخيرة إلى الأردن عام 1984م ليلامس من جديد تلك الفكرة التي احبها والتي بدأت بذورها من مخيم البقعة.

زار جان جينيه مخيم البقعة واستدل على مكان المعسكر، وجد شجرة الكينيا في مكانها، كانت قد كبرت كثيرا، لكنه لم يجد المعسكر، وجد خمارة كبيرة وسينما بنيت بجانبها، وجد خلف الخمارة معسكر كبير بأسلاك شائكة، كان معسكرا من نوع آخر، معسكر فيه اقمار صناعية ودبابات ومدرعات وجيوش تحمل كل انواع السلاح الغربي، لم يكن بينها اي شيء شرقي، حتى ذلك الفدائي احد اهم اسباب وجودنا لم يكن فيها، كان قد اختفى…

كان جان جنييه قد جاء من فرنسا وبنيته تدوين وكتابة فصول تلك المرحلة، قبل ان تكبر شجرة الكينيا في جوار خمارة، جثى على ركبتيه وبكى…

كان هناك فتية صغار يغيرون على رواد الخمارة يرجمون كل من يخرج منها متثاقلا لا تحمله قدماه، كنا لا نتوانى عن مساعدتهم اذا تطلب الامر ذلك. كنا نرى فيهم اجمل الصور التي كنا عليها، نحن الذين تمنينا ان لا نكبر.. وان لا نرى مكان المعسكر خمارة…

كنا نحن قد شد عودنا، لكن لا قرش ولا دينار في جيوبنا، كنا نجوب الشوارع على اطراف المخيم، نلتمس الرزق، كانت اسرع دروبنا لذلك تحميل وتنزيل اللبن، ولم الخردة، وبيع النحاس والالمنيوم، كانت الخمارة تلك اهم مقاصدنا في عملنا، منها نقوم بجمع علب الالمنيوم الخاصة بعبوات البيرة ومنها كنا نأخذ زجاجات الخمرة ذات الاشكال الجميلة، كانت تلك الزجاجات اجمل من تلك التي عهدناها في زجاجات البيبسي والساليوت وجلول والمندرين ودكتور بيبر، والاهم من ذلك انها سهلة البيع والتسويق، كنا نبيعها لعدة مصادر، وكانت تستهويها ايضا مصادر عدة كذلك، كانت معظم مطاعم المخيم تفضل زجاجات تلك الخمارة البيضاء، كانت تلك الزجاجات الوسيلة المثلى لحفظ الزيوت فيها، هذا كله بعد ان  كنا تنزع ذلك اللاصق المتواجد عليها، وحده مطعم طه المقابل للكراج كان يفضل زجاجات البيرة ذات اللون الاخضر، كانت رفوف مطابخ بيوتنا كذلك، كنت اشعر انها صنعت لاجل زيت الزيتون، لكن كان هناك دوما اناس سيؤون، يسيئون استخدامها واستعمالها ويتسببون بكل تلك السمعة السيئة لها.

في احدى غزواتنا على تلك الخمارة جذب انتباهنا رجل يجلس تحت شجرة الكينيا ويبكي، كان اشعث اغبر، كنا مجموعة (شلة) لم نكمل جميعا اخذ حصصنا، تصادف مع نزولي عن سور الخمارة خروج مجموعة من رواد الخمارة ممن اعتدنا رجمهم، كانوا متثاقلين لا تحملهم ارجلهم، بدأو بكب زناختهم على ذلك الرجل البكاء الجالس تحت شجرة الكينيا، استدعى الموقف مني التدخل وكذلك فعل الباقون.

اجتمعت كل الشلة من حولي بعد ان قفز الجميع عن سور الخمارة، كانت نيتنا هذه المرة تأديب أؤلئك المتثاقلون، كان لدينا ايمان مطلق بأن مهمة الفدائي معالجة الواقع الفاسد وحتى تأديبه ان امكن.

اخذ المتثاقلون حصتهم من غضبنا حتى استفاقت خطواتهم وحملتهم الى خارج الخمارة، ولم يستطع كل من هب لنجدتهم من داخل الخمارة ان يحميهم من غضبنا، كانوا يمرون مسرعين يغطون رؤوسهم بملابسهم بحجة وقاية رؤسهم من المطر، بعضهم كان سيغطي رأسه حتى لو كان الجو مشمسا.

اخذنا حصتنا من القناني في ذلك اليوم علانية وعلى عينك يا تاجر، وهممنا بالانصراف، قبل ان يخرج الينا صاحب الخمارة ليعطينا شوالا كاملا مملوء بالزجاجات، لكنه اشترط علينا ايضا ان نأخذ هذا الرجل البكاء الجالس تحت الكينيا الى خارج الخمارة.

كان الرجل قد نمت بيننا وبينه الفة ومودة سريعة حتى ظن صاحب الخمارة انه يخصنا، المهم ان الرجل لم ينتظر ان نطلب منه ذلك، اذ هم بمرافقتنا وخرجنا سويا، سألناه الى اين تريد الذهاب، اجاب وهو يبكي اريد ان اعود لاجلس تحت تلك الشجرة، اريد ان اعود للمعسكر، اريد ان يعود لي الرفاق، اريد ان ارى الفدائيين الذين تركتهم هنا…

بدأ صياح الرجل يتحول الى عويل، اصبح المسير معه محرجا ويجلب الشك، عن اول مدخل الطبراني انتهز الشباب الفرصة واستودعوني الرجل واستودعتهم انا شوال القناني.

سرت بالرجل مواسيا ومتوسلا اليه ان يخفض من صوته، امتار قليلة كنت على مشارف حارتنا، تبادر لذهني ان نقطع الشارع بإتجاه الزيتون بإنتظار ان يفيق الرجل من نوبة البكاء الحزين.

كان موقع كرم الزيتون في قاطع الشارع يسمح بكل شيء ويجري فيه كل شيء…. لم اكن احب ذلك المكان ولم ازره في حياتي على الرغم من كونه الوصف الرئيسي لبيتي….كانت سمعته سيئة جدا والروايات حوله اسوأ ممما تتخيل…كان بؤرة يجب ازالتها، للاسف لم تتم ازالتها بل وجدت من يساعدها ويبني بجانبها خمارة وسينما ايضا.

آثرت البقاء في الشارع والتجوال بالرجل تحت حبات المطر حتى يستفيق، وهذا ما تم لاحقا، اذ بدأ الرجل يستفيق، وبدأت الاحظ ان الرجل ليس صاحب لسان عربي، بدأت اتأكد من ذلك اكثر، هذا الوضع سمح لي ان اذهب به لبيتي.

كان بيتنا على الشارع الرئيسي في المخيم، مقابل كرم الزيتون ومعامل الطوب وقريبا من المعسكر ومن الخمارة لاحقا…

وما ان اطللنا على راس حارتنا حتى راينا مجموعة من ابناء حارتنا كعادتهم يوقدون نار يتسامرون حولها، كان من بينهم ابي، قبل ان نصلهم بأمتار كانوا يشاهدوننا جيدا، بعكسنا تماما، صاح ابي جينيه جينيه وقام واخذه بالاحضان، وما هي إلا لحظات حتى بدا ابي بتعريفه على الحضور وغمز لي بعينيه، فهمت المقصد، فقمت بتأمين المنطقة واعطيت خبرا لوالدتي بتجهيز البيت قائلا لها: لقد جائنا ضيف.

كانت تلك الاشارات كافية لتتفهم امي طبيعة الضيف، فتلك اشارات متفق عليها وكنا قد تعودناها؛ فما ان انطق بتلك الكلمات بلغة فصحى حتى تتفهم والدتي طبيعة ومهمة ذلك الضيف.

ولحسن حظنا بيتنا كبير، ومحاط بالاعمام والاقارب والاشاوس والاجاويد حتى ثلاث مقاطع، وهو مؤمن من جميع الجهات، الدوايمة والمغالسة والحتاتوة والسجدية، وفيه خندق وملجأ يسير من تحت كل بيوت الحارة الى دار الحاجة سارة وينتهي بأحد فروعه عند دار ابو طليبة والآخر عند دار الحجة فردوس..

كان الجميل ايضا ان هناك (نمرة، وحدة سكنية) في بيت سيدي عمر تطل على الشارع وتعود لعمي شاهر والذي يعمل مدرسا في السعودية، كانت البيت فارغا من سكانه عامرا بكل شيء، سكنه جان جنييه، وفي زيارته هذه دأب على كتابة وتدوين كل ما يتعلق بتجربة الثورة الفلسطينية في كتاب اورد فيه الكثير من الاحداث والاسماء بما فيهم ابي، لكن الاهم من كل ذلك ان هذا الكتاب كان ولا زال من اجمل ما كتب عن تجربة الثورة الفلسطينية في الاردن وعن احداث ايلول؛ ذلك الكتاب اسمه “الاسير العاشق”.

سألت ابي عن سرّ هذا الرجل، لم يجبني، تكرر السؤال ولم اجد اجابة. حدث ذات مرة ان قطعت الكهرباء عن كل المخيم، تنبه ابي للموضوع وافترض الاسوأ، صدق حدس ابي وحصل الاسوأ، وكان الاسوا من نصيبنا، اعتقل ابي.

داهمتنا المخابرات بقوات كبيرة بغية اعتقال ابي، لم يأبه ابي بهم كثيرا ولا العائلة، كان لدينا كثيرا من الوقت لنتدارك الموضوع ويخفي كل ما هو ممنوع، كان كل ما تم اخفائه قبل المداهمة قطع قليلة من السلاح وكثير من الرصاص، سريعا القت بها جدتي هيجر في جورة الخرا، وحده كتاب “الاسير العاشق” كان يختبيء مع حبات الرصاص، طلب ابي من امي ان تخبئه مع اخي الصغير في السرير.

غضبت جدتي هيجر وقالت: بلاش في السرير، حطه في جورة الخرا. التفتت امي نحوي وفهمت ما تريد من عينيها، ذهبت للسرير جثوت على ركبتي، قبلت اخي واخفيت الكتاب تحته، قال لي ابي، قل له هذه هديتي له حين يكبر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى