صحافي إسرائيلي : سيختفي أثر الضرب ولكن العار لاسرائيل سيبقى

السياسي – في ظل الانتقادات الواسعة المتتالية في العالم عيّن قائد شرطة الاحتلال، بتوجيه من وزير الأمن الداخلي عومر بارليف، “لجنة فحص” الاعتداء البوليسي على موكب تشييع جثمان الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة ظهر يوم الجمعة الماضي. لكن الشرطة الإسرائيلية سارعت للتأكيد بتسريبات صحافية بأنها مجرد لجنة فحص وليس تحقيقا وأن قائد الشرطة بكل الأحوال لن يتخذ أي إجراءات بحق عناصرها المشاركين في مهاجمة الجنازة كونهم “يدافعون بأجسادهم عن الإسرائيليين وأنهم تعرضوا لإلقاء حجارة من قبل المشيعين”.
ونقل موقع “واينت” العبري عن مصادر مسؤولة في شرطة الاحتلال قولهم إنه رغم “فتح التحقيق بأعمال الشغب خلال تشييع جثمان الصحافية أبو عاقلة لن تتخذ خطوات تأديبية بحق أي واحد من عناصر الشرطة الذين شاركوا في الحدث ولن نسمح بأن يكون رجال الشرطة كبش فداء للواقع الأمني المركب”. وأضافت المصادر أن تشكيل لجنة الفحص من قبل قائد شرطة الاحتلال كوبي شبتاي جاء بضغط سياسي من قبل وزير الأمن الداخلي ويزعمون أن “المواجهات” اندلعت بعد إلقاء المشيعين حجارة وليس بسبب أعلام فلسطينية رفعت من قبلهم”. وأوضح موقع “واينت” أن ضباط الشرطة غاضبون على وزيرهم بار ليف بعدما “فرض” عليهم فتح تحقيق وقالوا إنه لو كان الأمر متعلق بشبتاي فقط لما فتح ملف فحص وتحقيق لكن هذه هي الضغوط السياسية”.
وكان بارليف قال قبل ذلك إنه خلال تشييع الصحافية شيرين أبو عاقلة نشبت “مواجهات عنيفة” أدت لتدهور الأوضاع في الميدان” منوها إلى أن “لجنة فحص” بقيادة العميد آنا بن مردخاي صاحبة التجربة الواسعة والمطلعة على ما يدور في القدس وذلك من أجل استخلاص الدروس وطرحها على قائد الشرطة ومن ثم تقدمها لي”. كما تزعم شرطة الاحتلال أن “المواجهات” خلال تشييع الجثمان بدأت بعدما هاجم متظاهرون رجال الشرطة بالحجارة وليس بسبب الرايات الفلسطينية التي رفعت في الجنازة. كذلك يدعي هؤلاء أن الشرطة كانت قد استعدت مسبقا لتمكين المشيعين من تشييع أبو عاقلة بشكل هادئ ومحترم بل نسقت ذلك مع عائلتها”، وهذا ما نفاه أنطون أبو عاقلة شقيق الصحافية الشهيدة شيرين أبو عاقلة.

التباس البيانات الإسرائيلية

لكن حقيقة ما حصل يوم التشييع معاكسة تماما، ففيما كان المئات داخل ساحة المستشفى الفرنسي في حي الشيخ جراح المقدسي ينتظرون إخراج جثمان الشهيدة للانطلاق في موكب التشييع بدأ قائد قوات شرطة الاحتلال بتهديد المشاركين داخل المستشفى بالكف فورا عن الهتافات الوطنية وإلا قام باقتحام المستشفى ومنع تشييع الجثمان. قائد الشرطة الإسرائيلية الذي قاد جنودا مقنعين من أخمص القدم حتى أعلى الرأس دون إمكانية التعرف على أسمائهم بخلاف القانون الإسرائيلي كان قد زعم في البداية إن “المتظاهرين” رفعوا رايات فلسطينية وهتفوا هتافات وطنية متطرفة وتحريضية ولكنه وأمام التساؤلات والانتقادات الواسعة إسرائيليا أيضا بحث عن ذريعة جديدة تبدو ربما أكثر منطقية فادعى لاحقا أن رجاله تعرضوا للاعتداء بالحجارة من قبل “مشاغبين أخلوا بالنظام العام”. لكن الصور التي نقلتها عشرات طواقم التلفزة الفلسطينية والدولية تنسف مزاعم الجهات الإسرائيلية الرسمية أو بعض الأوساط الإعلامية العبرية وكأن رجال الشرطة كانوا عرضة للضرب بالحجارة وقناني المياه مما دفعهم لتدخل والاقتحام غير أن الحقيقة كانت مغايرة فإلقاء القناني على المقتحمين بدأ فقط بعد اقتحامهم المستشفى واعتدائهم الوحشي على المشيعين حتى كاد التابوت يسقط أرضا بل لاحقوا بعض الشباب المشيعين داخل المستشفى دون أي احترام لحرمته وأطلقوا الرصاص المطاطي والقنابل الصوتية حتى بدت ساحة المستشفى الفرنسي ساحة حرب داس فيها جنود الاحتلال على أكاليل الغار والورود وصور شيرين أبو عاقلة والصلبان المصنوعة من الأقحوان والسوسن الأبيض.
منذ اللحظة الأولى لاغتيال شيرين أبو عاقلة في صباح الأربعاء الماضي كانت إسرائيل تحاول الاستفادة من عدم وجود دليل محسوس مباشر على إطلاق جنودها الرصاص نحو الشهيدة وقتها وتجند ماكينتها الدعائية لتعزيز مزاعمها والنيل من التهم الفلسطينية بالتشكيك ضمن حرب ما زالت دائرة في العالم على الرواية والوعي. لكن السلطات الإسرائيلية التي قدمت مزاعم قاطعة تنفي فيها تورط جنودها بقتل أبو عاقلة وتؤكد أنها “قتلت برصاص مسلحين إرهابيين فلسطينيين” كانت أبو عاقلة على مقربة منهم، سارعت لتعديل روايتها بالقول على لسان بعض ساستها المدنيين والعسكريين أنها لا تستبعد أن تكون الرصاصة القاتلة إسرائيلية وطالبت بها للقيام بفحوصات مخبرية ضمن تحقيق واسع لما جرى ويبدو أن تغيير روايتها جاء بنصيحة خبراء في الدعاية والمعركة على الوعي في مثل هذه الحالات.
ورغم الإدانات الواسعة ظلت استنكارات بعض الدول الغربية فاترة ومنضبطة مكتفية بالدعوة للتحقيق مع تغييب قضية الاحتلال ومسؤولية المحتل عن أمن وأمان الفلسطينيين تحت الاحتلال. لكن الاعتداء البربري والأحمق على الجنازة في ساحة المستشفى الفرنسي لم يعد بمقدور إسرائيل الدفاع عن جنودها من خلال استحضار السياق الأوسع والتذكير بأن غزواتها ومداهماتها في شمال الضفة الغربية جاءت بعد عمليات فلسطينية وكأنها ضحية تدافع عن نفسها. جاءت مشاهد ضرب المشيعين وحاملي التابوت بالهراوات بشكل وحشي جاءت لتقطع الطريق على ماكينة الدعاية الإسرائيلية التي بدت في الحالة الراهنة كمن يحاول تحلية البحر الميت بمعلقة سكر. حتى لو احتدم الجدل وحاولت سلطات الاحتلال التشكيك بالرواية الفلسطينية المتعلقة بقتل شيرين أبو عاقلة والزعم أن الجانب الفلسطيني يرفض تشكيل لجنة تحقيق مشتركة بحضور خبير أمريكي فإن صور الاعتداء على جنازتها وهي في يومها الأخير قاطعة لأن الكاميرا لا تكذب وتعكس حقائق على الأرض.
إسرائيليا ورغم محاولات حثيثة لقتل الحقيقة أبدت بعض الأوساط تبريرها لتصرف الشرطة الوحشي بالإشارة لوجود “مشاغبين” هددوا النظام العام بل قال عضو الكنيست المتطرف (حزب الصهيونية اليهودية) ايتمار بن غفير إنه يؤيد قتل أبو عاقلة لأنها تعيق عمل الجنود فيما قالت عضو الكنيست رئيسة لجنة الأمن الداخلي في الكنيست ميراف بن آري (حزب”هناك مستقبل”) إنها لا تأسف لمقتل الصحافية الفلسطينية بينما ذهب عدد من الصحافيين الإسرائيليين البارزين لاتهامها بأنها “بوق دعائي” منحازة لصالح الفلسطينيين مثلها مثل شبكة الجزيرة التي تعمل”. في المقابل أعربت أوساط إسرائيلية عن استغرابها أو اشمئزازها أو خجلها لهذا الاعتداء على موكب الجنازة بعضهم من منطلقات أخلاقية إنسانية والأغلبية منهم نتيجة حسابات المصلحة وعيا بأن مثل هذه الصور المنقولة لكل العالم تنطوي على قنبلة دعائية إعلامية تفجرت في وجه الاحتلال وعرته تماما وأظهرته على حقيقته.
من الجهات الإسرائيلية التي أعربت عن أسفها وصدمتها لعملية الاعتداء على الجنازة واعتبرته اعتداء لا إنسانيا وغير أخلاقي وغبي الصحافي الإسرائيلي السابق شلومي إلدار الذي ترك القناة العبرية 13 بعد حرب “الرصاص المصبوب” على غزة (نهاية 2008) وهاجر لأمريكا إذ أفزغته صورة الاعتداء على جنازة شيرين وهو يؤكد أنها دليل على الحماقة وعلى الضعف. ويضيف يقول في صفحته: منذ أكثر من عشرين عاما وأنا أغطي أخبار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. رأيت الكثير، أكثر من اللازم، كنت أعتقد أنني قد رأيت كل شيء. لقد كنت مخطئا”. ماذا جرى بحق الجحيم؟ أي إنسان عاقل يرى أشخاصا يرفعون نعشا وفي داخله جثة ثم ينهال عليهم ضربا؟ ما هي كمية الكراهية التي يجب أن تكون بداخلك حتى تقوم بمثل هذا الفعل؟ من هو عديم الإحساس والأحمق أو كليهما، الذي اعطى هذه الأوامر؟ لا تقولوا لي يمين – يسار، ليس لذلك علاقة بالموضوع. أنا متأكد أنه حتى اليمينيين البارزين، حين يرون تلك الصور، فإنهم يشعرون بالخجل، يخجلون لأن شرطة إسرائيل التي من المفروض أن تحمي مواطني إسرائيل تعتبر نعش الأموات عدوا خطيرا. يخجلون لأنهم يدركون أن هذه الصور لا تدل على القوة وإنما تدل على الضعف. الضعفاء فقط يعتبرون الصحافيين وجنازة صحافية خطرا يهددهم. هذه الصور لا تشكل خطرا على الدعاية الإسرائيلية وإنما تشكل خطرا على القوة الإسرائيلية لأن من تلقى الضربات اليوم فإنه لن يكرهك إلى الأبد فقط وإنما هو يعلم أيضا أنه من السهل أن يدفعنا إلى فقدان السيطرة، وأنه لا توجد لدينا ذرة من الاحترام أو الحكمة، وهما صفتان لا يمكن بدونهما أن تكون قويا. سوف يختفي أثر الضرب ولكن العار سيبقى”.

كي لا يبقى الاحتلال مجانيا

ومثل هذه المواقف العبرية والتقارير الإسرائيلية النزيهة مثل تقرير منظمة “بتسيلم” الذي يؤكد أن شيرين أبو عاقلة صرعتها رصاصة إسرائيلية تنطوي على ذخائر إعلامية بمقدار وقوة الذخائر الناجمة عن قتل الطفل محمد الدرة عام 2000، من شأنها مساعدة الجانب الفلسطيني في الانتقال من الدفاع للهجوم الدبلوماسي والإعلامي لنقل الحقيقة للعالم على المستوى الأهلي وسط التفاف على الإعلام الرسمي وعبر منتديات التواصل الاجتماعي بالتركيز على قضية الاحتلال التي تحاول دول كثيرة تجاهلها بتأثير منظومة مصالحها على حساب منظومة أخلاقية إنسانية أو نتيجة حسابات الخوف من توجيه انتقادات وخطوات فعلية للضغط على إسرائيل لإنهاء الاحتلال مصدر كل الشرور.
ينبغي التنبه لأهمية المبادرة وعدم الاكتفاء بكون الجانب الفلسطيني محقا فحسب خاصة أن أنظار العالم ربما تكون موجهة لأوكرانيا وغيرها من النقاط الساخنة وخاصة أن منظومة المصالح تحكم علاقات الدول اليوم أكثر من أي وقت مضى. ورغم الصور الصارخة وعدالة الموقف الفلسطيني يسير العالم وفق بوصلة مصالح وحسابات مختلفة لاسيما أن اللوبيات الصهيونية تواصل الليل بالنهار لبيع الرواية الإسرائيلية ولذا فإن الضغوط الإعلامية على إسرائيل مهمة جدا لكنها ليست الجوهر فالعالم حتى الآن خاصة الغربي اكتفى بالتصريحات والبيانات دون اتخاذ خطوات فعلية كما حصل مع جنوب إفريقيا التاريخية وما يحرك الإسرائيليين ويدفعهم للتفكير مجددا بالاحتلال وإنهائه هو الأثمان التي يسددها خاصة بما يتعلق بخسارة جنود فالاحتلال المجاني لا يستبطن ديناميكية داخلية تدفع لإنهاء الاحتلال ومقاومته الشرعية وفقا للقانون الدولي والواجب الأخلاقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى