طالت سنوات فلسطين العجاف
نواف التميمي

في الأول من يناير/ كانون الثاني 1982، وقف قائد الثورة الفلسطينية، الشهيد ياسر عرفات، في الملعب البلدي وسط بيروت، وهو يستعرض طوابير من المقاتلين، قائلاً إنه يرى أسوار القدس في نهاية النفق المظلم، وأطلق على ذلك العام 1982 “عام الجمر والنار والنور والأمل”. لم تمض سوى أشهر قليلة، حتى اشتًعلت نيران ذلك العام مع اجتياح إسرائيلي شامل للأراضي اللبنانية في السادس من يونيو/ حزيران، ولم ينطفئ جمره حتى بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان في سبتمبر/ أيلول منذ ذلك العام. كان هذا الشق الأول من عام الجمر والنار، أما الثاني فعبّر عنه عرفات، عندما أجاب صحافيا كان يرافقه على متن السفينة التي أقلته إلى خارج لبنان، بإجابته، بكل ثقة، عن سؤال إلى أين الآن، يا أبا عمّار: إلى فلسطين… وكان له أن عاد إلى فلسطين بعد 12 سنة. وهكذا كان ديدن أبو عمار كل عام جديد، يلقي خطاباً في الأول من يناير/ كانون الثاني، وهو اليوم الذي يوافق ذكرى إنطلاق حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في العام 1965، ويسمي العام الجديد، بما يراه قادماً من رياح أمل أو عواصف غضب.
ويتساءل المرء، ماذا عسى أبو عمّار، لو كان حياً بيننا، يُسمي عامنا الجديد 2020؟ هل ما زلنا نتخبّط، في جوف النفق الذي رآه “الختيار” قبل 38 عاماً. وهل هناك من الشعب الفلسطيني من لا يزال يرى نوراً في نهاية النفق، أم أننا سقطنا منذ “أوسلو” في نفقٍ لا قاع له. لم يكن ياسر عرفات قارئ فنجان، أو حتى ساحراً يرى المستقبل في كرةٍ بلّورية، بل كان يستشرف المستقبل من معطيات الحاضر، ومع رشّة من الفهلوة السياسية التي امتاز بها، رحمه الله. كان الختيار يخبر رفاقه في القيادة عن رؤياه التي لا يراها سواه. والفرق بينه وبين أقرانه في القيادات الفلسطينية أنه كان يروي رؤياه ويسير وراءها بحدسٍ لم تتمتع بمثله إلا شخصياتٌ استثنائيةٌ مرّت في التاريخ، كما وصفه مرّة خصمه اللدود، صبري البنا (أبو نضال) عندما قال لصحيفة القبس الكويتية، خلال التحضيرات لاجتماعات المجلس الوطني الفلسطيني في نوفمبر/ تشرين ثاني 1988، “ياسر عرفات نوعٌ من الشخصيات الاستثنائية لا يتكرّر في التاريخ إلا مرّات قليلة”.
بكل أسف، قارئ معطيات الحاضر، يمكنه التكهن أن العام الفلسطيني الجديد لن يكون سعيداً كما نتمنّاه. ما زال الإنقسام سيد الساحة الفلسطينية، وما زال في الساحة الفلسطينية من ينصّب نفسه الوصي الوحيد على الفلسطيني ومستقبله، وما زال تغييب الشعب ومؤسساته التمثيلية حتى إشعار آخر. لن يكون عاماً سعيداً إذا ظلّ الفلسطيني ينكمش على الأرض، ويضمحل في الوجود السياسي إلى حد الغياب، بينما تبني إسرائيل، صاحبة الثلاث انتخابات في عام واحد، ديمقراطيتها، وتمدّد وجودها، و تعزّز نفوذها، وترفع وطن اليهود القومي على أعمدةٍ من التقدّم العسكري والتكنولوجي. لن يكون 2020 عاماً سعيداً للفلسطيني، ما لم يشهد بداية بناء البيت الفلسطيني على أسس الوحدة الوطنية، بقيادةٍ وطنيةٍ موحدةٍ تعبر عن الإرادة الفلسطينية، وتقود العملُ الوطني تحت سقف برنامج مقاوم ينخرط فيه المجموع الفلسطيني بلا استثناء أو إقصاء. ما دون ذلك، ستظل 2020 مجرّد سنة أخرى تزيد في رصيد الإحتلال، وتُنقص من حساب قضيةٍ عادلةٍ تتنازعها سلطتان وهميتان، ليس لأيٍّ منهما سلطة، وتقبع كلاهما تحت بساطير الاحتلال.
بالمناسبة، تُميّز اللغة العربية بين لفظي عام وسنة، إذ غالباً ما يستخدم لفظ سنة للدلالة على سنوات الشدّة والجدب، وكم عانى الشعب الفلسطيني من سنوات الشدّة. أما كلمة عام فتشير، في الغالب، إلى أعوام الرغد، والرخاء، وكم يشتاق الشعب الفلسطيني إلى أعوام رغدٍ عاشها قبل كابوس الاحتلال وسنواته العجاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى