صفقة القرن اللاسامية
جوزيف مسعد

سعت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها في أواخر القرن التاسع عشر إلى تغيير طبيعة الهويات اليهودية الأوروبية، وتحويل طبيعة علاقة اليهود بالحركة اللاسامية الحديثة أيضا. وحيث أن الحركة الصهيونية كانت تتشارك مع الحركة اللاسامية في فهمها بأن ما يتسبب باللاسامية ليس عنصرية وشوفينية اللاساميين، بل زعمهما الشائن بأن ما يسبب اللاسامية إنما هو وجود اليهود في المجتمعات غير اليهودية (وهو فهم كان مؤسس الصهيونية ثيودور هرتسل يصر عليه)، تبع ذلك تماهٍ أيديولوجي بين الحركتين أدى إلى تحول في موقف اللاساميين من اليهود أيضا. فقد انقسم اللاساميون منذ عقد العشرينيات من القرن العشرين بين إمبرياليين أوروبيين أدركوا بأن الصهيونية ستحل “مشكلتهم” اليهودية عبر تصدير اليهود إلى فلسطين، ما دفعهم لمنح الحركة الصهيونية دعمهم الكامل، والنازيين الذين كانوا مصمّمين على القضاء على اليهود كليا بوصف ذلك يمثل “الحل النهائي”، رغم أنهم دعموهم وتعاونوا معهم في الثلاثينيات لفترة مؤقتة.

لكن ولعقود طويلة ظل مشروع الصهيونية التحويلي لهويات اليهود يراوح مكانه نتيجة المعارضة اليهودية الضخمة للصهيونية والتي بقيت مثابرة، وإن وهنت بشكل كبير بعد المحرقة النازية. لكن حدة المشروع أخذت بالتصاعد منذ أواخر الأربعينيات، وراحت تزداد مع الزمن حتى غدت مهيمنة تماما بحلول عقد السبعينيات. وبينما كانت هوية يهود أوروبا الشرقية والغربية قبل التحول الصهيوني هوية أقلية سكانية، نتيجة كونها ضحية للاضطهاد اللاسامي المسيحي الأوروبي، تحارب التمييز والظلم، رأت الصهيونية بأن هذا النضال ليس الرد الصائب على اللاسامية. وأصرت بدلا عن ذلك على أن الطريقة الوحيدة لإنهاء الاضطهاد الأوروبي المسيحي لليهود هي من خلال الانضمام للأوروبيين المسيحيين في غزواتهم الاستعمارية خارج أوروبا وإقامة مستعمرة استيطانية لليهود في آسيا على حساب الشعب الأصلي للأرض المغتصبة. وبعد هزيمة النازيين، سعى حلفاء الصهيونية من أوروبيين وأمريكيين إمبرياليين لاساميين للتعجيل بالحل الصهيوني، عبر دعم إقامة المستعمرة الاستيطانية الصهيونية في فلسطين في عام 1948.

وقد سعت الحركة الصهيونية لإعادة تعريف اليهودية عبر الإصرار بأن الاستعمار جزء لا يتجزأ من الهوية اليهودية. وقد حاربت الصهيونية كل الحركات اليهودية الأخرى التي رفضت حلها الاستعماري، بما فيها حركة البوند واسعة التأثير، والاشتراكيين والشيوعيين اليهود، واليهود الليبراليين الذين دعموا الاندماج في مجتمعاتهم، فضلا عن طائفتي اليهود الأرثودوكس واليهود الإصلاحيين اللتين كان حاخاماتهما يكنون عداء كبيرا للصهيونية. فمن الآن وصاعدا سيغدو معنى اليهودية، بحسب إصرار الصهاينة، مقترنا باستعمار أراضي الشعب الفلسطيني لإقامة مستعمرة- استيطانية يهودية عليها. فبدلا من أن يحاربوا أعداءهم اللاساميين الذين سعوا إلى طردهم من المجتمعات المسيحية، قيل لليهود بأن اللاساميين هم حلفاؤهم (فكما قال هرتسل: “سيصبح اللاساميون أصدقاءنا الأكثر دعما لنا وستغدو الدول اللاسامية حليفتنا”، وأضاف أن “جميع البلاد التي ابتليت باللاسامية ستصبح مهتمة بشدة بمساعدتنا على الحصول على السيادة التي نصبو إليها”). ويمكننا اختصار التعريف الجديد التي نجحت الصهيونية بفرضه في المعادلتين التاليتين المكملتين لبعضهما البعض: اليهودية هي الصهيونية هي الاستعمار؛ والعداء للاستعمار هو عداء للصهيونية هو اللاسامية.

وقد قامت حملة دعائية ضخمة للدفاع عن الاستعمار الصهيوني واضطهاده للشعب الفلسطيني وسرقة وطنه وأراضيه على أنه جزء جوهري من الهوية اليهودية ويقع في لبّها، وبأن معارضة هذا الجوهر المزعوم للهوية اليهودية ليس سوى “اللاسامية الجديدة”. وهكذا أضحى دعم السرقة الصهيونية والإسرائيلية لأراضي الفلسطينيين واضطهاد الشعب الفلسطيني يعبر عن أعلى شكل من أشكال عشق اليهود وحبهم، كما يتضح من التعبير الثابت عن دعم إسرائيل وسياساتها من قبل الزعماء الأمريكيين والأوروبيين الحاليين. فقد دعم الأوروبيون الإمبرياليون اللاساميون هذا التعريف لليهود دعما كليا وتبنوه كوسيلة لتحويل لاساميتهم إلى عشق لليهود. وتمتد قائمة هؤلاء من الزعماء البريطانيين اللاساميين الذين دعموا الجهود الصهيونية منذ أوائل القرن العشرين (بمن فيهم جوزف تشامبرلين، وآرثر بلفور، وونستون تشرتشل) وصولا إلى دونالد ترمب. أما أن اليهود واليهودية، ولأكثر من ألفي عام في أوروبا، كانوا يعرّفون أنفسهم بطريقة مختلفة جذريا لم تكن تتضمن استعمار أراضي شعب آخر واضطهاده، فلا يعيره الصهاينة واللاساميون أهمية في مشروعهم لإعادة كتابة تاريخ اليهود وهويتهم.

وقد أصبح إصرار إسرائيل على إلحاق تهمة اللاسامية بالعداء للاستعمار سلاحا اعتياديا تشهره في وجه ضحاياها ونقادها منذ السبعينيات. وقد أحرزت إسرائيل أكبر انتصاراتها في ذلك العقد (لا سيما بعد غزوها واحتلالها للأراضي العربية في حرب 1967) عبر نجاحها في إقناع معظم مناصريها من اليهود وغير اليهود بالهوية الاستعمارية الجديدة التي ابتكرتها لليهود، على الرغم من أن أغلب يهود العالم رفضوا باستمرار أن يصبحوا مستعمرين في إسرائيل.

في السنوات القليلة الماضية ونتيجة تعاظم الدعم للشعب الفلسطيني بين اليهود وغير اليهود في جميع أنحاء العالم، وخاصة من خلال حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات، سعت إسرائيل وحلفاؤها الغربيون إلى محاربة الموجة الصاعدة من خلال جعل التعريف اللاسامي والصهيوني لليهود رسميا وملزما قانونيا. وقد تم نشر التعريف الجديد، الذي يربط اليهود بالصهاينة والمستعمرين، من خلال تبني منظمة “التحالف الدولي لذكرى المحرقة” لتعريف عملي لمعاداة السامية في عام 2016، والذي تضمن “مظاهر.. استهداف لدولة إسرائيل، كمجتمع يهودي”. وقد شهدنا خلال العام الماضي تقدما كبيرا في هذا الإجماع اللاسامي الذي يسعى إلى محو الهويات اليهودية التي لا تتفق مع الصهيونية. فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي تعريف “التحالف الدولي لذكرى المحرقة” في شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي، كما فعلت فرنسا وبريطانيا أيضا، وكما فعل مؤخرا رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون والرئيس دونالد ترامب، في خطوة مماثلة تسعى إلى تجريم دعم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات في الجامعات.

وما يزيد الوضع تعقيدا هو الصعود الأخير للجماعات العنصرية البيضاء المعادية للسامية التي تستهدف اليهود في الولايات المتحدة وأوروبا، ولكن في نفس الوقت تتحالف مع الصهيونية وإسرائيل (وهذا هو الحال لهذه الجماعات في النمسا وبولندا وأوكرانيا والمجر وألمانيا والولايات المتحدة). تتمثل الاستراتيجية الحالية لإسرائيل في الخلط بين معاداة السامية عند العنصريين البيض وبين معاداة الصهيونية ومعاداة الاستعمار، وتصر على أن أولئك الذين يكرهون اليهود على أسس عرقية ودينية وأولئك الذين يعارضون الاستعمار الصهيوني والعنصرية هم واحد ولا يختلفون عن بعضهم البعض!

وفي واقع الأمر، ليس من قبيل الصدفة أن يكون المؤيدون اللاساميون لإسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا هم أيضا كارهو المسلمين في الوقت الحاضر. فإن نفس القوى الأوروبية المعادية للسامية التي كرهت اليهود قبل الصهيونية وأحبتهم من بعدها هي نفس القوى التي تكره المسلمين (والذين صُوروا في غالبيتهم على أنهم معادون للصهيونية وبالتالي لليهود) اليوم. بل لقد أصبحت تهمة معاداة السامية ضد المسلمين سمة أساسية، إن لم تكن مبررا، لرُهاب الإسلام عبر أوروبا والولايات المتحدة.

“صفقة القرن” هي في الأساس صفقة لفرض هذا التعريف اللاسامي على العالم باعتباره جوهر عشق اليهود، وبأن أي دفاع عن الشعب الفلسطيني وحقوقه هو جوهر اللاسامية

إن إيمان دونالد ترمب بأن اليهود “يحبون المال” كما قال مؤخرا، وبأن دولة اليهود الأمريكيين هي إسرائيل وأن نتنياهو هو “رئيس وزرائكم”، كما خطب فيهم، هو أساس ما يسمى بــ”صفقة القرن” التي تسعى إلى تصفية النضال الفلسطيني ضد الاستعمار وإلى فرض التعريف اللاسامي الذي يورط كل اليهود في جرائم الاستعمار الصهيوني. أما أن ترامب قد قام بتعيين ثلاثة من المسؤولين اليهود الصهاينة الأمريكيين، الذين ليست لديهم أية شرعية على الإطلاق لتمثيل اليهود الأمريكيين، للإشراف على الصفقة (صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه جيسون غرينبلات، وسفيره في إسرائيل ديفيد فريدمان، والأخيران كانا محاميا ترامب في السابق) إنما يهدف إلى إقناع اليهود وغير اليهود بأن جميع اليهود يقبلون الآن ويدعمون الاختزال والاقتران اللاسامي بين الصهيونية والاستعمار واليهود على أنهم واحد، وأن أي معارضة لهذه المعادلة سوف تعتبر من الآن فصاعدا “لاسامية”.

إن “صفقة القرن” هي في الأساس صفقة لفرض هذا التعريف اللاسامي على العالم باعتباره جوهر عشق اليهود، وبأن أي دفاع عن الشعب الفلسطيني وحقوقه هو جوهر اللاسامية. لكن المد الذي يعارض العنصرية والاستعمار الصهيوني والإسرائيلي اليوم قد أصبح أكبر من أن يتم احتواؤه من خلال هذه السياسات القمعية واللاسامية. وإصرار الكثير من اليهود وغير اليهود اليوم في جميع أنحاء العالم، لا سيما داخل حركة المقاطعة وحركات مثل “صوت اليهود من أجل السلام”، على أنه لا ينبغي تعريف اليهود بأنهم صهاينة، ناهيك عن أنهم مستعمرون، شكّل تحديا فعّالا وإفشالا للإجماع اللاسامي الجديد الذي يسعى إلى توريط كل اليهود في سياسات إسرائيل الاستعمارية. وما الإجراءات القانونية الأخيرة في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة لتوريط كل اليهود في الجرائم الإسرائيلية، فهي أوضح دليل على هذا الفشل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى