طهران.. التريث قبل الانتقام
جمال محمد إبراهيم

(1)
ينشد الشعب العراقي في حراكه تجاوز واقع المحاصصة المذهبية والاستقطاب الطائفي، بحثاً عن خياراتٍ تخرج العراق من أزمته المستفحلة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، إلى براحات حكمٍ رشيد. استهدف بعض الشباب العراقي بحراكهم مقار دبلوماسية وقنصلية للولايات المتحدة الأميركية، في غضبتهم على انتهاك سيادة بلادهم بغارات جوية قامت بها طائرات أميركية على مواقع في التراب العراقي. في واقعة تذكّر باسترهان دبلوماسيين أميركيين في طهران بعد سقوط الشاه رضا بهلوي، ونجاح الثورة الإسلامية عام 1979. هاجم شباب الثورة، وجلهم طلابٌ في عشريناتهم، مقرّ السفارة الأميركية في طهران. ربما كان من بين أولئك الشبان فتىً صغير السن اسمه قاسم سليماني. ذلك جزء من وقائع قصة الرهائن الأميركيين قبل نحو أربعين عاماً.

(2)
تُرى، ماذا أراد الشبان العراقيون الذين اتجهوا إلى المقار الدبلوماسية الأميركية؟ هل أرادوا إعادة السيناريو الذي قاد شباب الثورة الإيرانية قبل أربعين عاماً للاستيلاء على السفارة في طهران، والإمساك بعدد من دبلوماسييها الأميركيين أسرى في مقر سفارتهم 444 يوماً؟ تقول المعطيات الماثلة حالياً، والمتغيرات الموضوعية، إنه من المستحيل إعادة مثل ذلك السيناريو، ونحن في مفتتح العقد الثالث من سنوات القرن الحادي والعشرين. بل إنه لضرب من المستحيلات أن يلدغ الأميركي ثانيةً، وقد حصّن مقر سفارته في بغداد بتكلفةٍ وصلت إلى قرابة نصف مليار دولار.
ولكن الأحداث تجري وكأنها في شريط سينمائي. دبّرت الإدارة الأميركية عملية تصفية قائد فيلق القدس، الجنرال الإيراني قاسم سليماني، يوم 3 يناير/ كانون الثاني 2020، وهو في طريقه خارج مباني مطار بغداد، بزعم أن الرجل يعدّ خططاً لاقتحام السفارة الأميركية في بغداد، وفي ذلك تهديد مباشر لسلامة المواطنين العاملين والدبلوماسيين الأميركيين فيها. تبرّر الإدارة الأميركية فعلها بأن قتل سليماني صار لازماً لإحباط تلك الخطط. ويتساءل المرء مستعجباً، فيما لو كان قتل من وضع تلك الخطة سينهيها ويودي بها إلى الفشل!

(3)
بغض النظر عن تقييمنا دور قاسم سليماني، وما يضمره من عداءٍ لمجمل السياسات الأميركية،
“أيام الحرب الباردة، لو وقع اغتيال شخص في مثل خطورة القائد سليماني، لما سمعنا بتفاصيل مقتله ولا عرفنا قاتله”فإنّ قتل ذلك الجنرال لم يقوّض دور فيلق القدس، أو يحجّم خططه فحسب، بل قوّض، في الحقيقة، دور المجتمع الدولي، وقزّم من إلزاميته، وقذف كلّ مواثيقه واتفاقياته وقوانينه إلى متاهة الإهمال. عملية اغتيال الإدارة الأميركية سليماني جعلت من المجتمع الدولي ضحيةً حقيقية. لقد استخفّت الإدارة الأميركية بمكانة الهيئات والمنظمات الدولية المنوط بها حماية السلم والأمن الدوليين، وأهدرت مصداقيتها. ولعلّنا لا نستعجب من ردِّ الفعل الإيراني الغاضب، إذ فضّل، على النحو نفسه، إغفال أيّ دور يمكن أن يلعبه المجتمع الدولي لنزع فتيل التصعيد، فأعلنت رموزه التي فوجئت باغتيال “رجلها” في الشرق الأوسط، أنها ستنتقم انتقاماً حاسماً لمقتله.

(4)
أيام الحرب الباردة في أواسط سنوات القرن العشرين، لو وقع اغتيال شخص في مثل خطورة القائد سليماني، لما سمعنا بتفاصيل مقتله ولا عرفنا قاتله، إذ يقوم بتلك العمليات عادة جواسيس ورجال مخابرات وأشباح، أشبه بما كنا نتابع من أفلام الجاسوسية المصنوعة في “هوليوود”، في سنوات القرن العشرين. لكنا، ونحن في بدايات الألفية الثالثة، نشاهد ونتابع بالصوت وبالصورة، رئيس دولة هي الأقوى في العالم يعلن بملء الفم أنه من أمر باغتيال الرجل. ماذا يمكن أن يتوقع العالم من رئيس أقوى دولة، يقف معلناً أن شعاره هو “أميركا أولاً”، ويتراجع عن التزامات بلاده نحو المجتمع الدولي، فلا اليونسكو ولا قضايا الهجرة واللاجئين، ولا مشكلات المناخ وسواها من موجبات التعاون الدولي، هي من أولويات اهتمامه، إذ “أميركا أولاً” ولا شيء سواها.

(5)
ولكن، لننظر إلى صورة ذلك الرئيس، وما يحيط بها من مهدّدات تركته قاب قوسين أو أدنى
“ترامب أحدث شرخاً يصعب رتقه بين الحزبين اللذين تداولا سلطة إدارة الولايات المتحدة منذ تأسيسها”من إطاحته وعزله من رئاسة الولايات المتحدة الأميركية. تداول السلطة في الساحة الأميركية بين الحزبين، الديمقراطي والجمهوري، انقلب، في عهد ترامب، إلى صراعٍ شرسٍ بين الحزبين، تتخلله ضرباتٌ فوق الحزام وأيضاً تحت الحزام، كما يقال. للمرّة الأولى، ينقسم الأميركيون إلى فئتين متقابلتين، تتربّص كلٌّ منهما بالأخرى. صحافة منقسمة على نفسها. إعلام نصفه مع الرئيس والنصف الآخر ضده. رئيس أميركي أحدث شرخاً يصعب رتقه بين الحزبين اللذين تداولا سلطة إدارة الولايات المتحدة عقوداً طويلة، بل منذ تأسيسها. وصل الصراع والتلاسن بين الرئاسة في البيت الأبيض والأجهزة التشريعية والإعلامية إلى درجةٍ غير مسبوقة في تاريخ الولايات المتحدة. وعلى الرغم من ذلك، يسعى ذلك الرئيس، بل يحفر بأظافره، ليخرج من الجبّ الذي سقط فيه بشعاره الأخرق: “أميركا أولاً”، فيتحلل من سقطاته الكبرى، أو يجد طريقاً يبقيه رئيساً فترة ثانية. ولكن من يثقَ بحسن اختيار الناخب الأميركي رئيسه، إذ السياسة الداخلية في الأغلب، وليس السياسة الخارجية، هي التي ستحسم الانتخابات الرئاسية المقبلة؟

(6)
ظلّ الاستعصاءُ الماثل في ملف العلاقات الأميركية الإيرانية دائراً حول ثوابت لا يختلف حولها
“لن تقدم طهران على فعلٍ قد يستغله ترامب لإنجاح حملته الانتخابية” مع أجهزة الدولة التشريعية من في البيت الأبيض، جمهورياً أو ديمقراطياً، إلا في التفاصيل غير الرئيسة. إذا رأى الديمقراطيون في الكونغرس أن إقدام ترامب على إصدار قرار إعدام القائد الإيراني، والذي تعدّه بعض الدوائر الإيرانية منافساً محتملاً لتولي رئاسة الجمهورية الإسلامية في إيران، هو بمثابة نيته إعلان الحرب ضد إيران، فإن إبلاغ الكونغرس بتلك النية يكون أمراً ملزماً على الرئيس، وفق الدستور الأميركي في مادته الحادية عشرة.
تمتلك طهران، وإن أفصحتْ عن نيّتها الانتقام لمقتل سليماني، قدراً من الحصافة وحسن التقدير، فلن يكون ردّ الفعل الإيراني، في رأي أكثر المراقبين، متسرّعاً، إذ تراهن طهران على تطورات الأوضاع السياسية الداخلية في الولايات المتحدة، والتي قد تفضي، في أبعد التوقعات، إلى عزل الرئيس نفسه، وهو الذي أمر بقتل المسؤول الإيراني الأخطر قاسم سليماني. لن تقدم طهران على فعلٍ قد يستغله ترامب لإنجاح حملته الانتخابية، بل الأرجح أن تنتظر ما ستسفر عنه معركة الديمقراطيين المحتدمة لعزله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى