صفقة ترامب – نتنياهو .. ما العمل؟
طاهر حمدي كنعان

الجريمة التي ارتكبها الرئيس الأميركي، ترامب، ضد الشعب الفلسطيني، بالدخول شريكاً أصيلاً في جريمة الاغتصاب والاحتلال التي انغمست فيها الصهيونية العالمية، طوال العقود الماضية من القرنين العشرين والواحد والعشرين، هي حلقةٌ في سلسلة الجرائم التي ارتكبتها إدارة ترامب في حق شعوب العالم جمعاء، حين قررت الانقلاب على القانون الدولي، والعودة بالعالم والمجتمع الدولي إلى فوضى شريعة الغاب التي سادت في القرون الوسطى وعهود قبائل الهون والتتار، بما في ذلك التنكّر لاتفاقية المناخ الدولية، والانسحاب من اتفاقية التجارة الشرق آسيوية، واتفاقية التجارة لشمال أميركا (نافتا)، والانسحاب من الاتفاقية النووية سداسية الأطراف مع إيران، إلى غير ذلك، ما يؤكد أن مشكلة أميركا هي مع شعوب المجتمع الدولي ككل، وليس مع الشعب الفلسطيني الصغير فقط.
لذلك، تتطلب مجابهة صفقة ترامب – نتنياهو مقاربة تنطلق من البعد “الماكرو”، الخاص بالطبيعة الكونية لجرائم ترامب ضد شعوب العالم، وربطه بالبعد “المايكرو” الخاص بالجريمة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني الصغير، وكذلك بالبعد المتوسط المتمثل في جريمة الهيمنة على الإقليم العربي، وجواره في غرب آسيا، حيث نجحت السياسة الأميركية في تحويل عدد كبير من أقطار الإقليم إلى دول فاشلة، وفي تحويل الأنظمة الحاكمة في دول أخرى إلى أنظمةٍ تابعةٍ معتمدةٍ على الحماية الأميركية. ولا شك أن هذه الثلاثية في أبعاد المواجهة المطلوبة تتطلب تخطيطاً معقداً طويل الأمد. ومن الظلم الشديد أن يُطلب من الفلسطينيين التصدّي بمفردهم لهذا التخطيط المعقد والطويل الأمد، بل لعل من الظلم أيضاً أن يُطلب ذلك من الشعوب العربية التي غلبتها على أمرها أنظمتها الغارقة في التبعية لأميركا.
يقع عبء المواجهة المطلوبة أولاً على المستوى العالمي، إذ يتعيّن أن ينشأ على هذا المستوى  حراكٌ عالميٌّ تشارك فيه شعوب الدول الكبرى والمتوسطة والصغرى، على نسق ما كان من مد ثوري عالمي بعد الثورة الفرنسية، وعلى نسق الحراك الذي أنشأ الأمم المتحدة عقب مأساة الحرب العالمية الثانية، وعلى نسق تكتل دول العالم الثالث في حركة عدم الانحياز إبّان الحرب العالمية الباردة، وعلى نسق الزخم الدولي ضد التمييز العنصري في جنوب أفريقيا. ومن الممكن أن يكون رأس الحربة في هذا الحراك تكتلٌ دوليٌّ اقتصادي، تقوده الصين وروسيا، لإنشاء نظام عالمي نقدي جديد، يزعزع مكانة الدولار عملة رئيسية للاحتياطي النقدي العالمي، وينشئ نظاماً بديلاً أو موازياً للمدفوعات العالمية، فيُجبر الولايات المتحدة على الكفّ عن تمويل العجز في ماليتها العامة بالاستدانة الممولة باحتياطيات الدولار التي تحتفظ بها الدول الأخرى، كما يحرمها من الآلية الشيطانية التي تفرض بواسطتها على الدول الأخرى تنفيذ عقوباتها الاقتصادية على من تشاء من الدول قسراً وتعسفاً.
أما في الإقليم العربي، فتتمثل المواجهة المطلوبة في حراكٍ شعبيٍ يطالب الحكومات بوقف مهزلة شيطنة إيران، واستبدالها بالعدو الصهيوني، الغاصب الحقيقي للأرض العربية، وحقوق شعوبها والمدمّر لطموحات هذه الشعوب في الحرية والتقدّم والحياة الكريمة، كما يطالبها بالدخول في مفاوضاتٍ جدّية مع إيران، لبناء قواعد حسن جوار إقليمي، وتحالف أمني واقتصادي يصمد على مدى الأيام.
وأما على المستوى المايكرو، الخاص بالأرض الفلسطينية المحتلة في القدس والضفة الغربية وغزة، فالأولوية هي لبقاء المواطنين الفلسطينيين على الأرض، وتشبّثهم بها وصمودهم فيها. على أن تستبدل القيادات الفلسطينية الحالية بقيادات شبابية جديدة، توقف التنسيق الأمني مع الاحتلال بصورة مطلقة، وتتواضع في مظاهر الدولة وألقابها الزائفة الفارغة من المضمون، وتنفذ الخدمات الأساسية للمواطنين، بكفاءةٍ وتجرّد من الفساد، وتنشئ سلوكياتٍ وآلياتٍ تجعل السلطة القائمة بالاحتلال هي من يتحمّل تكاليف استمرار الاحتلال، وتجعل هذه التكاليف باهظة.
وأخيراً لا آخراً، هناك الميدان الداخلي في الولايات المتحدة الأميركية الذي يتعين أن يتحرّك فيه المهاجرون الفلسطينيون والعرب والمسلمون بالتعاون مع سائر المواطنين الأميركيين، لا سيما اليهود فيهم، ممن ثبت تمتّعهم بالإحساس العالي بمقتضيات العدالة والإنصاف، من أجل دعم حركة المقاطعة ووقف الاستثمار والعقوبات (BDS)، وغيرها من المبادرات المناهضة للصهيونية والعنصرية ومطامع الشركات الصانعة للسلاح والمتاجرة به.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى