صدام الحلفاء: هل تؤدي الخلافات الأوروبية–الأمريكية لتصدُع التحالف عبر الأطلسي؟
رغدة البهي

مع استمرار الحرب الروسية–الأوكرانية لمدة تزيد عن 10 أشهر، تعالت الأصوات داخل الدول الأوروبية التي ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية هي المستفيد الأول من تلك الحرب في الوقت الذي تضطرب فيه اقتصادات الدول الأوروبية على نحو قد يدفعها لمراجعة مواقفها بشأن أسعار الطاقة الأمريكية، والدعم الذي تقدمه إلى أوكرانيا، وسُبل حماية اقتصاداتها الوطنية، وغير ذلك من القضايا الخلافية والشائكة التي تثير التساؤل حول مستقبل التحالف الأمريكي–الأوروبي بين من يرى تصدُّعه، ومن ينادي بإمكانية استمراره.

نقاط الخلاف

تتعدد القضايا الخلافية في العلاقات الأمريكية–الأوروبية، وهي القضايا التي يمكن الوقوف على أبرزها من خلال النقاط التالية:

1– اتهامات بتورط بريطاني في تفجير خطَّي السيل الشمالي: يؤثر اتهام روسيا لبريطانيا بالتورط في تفجير خطَّي السيل الشمالي 1و2 (ذَوَي الأهمية الحيوية لألمانيا) سلباً في العلاقات الأمريكية–الأوروبية؛ حيث يُمكن أن يؤجج تورط بريطانيا المحتمل في التفجير الخلاف البريطاني–الألماني الذي سيطال بالضرورة موقف برلين من الحرب الروسية–الأوكرانية، فيؤثر بالتبعية على تماسك التحالف الأوروبي–الأمريكي الداعم لكييف في مواجهة العمليات العسكرية الروسية المستمرة إلى يومنا هذا.

2– بوادر حدوث حرب تجارية بين أمريكا وأوروبا: لقد أسفر قانون خفض التضخم الأمريكي عن ردود أفعال أوروبية ساخطة إلى حد التهديد بحرب تجارية مفتوحة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يجد جذوره في نصوص ذلك القانون الذي يمنح تخفيضات ضريبية كبيرة وجاذبة للشركات والمصانع الأوروبية لكي تنقل نشاطها إلى الأراضي الأمريكية على نحو يضر بالاقتصاد الأوروبي، كما يمنح القانونُ المنتجَ الأمريكي ميزة سعرية تنافسية في مواجهة نظيره الأوروبي. ومن الجدير بالذكر أن دعماً ألمانياً مماثلاً للشركات الألمانية بقيمة 200 مليار يورو تسبب في خلاف حاد مع فرنسا، وهو الخلاف الذي تكرر مرة أخرى بشكل حاد بين الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية؛ ما دفع الأولى إلى التفكير في تخصيص إعانات مالية طارئة لإنقاذ صناعاتها الوطنية.

3– خلافات أمريكية–أوروبية حول تطورات الحرب الأوكرانية: تتعدد التصريحات الأوروبية الرسمية التي ترى أن الرئيس الأمريكي “جو بايدن” يرغب في إطالة أمد الحرب الروسية–الأوكرانية على نحو يُعظِّم مكاسبه، وهي التصريحات التي تجد أواصرها في المكاسب الأمريكية من تلك الحرب، والتي يتمثل أبرزها في أرباح الشركات العسكرية بالنظر إلى حجم المساعدات العسكرية الأمريكية الذي تجاوز 15 مليار دولار في مقابل نفاد المخزون الأوروبي من الأسلحة؛ ما قد يستغرق سنوات عدة لإعادة ملئه مع تعدد التحديات التي تطال سلاسل التوريد وعملية إنتاج الرقائق.

وتشير التصريحات الأوروبية أيضاً إلى تزايُد الأرباح الأمريكية من مبيعات الغاز الأمريكي إلى أوروبا وإن رأت الولايات المتحدة الأمريكية أن ارتفاع أسعار الطاقة إنما يرجع إلى الحرب الروسية–الأوكرانية لا إلى رغبتها في التربح من الحلفاء الأوروبيين. وفي هذا السياق، لا يمكن التقليل من شأن الانقسام بين الحكومات الأوروبية حول سقف أسعار الطاقة الروسية في ظل تعدد الشكوك الأوروبية تجاه واشنطن من ناحية، وتزايد الأرباح الأمريكية المحتملة من مبيعات الطاقة من ناحية أخرى.

4– تبايُن الرؤى إزاء التعامل مع التحدي الصيني: تختلف وجهتا النظر الأوروبية والأمريكية تجاه الصين بشكل جذري؛ فعلى الرغم من اتجاه بعض الدول الأوروبية لتوصيف الصين على أنها تُشكل تحدياً، فإنها لم تتفق على كيفية التعامل معها؛ ففي الوقت الذي ترفض فيه عددٌ من الدول الأوروبية استعداء بكين في ظل تعدد الروابط الاقتصادية المشتركة، ترى أخرى – بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية – ضرورة احتواء وتقييد الصين، بجانب تقليل التبعية الاقتصادية للعملاق الصيني؛ إذ ترى واشنطن أن بكين هي المنافس الوحيد الذي يهدد هيكل النظام الدولي القائم، بينما يرى عدد كبير من الدول الأوروبية أن روسيا هي مصدر التهديد الأول، وأن استفزاز الصين قد يعمق التحالف الروسي–الصيني.

مستقبل التحالف

لا تعني القضايا الخلافية السابقة تصدُّع التحالف الأوروبي–الأمريكي بالنظر إلى جملة من المؤشرات التي يمكن استعراضها على النحو التالي:

1– تعدُّد محاولات تقريب وجهات النظر بين الطرفين: تسعى الدول الأوروبية إلى تسوية الخلافات مع الولايات المتحدة الأمريكية، وما يدلل على ذلك زيارة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى واشنطن خلال الفترة من 30 نوفمبر إلى 2 ديسمبر الجاري؛ فقد تعددت التحليلات التي ترى أن تلك الزيارة إنما تهدف في المقام الأول إلى إنهاء الخلافات الأوروبية–الأمريكية من ناحية، والتركيز على الشراكة بين الجانبين من ناحية ثانية. وقد تسفر زيارته عن بعض الاستثناءات الأوروبية التي تخفف تداعيات قانون خفض التضخم الأمريكي، على شاكلة الاستثناءات التي تتمتع بها كندا والمكسيك على سبيل المثال.

2– تجاوز الطرفين خلافات أكثر حدة في الماضي: تمكنت العلاقات الأوروبية–الأمريكية من تجاوز عدد من التحديات التي فاقت في شدتها القضايا الخلافية السابقة الذكر، وليس أدل على ذلك من صفقة الغواصات الفرنسية–الأسترالية التي ألغتها أستراليا حين قررت الاستثمار في الغواصات الأمريكية التي تعمل بالطاقة النووية على خلفية التحالف الأمريكي مع أستراليا وبريطانيا الذي هدف في أحد جوانبه إلى تطوير أسطول غواصات أسترالية تعمل بالطاقة النووية.

3– إدراك الطرفين لضرورة التكاتف في مواجهة روسيا: دللت الحرب الروسية–الأوكرانية على أهمية التحالف الأمني القوي بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، كما أظهرت أهمية التحالف عبر الأطلسي للحفاظ على استقرار القارة الأوروبية بصفة خاصة، وأنه لا يمكن التقليل من خطورة التهديدات الروسية المتكررة بوقف إمدادات الطاقة في الوقت الذي تعول فيه الدول الأوروبية على وارداتها من الولايات المتحدة.

4– قدرة الاقتصادات الأوروبية على تجاوز الخلافات التجارية: على الرغم من خطورة تداعيات قانون التضخم الأمريكي على الصناعات الأوروبية في توقيت تُعاني فيه الاقتصادات الأوروبية من الركود والتضخم، فإنها قادرة على تجاوز تبعات ذلك القانون، لا سيما أن الحرب التجارية بين الجانبين ليست هي الأولى من نوعها؛ فقد تمكنت من تجاوز الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” على الصلب والألومنيوم على الرغم من أهميتهما الاستراتيجية للاقتصادات الأوروبية.

تجاوز الخلافات

ختاماً، لا يمكن التقليل من خطورة القضايا الخلافية في العلاقات الأمريكية–الأوروبية، وخاصةً في ظل تزايد أرباح الصناعات العسكرية الأمريكية من ناحية، والضغوط المستمرة على إمدادات الطاقة في ظل سعي أوروبا إلى تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية من ناحية ثانية، وارتفاع سعر الغاز الأمريكي الذي يدفعه الأوروبيون من ناحية ثالثة. بيد أن عظم التحدي الروسي، وتعدد القضايا التي تستوجب تنسيقاً أوروبياً–أمريكياً، وتوطد وقدم عهد التحالف بين الجانبين تاريخياً، إنما يدفع في مجمله إلى تجاوز تلك القضايا الخلافية دون التقليل من أهمية احتوائها ومعالجتها خوفاً من تفاقمها مستقبلاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى