شهر على رئاسة بايدن: ارتياح داخلي وغموض خارجي

السياسي – كان الاعتقاد أن أولوية إدارة الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، لفترة ستة أشهر على الأقل، ستكون للمتاعب الداخلية الثقيلة التي ورثتها عن عهد خلفه دونالد ترامب، فيما يؤجَّل التعاطي مع القضايا الخارجية، وخاصة في الشرق الأوسط، إلى ما بعد هذه المدة.
لكن بعد مضي شهر على رئاسته، بدأ هذا الترتيب يتغيّر، التحديات المحلية التي كان من المتوقع أن تكون مديدة وشبه مستعصية، تتجه على ما يبدو نحو الحلحلة المبكرة، فيما اندفعت الملفات الخارجية المفترض أن تكون مؤجلة، إلى الواجهة مع تهديد تعقيداتها بالمزيد من الإرباك والصداع لإدارته.
بالحسابات السياسية الداخلية، حقق الرئيس بايدن بداية رابحة ومريحة رفعت نسبة تأييده إلى 62%. معه تبدّل الخطاب وأسلوب تعامل إدارته مع جائحة كورونا بالترافق مع بدايات واعدة لحملة التلقيح، حقق نتائج ملموسة على الرغم من بعض التعثر في التوزيع.

نسبة انتشار الوباء هبطت بدرجة كبيرة في اليومين الأخيرين تجاوزت 70%، ولو أن موجة السلالتين البريطانية والجنوب أفريقية المتحورتين من كورونا قد تكون “مخيفة” في الشهرين المقبلين.
حزمة المساعدات التي يدفع بها بايدن إلى حمل الكونغرس على الموافقة عليها، تلقى دعماً واسعاً من شأنه أن يجبر الجمهوريين، الأضعف الآن، على تمرير الشق الأهم منها، ثم من شأن الحزمة المتوقع البت فيها حوالى منتصف مارس/ آذار المقبل، إعطاء الاقتصاد شحنة زخم قد تكون بداية الخروج من حالة الركود لو تواصل انحسار الوباء بفعل اللقاح مع منتصف أو نهاية الصيف المقبل، وفق التقديرات.
يضاف إلى ذلك تراجع أجواء العنف الذي انفجر في 6 من يناير/كانون الثاني حتى الآن. زاد من الهدوء غياب حضور ترامب السياسي عن الساحة، وربما ارتباك وانشغال جبهته في ترتيب وضعها بعد انقسام الحزب الجمهوري بين قيادة في معظمها ضد الرئيس السابق وقاعدة ما زالت أكثريتها متمسكة به.
لكن النجاح الداخلي في أول شهر، ليس من المتوقع أن ينتقل إلى جبهة الخارج، على الأقل في المدى القريب. تصحيح الأداء واعتماد الوضوح في الشؤون المحلية، لا يشمل السياسة الخارجية إلا في الحالات التي جرى فيها الارتداد على سياسات ترامب وخطواته. لكن حتى الارتداد نفسه جاء أحياناً بصيغة مشوشة، مثل موقف الإدارة من أطراف حرب اليمن، لجهة وقف بيع السلاح والعقوبات وشطب جماعة “أنصار الله”(الحوثيين) من لائحة الإرهاب. وأحياناً جاء بطريقة فيها كل شيء إلا الوضوح، مثل مقاربة النووي الإيراني الذي يبدو أنه دخل في مرحلة التفاوض على التفاوض.

وفي ملفات أخرى كأفغانستان، ما زالت الإدارة صامتة بشأن الخيارات الثلاثة المطروحة لاستحقاق الانسحاب في أول مايو/ أيار المقبل الذي سبق أن وافق عليه الرئيس ترامب، والحسم صعب بين الانسحاب أو التنكر للاتفاق أو تأجيله. لكل واحد منها تبعاته، ليس فقط على سياسة بايدن الخارجية، بل أيضاً على رئاسته. فهو أصلاً من دعاة المغادرة من الخارج. وكان نائباً للرئيس، وأحد مهندسي الانسحاب من العراق في 2011، ونال الكثير من الملامة آنذاك على موقفه. وقد يكون هذا أحد الأسباب التي يرجّح أن تحمله على الأخذ برأي العسكريين الذين يرون بضرورة تأجيل الانسحاب في أقله، بالاتفاق مع حركة “طالبان”، “مقابل تقديم بعض التنازلات”. لكن حتى الآن، لا يبدو أنها حسمت الأمر، مع أن الموعد ضاغط، وبات على مسافة حوالى شهرين فقط.

طبعاً، فترة الشهر لا تكفي للتقييم، ولا تجيزه في الحالات العادية. لكن الظروف والتحديات التي تتعامل معها رئاسة بايدن غير اعتيادية. لذلك، هي من اللحظة الأولى تحت الاختبار. وإن كانت حصيلة شهرها الأول قد جاءت على الصعيد المحلي لمصلحة الرئيس، فإن مؤشرات هذه الفترة بالنسبة إلى سياستها الخارجية ما زالت غامضة، بل وملتبسة.
بايدن وعد بأن “أميركا عادت” معه إلى الساحة الدولية لتجديد التحالفات ومواجهة الخصوم، بيد أن طريق هذه العودة صارت وعرة أكثر بعد السنوات “التخريبية ” الأربع الأخيرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى