عجز النخبة الفلسطينية المعارضة
سمير الزبن

لماذا تبدو النخبة المعارضة من خارج الفصائل في الساحة الفلسطينية مشلولة وبلا تأثير، مجرّد أشخاص يكتبون مقالات ودراسات هنا وهناك، ويبقى كل شيء على حاله من دون تغيير؟ هل يعود ذلك إلى تحكّم القيادة الفلسطينية أكثر مما نعتقد، أم إلى شتات النخبة الفلسطينية الموزّعة على قارات العالم؟ هل يعود إلى عامل موضوعي يشل قدرتهم على التأثير، أم إلى عامل ذاتي، بوصف النخبة المعارضة غير متبلورة في تجمّع سياسي؟ هل يعود ذلك إلى أن النخبة منفصلة عن البشر، أم إلى استعصاء المشروع الوطني الذي يبدو لا مخرج له، على الرغم من كل الجهود التي تبذل للبحث عما يعيد إحياء المشروع الوطني؟

تدور أسئلة كثيرة في الموضوع، والتي لا يمكن الإجابة عنها كلها في هذه العجالة. ستحاول هذه المقالة النظر إلى الموضوع من زاوية محدّدة، لإضاءة هذه المسألة التي تبدو، في أحيانٍ كثيرة، غير مفهومة.

لأحدّد أكثر المقصود بالنخبة المعارضة في الساحة الفلسطينية، أقول، هي النخبة الفلسطينية المعارضة من خارج الفصائل الفلسطينية للسلطتين الفلسطينيتين وسياساتهما. وهذه بدورها تنقسم إلى قسمين: الأول، القسم الذي يرتبط بالسلطة وظيفياً وليس حزبياً، سواء كانت هذه الوظيفة فعلية، أي أنه يمارس وظيفة بمهمات عمل، أم هي وظيفة مالية، أي أنه يجلس في بيته ولا يمارس مهمات، ويتقاضى راتبه كاملاً وكأنه على رأس عمله. هذا النموذج موجود بشكل رئيسي في الضفة الغربية وقطاع غزة، ونراه على مستوى أقل في الخارج. الثاني، وهو الذي لا يرتبط بالسلطة أو بسلطة حركة حماس مالياً، ولا يشغل مناصب في السلطة، وهؤلاء ينقسمون إلى قسمين: الأول، يملك استقلالاً مالياً بحكم طبيعة عمله، كأن يكون أستاذاً جامعياً أو يعمل في مؤسسة بحثية غربية أو طبيباً، وهذا القسم يملك دخلاً لا يتأثر برأيه السياسي. والثاني، من يعمل في الكتابة، من دون أن يكون مرتبطاً بالسلطتين، ومشكلة هذا القسم أنه مضطر لأن يكتب في صحف ومنابر غير فلسطينية، للتعبير عن انتقاداته الوضع الفلسطيني.

كل هؤلاء محكومون بسقوفٍ لا يمكن تجاوزها، سواء كانت سقوفاً مرئية، أم سقوفاً زجاجية، غير مرئية لكنها موجودة فعلياً، بمعنى أنهم محكومون للضوابط التي تفرضها الصحف والمنابر التي يكتبون لها، حتى أولئك الأكثر استقلالاً بالمعنى المالي، محكومون بهذه السقوف، عندما يلجأون إلى هذه المنابر للتعبير عن رأيهم في الحال الفلسطيني.

وبالدخول في تفاصيل كل فئة من الفئات أعلاه، نجد أن الفئة الأولى قد استفادت من السلطة الفلسطينية والتي نتجت عن اتفاقات أوسلو التي يجمع الكل على انتقادها، لكن هذه الانتقادات تبقى محكومةً بعدم المسّ بمصالحهم، وحتى عدم المسّ بالسلطة بوصفها رب عملهم. الفئة الأكثر استقلالاً من أساتذة جامعة وأطباء وعاملين في مؤسسات بحثية وغيرهم، يأتي هؤلاء من عالم آخر، ويتحدّثون عن قضايا تبدو خاصة بالنخبة ذاتها، أكثر منها تمسّ الجموع. الفئة الأخيرة، وهي التي تعيش الحالة الأكثر مأساوية، والتي يعتمد دخلها الأساسي على عملها الكتابي، في وقتٍ تطمح إلى أن تكون صوتاً مسموعاً في الساحة الفلسطينية، تصطدم بأجندة الصحف والمنابر التي يكتب لها، أو مجلود بتحصيل دخله ليستمر في الحياة، وهذا الدخل مهدّد في كل وقت.

إذا أردنا جمع هذه التفاصيل، لنعرف واقع الحال، نستطيع القول إن الوضع الفلسطيني بالجملة والمفرق مرهونٌ لعوامل من خارجه، بما فيها قدرة نخبته على التأثير فيه. بكلام آخر، تفتقد التجربة الفلسطينية المؤسسات المستقلة التي تجعل القدرة على التأثير في واقع حالها وتغييره يكاد يكون معدوماً، وإذا كانت الحالة الفلسطينية قد حافظت على هامش استقلاليةٍ في اللعب على التناقضات العربية العربية، خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات، إلا أن هذه الهامش قد انعدم تماماً مع توقيع اتفاق أوسلو الذي حكم السلطة الفلسطينية بالمانحين. هذا الواقع، جعل السلطة الفلسطينية مرهونةً للاحتلال من جانب، وللدول المانحة من جانب آخر، وهو ما أفقد الفلسطينيين حتى الهامش الذي كانوا يناورون به قبل “أوسلو”. وهذا الهامش لم يضيق على السلطة فحسب، بل ضاق أيضاً على النخبة المعارضة من خارج الفصائل.

المسألة الأخرى الحاسمة في تكوين معارضة تملك القدرة على التأثير هو تحويل الأصوات النقدية المنفردة هنا وهناك إلى تيار وطني عريض، وحتى تتحوّل هذه الأصوات إلى تيار فاعل عليها أن تملك مشروعاً بديلاً للواقع القائم. كل الانتقادات الفردية بقيت فردية، وحتى بعض المحاولات لتجميع هذه الأصوات النقدية في تيار نقدي سياسي فكري، من أجل تأثير أكبر، جاء تجميعاً لعدد من المثقفين، ولكن تجميع عدد من المثقفين الوازنين وغيرهم لا يجعل من هذا التجمع حاملاً مشروعاً وطنياً بديلاً قادراً على قيادة الوضع في اتجاه مختلف، خصوصاً عندما يتم التدقيق في هذا التجمع أو ذلك، فلا نجد أي فكرة ناظمة للمؤتلفين فيه، وأصبحنا نرى الأسماء تتكرّر هنا وهناك، وكأنهم يخافون أن يصبح تجمعٌ ما لا يضم أسماءهم مركزياً في غفلة منهم. يمكن القول إن هذه التجمعات ينطبق عليها ما يقوله إخوتنا المصريون عن الحالات غير المتجانسة، “سمك، لبن، تمر هندي”. طبعاً ليس مطلوباً من هذا التجمع أو ذاك أن يتفق على التفاصيل، إنما أن يكون هناك ناظم عام، ينطوي أي خلاف في وجهات النظر ضمنه، وهذا لا يتوفر في أي منها، وجميعها تعاني من تضخم أنا مرضية للـ “المثقف النبي”، كما يعتقد أغلب مثقفينا أنهم ينتمون لها النوع من المثقفين مالكي الحقيقة.

للأسف، المعارضة غير الفصائلية ليست أحسن حالاً من الفصائل نفسها، كل الميزة التي تتمتع بها هذه النخبة هي ادعاء الطهارة، على الرغم من أن هذه الطهارة ليست حقيقية عند كثيرين إذا ما نظرنا وراء الأكمة. إنه الخراب الشامل. لا أعرف إذا كان هناك وصفة يمكن أن تخرج هذا الواقع المأساوي والإشكالي من حاله البؤس التي يعيشها، لكن ما أنا متأكد منه أن النخبة القائمة، بكل طيفها، أعجز من أن تقوم بالمهمة، وأنا منهم طبعاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى