عام جزائري
معن البياري

شيءٌ من حيصَ بيص يعترض المعلّق في شأن الجزائر، بمناسبة اكتمال عام على مسيرات الحراك الشعبي فيها، ذلك أن أي زاويةٍ للنظر في الذي استجدّ في غضون هذا العام ستُصادف غابةً من الوقائع والمعطيات في خصوصها، فالذي شهده البلد الأكبر عربيا (38 مليون نسمة)، بتأثير فاعلٍ ووازنٍ لتلك المسيرات كثير، ويحتشد بحُزم غزيرةٍ من الدروس. ولأن هذا هو حال العام الجزائري، فإن الأيسر للمقاربة، والأدْعى ربما للالتفات إليه، هو أن شعبا عربيا استطاع، بوجودٍ عقلٍ حاكمٍ في السلطة غير مرتابٍ منه، أن يستردّ مساحاتٍ غير هيّنةٍ من المجال العام إلى حيّزه، فأجبر نظام الحكم، أو على الأصح المكوّن الأقوى والأكثر قدرةً في هذا النظام على الحسم، على الالتقاء معه في كثيرٍ من مطالبه. ولذلك، ليس إنشائيا، أو احتفائيا متحمّسا، القول إن وعيا بالسياسة، ناضجا إلى حد بعيد، تولّد في الجزائر في العام المتحدّث عنه هنا، وهو وعيٌ متجدّد، حيوي، يشتبك مع أسئلة الواقع وتعقيداتِه، ومع أجنحة السلطة ودواليبها، بتمرينٍ يوميٍّ يعينُه على اكتشاف مواطن القوة لديه، وكذا مواضع اختبار مساحات المُراد والممكن، المأمول والمتاح. ولذلك، في عالمٍ عربيٍّ تعيس، وفي غضون انتكاسةٍ داميةٍ أرادها جنرالات الثورات المضادّة ومموّلوهم في غير بلد عربي، يحسُن النظر إلى منجز شعب الجزائر، منذ فبراير/ شباط 2019، بمقادير من الفرح، سيّما وأن هذا المنجز، ولو رآه بعض الجزائريين متواضعا، ورآه غيرُهم ليس قليلا، يُثبت أنها لم تكن ضد الدولة، ولا مع ضياعها، حناجرُ الشباب العربي (70% من سكان الجزائر دون سن الثلاثين) عندما تهتف ضد الاستبداد، وضد تزبيطات الدساتير وولايات الرئيس الممدّدة إلى ما شاء الله، وضد الفاسدين وأصحاب النفوذ من العصابات الحاكمة، ومن أجل عدالةٍ اجتماعية، وحقوقٍ معيشيةٍ أفضل.
كل الحق مع الجزائريين الذين يجهرون إن أوضاعهم المعيشية، وأحوال بلدهم الاقتصادية، لم تتحسّن، بعد حبس 18 وزيرا سابقا، وعشرة جنرالات سابقين، و25 رجل أعمال، ومئات من الموظفين الرفيعين، وقد حوكم بعضُهم، وآخرون ينتظرون، بتهم فسادٍ ونهبٍ واستغلال نفوذ وغيرها. لم يتغير شيءٌ ملموس، فلم تتناقص البطالة، ولا انخفضت الأسعار، ولا نهضت الصناعاتُ المحلية، ولا ارتفعت الرواتب. كل الحق مع أصحاب هذه الشكوى، سيما وأن السياسات الاقتصادية العشوائية، والطابع الريعي للدولة، والخلل الظاهر في البلاد في تحقق العدالة الاجتماعية، كانت قد أشعلت، في غضون الربيع العربي، مظاهراتٍ ساخطةً، وصارت تلك المفاعيل (وغيرها) لاحقا من أهم دوافع المنتفضين على ولايةٍ خامسةٍ للرئيس عبد العزيز بوتفليقة، استطاعوا منعها، بعد أن تخفّفت قيادة الجيش من ارتيابٍ متعجّلٍ بحراكهم، قبل أن تلتقط هذه القيادة اللحظةَ ببصيرةٍ حكيمة، تُحسب لا ريب للراحل الجنرال أحمد قايد صالح، والذي كان لسلطته النافذة في الحكم والدولة الأثر الأهم في منع إطلاق رصاصةٍ على أي متظاهر، ما جعلنا في المشرق العربي المتصدّع نغبط إخواننا الجزائريين على ما حظي به حراكُهم، منذ الجمعة الأولى، بما حُرم منه سوريون وعراقيون ويمنيون وليبيون ومصريون، مات آلاف منهم في الشوارع والميادين قتلا، وتعذيبا في السجون، عدا عن التهجير الذي نشاهد.
للرأي الآخر وجاهتُه، لدى جزائريين ليسوا قليلين، نظروا إلى انتخابات 12 ديسمبر الرئاسية مرتجلةً وسابقةً وقتَها. ولكن ثمّة الآن رئيسٌ منتخبٌ للدولة، اسمُه عبد المجيد تبون، كان قد أقيل من رئاسته الحكومة صيف 2017، بعد ثلاثة أشهر من تعيينه، لمّا قال كلاما عن ضرورة مكافحة الفساد، وعن فكّ الارتباط بين المال والنفوذ السياسي، وعن رجال أعمالٍ غير نظيفين. الرهانُ كبيرٌ جدا على الرجل، وعلى الحكومة التي اختارها برئاسة الإصلاحي، عبد العزيز جراد، لإحداث انعطافةٍ بالبلاد، تُقنع الجزائريين بأن مسارا تنمويا وخياراتٍ اقتصاديةً أخرى وسياساتٍ محليةً جديدةً ستُسعفهم، وتأخذهم إلى أمانٍ اقتصاديٍّ ومعيشي يشتهونه. ولا يتعالم واحدُنا على الحراكيين في البلد الذي نحبّ، لو قال إنهم مطالبون اليوم بالانتقال إلى حوار مع الحكومة والرئاسة بشأن برامج عاجلةٍ من أجل الحدّ من آثار المعضلة الاقتصادية الماثلة في بلدهم، ذلك أنها حسنةٌ لا شك، وعود الرئيس بتعديلاتٍ في الدستور، وبإقامة المحكمة العليا للدولة، لكنها قد لا تجد من يستقبلها باكتراثٍ، إذا لم تترافق مع إصلاحاتٍ هيكليةٍ في الاقتصاد، تنقذ عجلة التنمية الملحّة في البلاد.. وفي كل الأحوال، أهل مكّة أدرى بشعابها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق