صراع قديم جديد بين أكبر قوتين في العالم والأمن القومي هو الدافع
بقلم: تمارا حداد

بقلم: تمارا حداد

لم تخلو بعض مناطق العالم عبر التاريخ من الأطماع للدول الكبرى باعتبارها تمثل منطقة نفوذ أساسية، والدور الروسي في مرحلة ما بعد عام 2011 بدأ يتعاظم باتجاه التأثير في السياسة الدولية وتحديداً في بؤر الصراع الدولية متحدياً بذلك الدور الأمريكي في إدارة الصراعات، بخلاف ما كان عليه الحال في مرحلة التسعينيات من القرن العشرين، وذلك نتيجة المتغيرات الدولية التي أفرزتها التغييرات في العالم وبالتحديد في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تمارا حداد
تمارا حداد

نجح الدب الروسي نسبياً في حلحلة الكتلة الموالية للولايات المتحدة الأمريكية لا سيما في ضوء التحالفات الجديدة التي تتبلور في اكثر من منطقة في العالم، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية والعالم يشهد صراعاً على النفوذ بين القوتين الأكبر وهما الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي سابقاً، والذي رغم سقوطه في التسعينات استعاد قوته ضمن روسيا الاتحادية التي أعادت فرض نفسها كقوة كبرى في العالم.

العامين الماضيين شهدا تصاعداً كبيراً لهذا الصراع في العديد من المناطق مثل البلقان وأوكرانيا، وبلغت المنافسة على النفوذ بين البلدين أشدها في الصراع على الشرق الأوسط الذي يشهد اضطرابات كبيرة منذ عام 2011.

سبب تجدد الصراع على اكثر من منطقة من بينها منطقة الشرق الاوسط بين البلدين باعتبارها مناطق استراتيجية هامة من النواحي الاقتصادية والسياسية، لكلا البلدين. الإدارة الأمريكية بدت وكأنها متفاجئة من التحركات الروسية حيث كانت الاستجابات الامريكية البطيئة والمترددة من قبلها شجعت الحكومة الروسية على الاستمرار بتقوية نفوذها في اكثر من بقعة.

اصل الصراع:-

روسيا تدرك أن سقوط الاتحاد السوفيتي كان بسبب التدهور في النواحي الاقتصادية، وأنه يجب الاهتمام ببناء قوة اقتصادية كبيرة مستغلا كون روسيا تملك أعلى احتياطي من الغاز في العالم، وبدأت بإمداد أوروبا بالغاز عبر شبكة أنابيب تمر عبر أوكرانيا وبيلاروسيا، بدأ الصراع بشكل كبير منذ ظاهرة التجارة في 2004 بين روسيا وأوكرانيا حول سعر الغاز أدى إلى تخفيض ضخ روسيا الغاز حوالي 48 ساعة، طبعا في ظل حكومة أوكرانيا الموالية لأمريكا.

تلقت أوروبا وأمريكا الإنذار وبدأت في التفكير بحلول لتوفير الغاز الطبيعي لأوروبا من آسيا الوسطى دون المرور بروسيا لتجنب تكرار هذا الموقف واستغلال روسيا الغاز كسلاح اقتصادي ضد أوروبا، وتمثل هذا في اتفاق خط أنابيب نابوكو الذي تمخض الاتفاق عليه في 2009، كما تم الاتفاق على خط تاناب الذي ينقل الغاز من بحر قزوين عند أذربيجان إلى اليونان عبر تركيا.

البيت الأبيض لم ينفع في اليوم الاسود

ردت روسيا على محاولات الالتفاف على حصتها في ضخ ربع الغاز إلى أوروبا عن طريق استراتيجية جديدة:

1.    شراء معظم الغاز المستخرج من بحر قزوين من الدول المنتجة وإعادة ضخه عبر أنابيبها.

والتعاقد على إنشاء السيل الشمالي الذي يمر من بحر البلطيق إلى شمال ألمانيا ومن ثم توزيعه على الدنمارك وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا والنمسا والتشيك وبولندا افتتح في 2011، والتعاقد على السيل الجنوبي الذي يمر بالبحر الأسود من القرم إلى بلغاريا ورومانيا والمجر والبلقان، وتوقف المشروع عقب الأزمة الأوكرانية 2014.

2.    بعد فشله بسبب أزمة أوكرانيا تم التعاقد على السيل التركي لنقل الغاز إلى تركيا ثم اليونان ومنها إلى أوروبا.

3.    التعاقد على السيل الأفريقي الذي يمر من شمال نيجيريا إلى النيجر إلى ليبيا أو الجزائر، ومن ثم إلى إيطاليا، وتم شراء نصف حصة شركة آيني الإيطالية بعد موافقة بيرلسكوني.

ردت امريكا ب:

تولي حكومة موالية لأمريكا في اوكرانيا وعرقلة السيل الأفريقي عبر المساعدة في إزالة نظام القذافي ودخول فرنسا مكان إيطاليا في ليبيا وسط امتعاض روسي، وتم الضغط على بلغاريا لمنع السيل الجنوبي لأنه يتعارض مع قانون حزمة الطاقة الثالثة للاتحاد الأوروبي، حيث يمنع الدول المصدرة من امتلاك خط الغاز، واعتبرته روسيا عقوبة من أوروبا.

الهدف الرئيسي لروسيا في بعض مناطق العالم:

الهدف الرئيسي لروسيا من محاولة تعميق نفوذها هو استعادة مصالحها الكبيرة والتي كانت تملكها إبان الحرب الباردة مع أمريكا، وكذلك إبعاد الولايات المتحدة الأمريكية عن مناطق نفوذها في اكثر من منطقة.

الهدف الرئيسي لامريكا في بعض مناطق العالم:

هدف الولايات المتحدة الأمريكية هو الحفاظ وتطوير علاقاتها الاقتصادية المتينة التي تجمعها بالعديد من الدول، حيث تملك الولايات المتحدة استثمارات متبادلة مع هذه الدول بمليارات الدولارات، إضافة للقواعد العسكرية الاستراتيجية والنفوذ السياسي الكبير.

تقدم كبير لروسيا:-

روسيا استطاعت نقل الصراع الى الشرق الأوسط ، هذا التدخل استمر عبر قيام روسيا بتجريب العديد من المعدات العسكرية في سوريا، ومن بينها أحدث دباباتها الحربية التي أبرمت بشأنها العديد من صفقات البيع لدول الشرق الأوسط،  والتمدد الروسي في بعض المناطق استمر عبر استغلالها البرود الذي شهدته علاقة أمريكا ببعض الدول لتدخل روسيا على الخط وتعمل على تطوير العلاقات المتبادلة في اكثر من دول غربية وعربية.

مقومات روسية داعمة:-

استند الدور الروسي في الصراعات الدولية الجديدة إلى تفاعل مقومات القوة الروسية الداخلية مع طبيعة البيئة الإقليمية والدولية الداعمة للدور الروسي، فتمكنت روسيا الاتحادية من الاستفادة من مقومات قوتها الإستراتيجية على الصعيد الداخلي إلى جانب نجاحها في إيجاد شراكات إستراتيجية مع القوى الإقليمية والدولية، أفضت إلى زيادة فاعلية دورها في الصراعات الدولية الجديدة، فكان دورها بمثابة اختبار لمستوى قوتها في النظام السياسي الدولي، وذلك يتضح من خلال فاعلية دورها في تطوير المنشآت النووية الإيرانية ومن ثم في المفاوضات الدولية مع القوى الكبرى، كما يظهر دورها الفاعل حيال الأزمة في سوريا، إلى جانب تعاظم دورها في صراعات مناطق الجوار القريب المتمثلة بجورجيا أو أوكرانيا، وفي المقابل هناك دور قوي لأهم قوة في العالم وهي الولايات المتحدة التي جهدت على تحجيم الدور الروسي الدولي واختلاق الفوضى في مناطق تعتبر متحالفة مع روسيا استراتيجياً، فنتج عنها تنافس بين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية .

التقدير المستقبلي:-

ليس من مصلحة أمريكا أو روسيا الاندفاع إلى حرب كونية لا تبقي ولا تذر، لان المواجهة العسكرية بين القوتين سوف تكون نهاية العالم، كما إن أغلبية دول العالم إن لم تكن كلها لا توافق على اي تصعيد أو مواجهة بين القوتين العظمتين، لأنها ستتعرض للدمار، وروسيا وأمريكا تدركان جيدا إن أي توتر بينهما سوف لن يكون في صالح أي منهما، وان هناك العديد من دول المنطقة متربصة بهما، لذلك فإن الاعتقاد السائد هو التوافق على حل أزمات المنطقة بعد إن يصل كل طرف إلى مرحلة يعتقد إن تجاوزها خط احمر للطرف الأخر.

إن أزمات المنطقة لا يمكن حلها إلا عن طريق التوافق بين القوتين الروسية والأمريكية، لأن استمرارها سوف يقود إلى تدخل دول أخرى تبحث عن نفوذ في المنطقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى