عشرون عامًا في معتقلي، ونسيم فلسطين!

الأسير #ياسر_أبوبكر
رئيس #مركز_دراسات_الحرية_للأسرى
ماذا تتوقعون من أسير بعد 20 عامًا من الظُلمة المنهكة، وقهر النفوس المتمردة، وترقب الفرج على مدار اليوم والساعة والدقيقة؟
وماذا تتوقعون أن يقول أسير يتنقل بين زنزانة وأخرى؟
ماذا تتوقعون والروح ترفرف في اللامكان؟
يعيش الأسير بلا قرار متنقلًا من معتقل وآخر فيما يجعله على الدوام بين الظلمة وعتمة النفوس في قلق العبور، وبعثرة للمشاعر التي لا تكاد تستقر جزئيًا، حتى يتم استفزازها بحالة اللاستقرار التي يعمد السجان على إسقاطها في النفوس.
ماذا تتوقعون بعد الأعوام العشرين من الاعتقال أن يقول السجين؟
ماذا يقول المعتقل الواقع بين يدى خبراء تحطيم الذات الانسانية، واحتقارالانسان، أساتذة تدمير العقل وإسقاط القيم؟
قلق المكان يثور مع الانحشار في زاوية، وقلق النفس يكبُر.
وماذا ترون في الهيكل العظمي روحيًا…
عندما تنسلّ منه الكثير من العواطف…
تلك التي كانت تنساب بشكل طبيعي فيما مضى…
العواطف التي لتكاد تختفي، أو تظهر كعاصفة في حالات محددة:
من الحزن
أو الغضب
او الفرح المسروق.
نحن المعتقلون في بلادنا فلسطين في عتمة الاحتلال نعيشُ في داخل أسوار دولة فلسطين تحت الاحتلال، في حالة متصلة من الترقب للشر والظلم الدائم.
نعيش في حالة مستمرة من الحذر، وفي حالة دائمة من الألم، فما بالك أن تعيش في سجن داخل سجن!
في سجن جغرافيا الدولة المحتلة والتي تطالب بحقها واستقلالهما من المهاجرين الذين احتلوا كل البلاد، وزوّروا التاريخ من جهة، وظلوا ممسكين بذاكرة الاجيال يتوهمون إعادة تطويعها لروايتهم الاسطورية
ما بالك بمن هو في سجن جغرافيا الدولة الواقعة تحت الاحتلال!
ثم في سجن المحتل العنصري داخل الأخماس الأربعة من مساحة فلسطين في الشق الثاني من البرتقالة!
في شتى المعتقلات المتوزعة في فلسطين من الشمال الى الجنوب.
وأنا أدخل العام العشرين في المعتقل!
تهيج في داخلي الذكرى.
كما الألم والامل.
وهذه الثلاثية تعمل متكاملة على تثبيت وتطوير الشخصية الفردية، وبالعمل الجماعي تعيد تركيب المسار بالاتجاه المطلوب.
عشرون عامًا من الاحتلال وداخل المعتقلات، ونحن نرقُب من طاقة الفرج خروج كل أسير بالفرح والأمل.
الفرح للأسير المحرر لأنه خرج من السجن الصغير الى السجن الكبير سجن كل البلد المحتلة….
ولكنه الاتساع والرحابة النسبية مجال للفرح رغم كل شيء.
ومع الفرح المرتسم في صورة خروج كل أسيرمحرر تتألق حالة الأمل التي نختزنها في صدورنا.
نحن العرب الفلسطينيون عامة ونحن المعتقلون خاصة
بلا الأمل هذا لن نستطيع أن نتواصل في تعاطي الحياة
أوالعزف على أوتار النضال والجهاد
وأداء صلاة الفجر.
عشرون عامًا في الظلام والعمى…
ولكن بصدور ممتلئة بالفخر والقوة.
عشرون عاما في القلق…
القلق الذي ينثره الاحتلال في كافة الارجاء ممهدًا لقتل الارواح وسحق القيم وتعذيب المباديء حتى تصبح قليلة الفعالية في دعم كوامن الصمود في القلوب والأرواح.
عشرون عاماً ونحن في أسر الآخر القادم مهاجرًا مستعمِرًا لوطننا فلسطين.
لم يكتفِ المحتل العنصري (الابارتهايدي) بعذابات أولئك الذين سحقتهم النازية ليعود لممارسة ذات الدور الإرهابي والفاشي، وكأن التاريخ يعكس ذاته ليجعل من الضحية قاتلًا مجرما محتلًا؟
عشرون عاما ونحن نقاوم…وسنظل حتى النصر.
وأنا شحصيا في عشرينيتي بالمعتقل التي تصادف اليوم
لم أملّ التفكّر والعمل
التفكّر من زاوية انحشاري في الزنزانة الاحتلالية
والعمل كإسعاف للجسد، والروح ووقف النزيف الذاتي والجماعي (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105 التوبة)
أدركت أهمية الإيمان الكامن، وأن هذا هو وقته الثمين ليظهرفي الأسر.
نثِبُ على أقدامنا عندما يظهر الإيمان جلياً
ويبرز طافيًا على سطح الروح
وفي وضاءة الجبين.
الإيمان الوثّاب يجعل من الجسد والعقل والقلب… عاصفة
الإيمان الذي لا يتزعزع شكّل لي -ولكل الأسرى المتزنين- بوابة الانطلاق
وبوابة البِشر
ومفتاح الثقة بالله سبحانه وتعالى
وبعدالة القضية
وبالفرج…والنصر
لا يكون الفرج ولا النصر إلا مع تصاعد الأنفاس…
ومع طرد الهواء العطن داخل الزنزانة بدفقات نسيم فلسطين العطِر
لا يكون الفرج ولا النصر إلا مع الأنسام الخارجه من فم أمي حين تقول: ياسر.
عشرون عاما مرت…
ونحن رغم الأرق والقلق وإفراط التفكير وعتمة السجن نعيش في صدورنا كما عاش الإمام ابن تيمية في صدره حيث جنّته.
في معتقلنا نؤمن ونحلم ونقلق ونقاوم.
نرسم حالة القدوة في النضالية والثورية والرسالية
نجد منهج الرسالية مع الأنبياء كافة، وعلى رأسهم صاحب الختم الاخير مع محمد صلى الله وعليه وسلم.
ومن الرساليين في المعتقلات كانت النماذج الكثيرة منذ الأسير الاول محمود بكر حجازي الى أبوعلي شاهين وفاطمة البرناوي وفي كل من يزاملوننا السجن هذه الأيام.
عشرون عامًا في السجن!
ولست نادمًا على حبي لفلسطين.
كل فلسطين التي سيكون تحريرها على أيدينا جميعًا بإذن الله.
وعشرون عاماً ولست نادما على إمساكي بالمحراث لأشق طريقي في أرض الأجداد منذ ما قبل التاريخ.
شققت طريقي مع قبائل العرب الكنعانيين واليبوسييين والفلسطينين الذين وطأت اقدامهم البلد من آلاف السنين…
استقروا فألبسوني رداءهم الذي أسير به اليوم، رغم الغزاة العابرين في التاريخ الذين مروا وما استقروا.
عشرون عامًا وفلسطين مازالت شمسنا التي تضيء سماء الدنيا.
وإنا لمنتصرون.
الأسير ياسر ابوبكر
رئيس #مركز_دراسات_الحرية_للأسرى

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى