صفقة القرن وتحدّيات الدبلوماسية الفلسطينية
أمجد أحمد جبريل

يثير إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن “صفقة القرن”، أسئلةً جوهريةً عن تداعياتها على قضية فلسطين ومساراتها المستقبلية، خصوصاً في ما يتعلق بالتحدّيات الماثلة أمام الدبلوماسية الفلسطينية، وكيفية التعامل معها برؤيةٍ جديدة، بحثاً عن مخرج، من مآزقها الناجمة عن أخطاء “النهج التفاوضي” لقيادة منظمة التحرير، منذ قرّرت دخول عملية أوسلو عام 1993، والتعويل على تطوير علاقاتها مع أميركا وإسرائيل، ولا سيما على الصعيدين، الأمني والاقتصادي.
لقد تمكّنت دولة الاحتلال، عبر عملية أوسلو، من الالتفاف على إنجازات انتفاضة 1987 وانتفاضة الأقصى، اللتين قدم فيهما الشعب الفلسطيني تضحياتٍ كبيرة، لكن جرى إهدارها بسبب “ارتجالية القيادة الفلسطينية”، و”تهميش المؤسسات”، و”غياب الرؤية الاستراتيجية”، وبروز نزعة فردية انتهازية نفعية، تخالف موروث الثقافة السياسية الفلسطينية، القائمة على قيم النضال والفداء والتحرير، وليس الركض خلف أوهام “السلام الاقتصادي”، أو ما تلقيه أميركا وإسرائيل من “فتات تفاوضي”، و”مساعدات خارجية مغموسة بالمنِّ والأذى”، حوّلت المجتمع الفلسطيني من “مبدع انتفاضات ومفجّر ثورات” إلى “مجتمع معاق تنموياً”، ينتظر المساعدات المشروطة، وعمليات “إعادة الإعمار” التي تهدف إلى تخريب “استقلال المجتمع الفلسطيني”، وعرقلة عملية اكتشاف ذاته وقدراته على المقاومة، كما تجلت في الانتفاضات المتكرّرة.
وفي هذا الإطار، تنكّر “نهج الاعتدال الفلسطيني” لأدوات المقاومة الشعبية والنضال الوطني، تحت ذرائع مختلفة (“نبذ العنف/ محاربة الإرهاب”، و”إشاعة ثقافة السلام”، و”وقف التحريض”)، التزاماً باشتراطات واشنطن وتل أبيب، في مشابهةٍ خطيرةٍ مع ما فعله الرئيس المصري، أنور السادات، منذ توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في 1978.
وفيما رفضت أغلب الدول العربية، آنذاك، تلك الاتفاقيات “لفظياً/ خطابياً”، فقد جرى “تعريبها”  لاحقاً في عدة محطات: اتفاق أوسلو، واتفاق وادي عربة، ثم آلية “المؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية”، (الدار البيضاء 1994، وعمّان 1995، والقاهرة 1996، والدوحة 1997)، التي آذنت بتدشين خريطة جديدة لتقسيم العمل في المنطقة، بما انعكس إيجاباً على الاقتصاد الإسرائيلي، من دون أن تتمكّن الأطراف العربية من تحقيق فائدة تذكر. وهذا يؤكد أن التسوية والتطبيع العربي مع إسرائيل يجعلانها تحصد “مزايا نسبية” عديدة، قد تؤهلها لأن تكون أهم فاعل إقليمي في المنطقة، فيما تخسر فلسطين والعرب على كل الصعد، سياسياً واقتصادياً وثقافياً… إلخ.
واستطراداً، يمكن القول إن ثمة هدفين للتصميم الأميركي/ الإسرائيلي لعملية التسوية، ومبادراتها المختلفة – منذ بداياتها الأولى بعد هزيمة 1967، وصولاً إلى “صفقة القرن” 2020، أحدهما دمج إسرائيل في نسيج المنطقة العربية، عبر تدشين علاقاتٍ متشعبة معها، بما يحفظ أمن إسرائيل، ويضمن بقاءها وتفوقها الاقتصادي والعسكري، وتحصيلها “الشرعية الإقليمية” تدريجاً. والهدف الآخر تجريد الشعب الفلسطيني من أي دعمٍ عربي أو إقليمي، مع إيجاد تناقضاتٍ فلسطينية – عربية، ثم عربية – عربية تالياً حول كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل، بما يُنهي جوهر الصراع، ويختزله إلى مخرجات التفاوض المباشر و”اللانهائي” مع دولة الاحتلال، وتحويل “الانتقالي” إلى “وضع دائم”، بالتوازي مع دفع الدول العربية والإقليمية إلى الانكفاء على نفسها، والانشغال بمشكلاتها الداخلية المزمنة، فضلاً عن تسعير صراعاتها البينية حول الأدوار والنفوذ، في العالم العربي وإقليم الشرق الأوسط.
وفي ظل هذا الوضع العربي والإقليمي والدولي، المواتي لخيارات إسرائيل وسياساتها التوسعية الاستيطانية، تآكلت خيارات الدبلوماسية الفلسطينية على نحو ملحوظ، بما يُنذر باحتمال إغلاق مساحة الفرص أمامها قريباً، ما لم تُقدم على نقلاتٍ استراتيجيةٍ تُوقف تدهورها أولاً، وتمنع بعد ذلك انزلاقها من جديدٍ نحو مساراتٍ تفاوضيةٍ تستهلك “وقتاً ثميناً”، وإعادة “تجريب المجرّب”، كما ورد في خطاب الرئيس محمود عباس أمام مجلس الأمن الدولي 11 فبراير/ شباط الجاري، وحديثه عن “إحياء دور اللجنة الرباعية الدولية”، أو تكرار التمسّك باتفاق أوسلو والتزامه، و”المبادرة العربية للسلام”، أو مخاطبة الداخل الإسرائيلي والترحم على رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، إسحاق رابين، أو الشكوى من تحيز الدور الأميركي لإسرائيل، وعدم قبول الفلسطينيين بها وسيطاً وحيداً في المفاوضات مع إسرائيل، أو تغير مواقف الرئيس دونالد ترامب، نتيجة نصائح من فريقه التفاوضي… إلخ.
جوهر التحدّي أمام الدبلوماسية الفلسطينية ينبع من ثلاثة جوانب: “انكشافها” أمام أعدائها وخصومها، وتفريطها بأوراق قوتها و”رمزية” قضيتها، و”تخليها الطوعي” عن القرارات الدولية والمرجعيات القانونية، وأخيراً ممارستها سياسة “انتظار وسكون” طويلة الأمد، في مواجهة عدوٍّ يحسن استخدام الوقت في استكمال مخططاته الاستراتيجية.
وفي سياق البحث عن مخرج من المأزق الفلسطيني الراهن، يجب العمل على استعادة زمام المبادرة بيد الشعب الفلسطيني، لتمكينه من إطلاق انتفاضة شعبية شاملة.
وعلى الرغم من استبعاد خيار أن “تحل” السلطة الفلسطينية نفسها، فلا يجب أن تتغافل القيادة  الفلسطينية عن أن استمرارها في “نهجها التفاوضي” سيؤدّي، لا محالة، إلى “انتحارها سياسياً”، بما يُفقدها أي درجةٍ من الشرعية في نظر شعبها، بعد أن اختُزلَت مهامها إلى “حكم ذاتي محدود”، يزيح عن إسرائيل تحمّل عبء السكان الفلسطينيين، مع تمكينها من ضمّ ما تشاء من المستوطنات والأراضي إلى مشروعها الكولونيالي العنصري.
يبقى القول إنه لا أفق حقيقياً أمام الدبلوماسية الفلسطينية، إلا بالخروج من نفق “أوسلو”، وإعادة بناء القدرات الذاتية في إطار “نهج مختلف”، يرتكز على التأسيس لانتفاضة جديدة، مع ترميم البيت الفلسطيني ومؤسسات منظمة التحرير، وتفعيل الحوار الوطني فوراً، والابتعاد عن تكتيكات توظيفه والعبث به، والاستخفاف بقيمة الوحدة الوطنية، وصولاً إلى بلورة استراتيجية وطنية جديدة، تستبطن دخول شعب فلسطين، بأضلاعه الأربعة: غزة، القدس والضفة الغربية، فلسطينيي 48، فلسطينيي الخارج، مرحلةً جديدة من “إدارة الصراع”، ضد الاحتلال الإسرائيلي. أما التصعيد الدبلوماسي/ الخطابي، واللجوء إلى مجلس الأمن الدولي فلن يفيد كثيراً، ما دام الوضع الفلسطيني الداخلي مأزوماً، وقل مثل ذلك عن الذهاب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان ومحكمة الجنايات الدولية، وغيرها من المؤسسات.
وعلى الرغم من استحكام “المأزق الفلسطيني”، ثمّة ثلاثة عناصر يمكن أن تسهم في إيجاد الحلول: اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، وتعزيز مسار الموجة الثانية من الثورات العربية، ولا سيما في الجزائر والعراق (بسبب حجميهما وتأثيرهما العربي الواسع)، وبلورة تصوراتٍ نظريةٍ فلسطينية عن “تحالفات رسمية وشعبية جديدة”، وإدراك أهمية مسألة “التشبيك” مع منظمات المجتمع المدني العالمي، المناهضة للسياسات الأميركية، ودعم حركات مقاطعة إسرائيل وفرض العقوبات عليها، وتعزيز حركة التضامن الدولية مع فلسطين، وإيلاء هذا المستوى ما يستحقه من تركيز واهتمام وعمل، لتشكيل رافعة مدنية/ دولية لقضية فلسطين.
باختصار، من دون استراتيجية وطنية فلسطينية جديدة، والقطع مع أخطاء مرحلة أوسلو، لا يمكن الدبلوماسية أن تنجح في تغيير البيئة الخارجية المعادية، بعد أن بلغ المشروع الأميركي الإسرائيلي ذروةً غير مسبوقة في “صفقة القرن”، في ظل تهافت رسمي فلسطيني/ عربي على الالتحاق بهذا المشروع، والتطبيع معه، على الرغم من عيوبه الواضحة لكل ذي عينين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى