عقوبة الإعدام بين حق الحياة وأمن المجتمع
د. سعيد الشهابي

د. سعيد الشهابي

ما الفرق بين تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المعارضين الذين تتهمهم أنظمة الاستبداد بـ «التمرد» تارة و«التخريب» ثانية و«الإرهاب» من جهة ثالثة، وقتل المحتجين بالرصاص الحي؟
من المؤكد أن الفرق ليس جوهريا، بل إنه فني في أغلب الأحيان. ففي الحالة الأولى يدعي الحاكم أنه أمر بتنفيذ حكم الإعدام تطبيقا لـ «القانون» وقد يقر البعض ذلك الادّعاء. أما في الحالة الثانية فيكاد يتفق الحقوقيون أن القتل بالرصاص أثناء الاحتجاج يعتبر «خارج القانون». وفي الحالين، في نظر الحقوقيين المستقلين يعتبر القتل غير مشروع، وإن تذرع الحاكم بالقانون. فتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة عن محاكمات تفتقر للمعايير المتوافق عليها للعدالة يعتبر قتلا خارج القانون، حتى لو صدر الحكم عن «قضاة» ونفذه موظفون رسميون .
في العقود الاخيرة توجه أغلب الدول الغربية نحو رفض أحكام الإعدام باعتبارها في نظرهم تمثل «ذروة القسوة» حيث يُسلب الإنسان روحه التي هي سبب حياته، ويعتبر حرمانه من الحياة سلبا لأهمّ حق توافق العالم عليه خصوصا بعد إقرار الإعلان العالمي لحقوق الانسان قبل قرابة ثلاثة أرباع القرن مؤكدا «حق الحياة».
وثمة لغط واسع في الأوساط الحقوقية والقضائية الإسلامية التي تعتبر القتل عقوبة مشروعة لمن يزهق أرواح الآخرين بدوافع إجرامية. وقد توافقت الأمم السابقة منذ بدء كتابة القانون على مبادئ ذكرها القرآن الكريم منسوبة للأمم السابقة، وأقرّ أغلبها:
«وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أن لنَّفْسَ بِ لنَّفْسِ وَ لْعَيْنَ بِ لْعَيْنِ وَ لأَنفَ بِ لأَنفِ وَ لأُذُنَ بِ لأُذُنِ وَ لسِّنَّ بِ لسِّنِّ وَ لْجُرُوحَ قِصَاصٌ».
ولذلك فمن الناحية الدينية لا يحق لأحد إنكار عقوبة الإعدام كواحدة من أحكام الشرائع السماوية.
وقد خطا الفقهاء والقضاة خطوة مهمة في هذا الجانب، بإعطاء أقرباء ضحية القتل الإجرامي الحق في العفو عن الجاني، أي عدم قتله. وكثيرا ما تم وقف تنفيذ الحكم في الساعات الأخيرة قبل تنفيذه. بينما لوحظ كذلك أن الحكام المتهمين بالاستبداد لديهم شهية مرتفعة لقتل معارضيهم، سواء خارج القانون (بالتعذيب أو استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين) أم ضمن «القانون» الذي كثيرا ما يفتقر للعدالة الحقيقية ويتماهى مغ رغبات الحاكم.
وهكذا تصبح العدالة على رأس ضحايا حكام الظلم والاستبداد في عالم اليوم. فما الفرق بين قتل الأبرياء بالرصاص الحي أو التعذيب أو الاعتداءات الجسدية الممنهجة أو تعليقهم على المشانق؟
وبرغم أن «إسرائيل» لم تنفذ أحكام الإعدام كثيرا، فإن عدد الذين يقتلون من الفلسطينيين يجعل عقوبة الإعدام أقل وطأة، فلا يكاد يمر يوم إلا ويستشهد واحد من أبناء تلك الأرض المبتلاة بالاحتلال. ويتوقع إقرار قانون جديد أعده زعيم حزب عوتسما يهوديت اليميني المتطرف، ايتامار بن غفير، بشأن توقيع عقوبة الإعدام على المقاومين الفلسطينيين، وينص القانون المقترح على أن «يوقع حكم الإعدام على كل من تسبب في موت مواطن إسرائيلي لدوافع عنصرية، ومن منطلق رغبة بالمساس بأمن البلاد ووجود الشعب اليهودي على أرضه» وفق الصيغة المقترحة.

مطلوب من الأوساط الإسلامية فتح السجال حول هذه العقوبة وحول الأمن المجتمعي والسلم الأهلي في الوقت نفسه
وبسبب تصاعد حالات القتل في العديد من البلدان أصبح الحديث عن الإعدام لاغيا من الناحية الواقعية، إذ أن جوهر معارضة هذه العقوبة الرغبة في حماية النفس الإنسانية، فما دامت هذه النفس عرضة للقتل بأساليب أخرى فلا جدوى من الحديث عن إلغاء العقوبة. فمثلا هناك اثنا عشر شخصا بحرانيا محكومون بالإعدام بسبب معارضتهم نظام الحكم، وأغلبهم استنفد وسائل الاعتراض والاستئناف، وينتظر توقيع الملك لتنفيذ الحكم.
وفي مقابل ذلك فقد أكثر من مائتي شخص حياتهم بعد اندلاع ثورة 14 فبراير، بالتعذيب تارة، واستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين تارة أخرى، او الحرمان من الرعاية الصحية للمعتقلين السياسيين ثالثة.
وقبل بضعة أيام مرت الذكرى الثالثة لإعدام شخصين في المنامة (أحمد الملالي وعلي العرب) بسبب معارضتهما النظام، إذ نفذ فيهما حكم الإعدام في 27 يوليو 2019. وهناك حملة دولية لمنع تنفيذ تلك الأحكام التي صدرت بعد محاكمات جائرة تفتقر لأبسط المعايير الدولية للعدالة. في التراث المسيحي يبدو رسم القديس دينيس مثيرا للاستغراب، وتظهر اللوحات والنحوت قديسا مذبوحا يحمل رأسه بيديه، وتقول الروايات التراثية المسيحية أن هذا القديس الذي كان أسقف باريس عاش في القرن الثالث بعد الميلاد وإنه ذبح مع زميليه، راستيكوس إيلوثيريوس بسبب دينه.
وبغض النظر عن مدى صحة بعض تفصيلات القصة فإنه تعرض للذبح من قبل الإمبراطور ديكيوس بسبب انتمائه للمسيحية. حدث ذلك قبل قرابة ألفي عام. وفي تلك الفترة كان هناك أيضا «شهداء سبسطية الأربعون» في القرن الرابع بعد الميلاد وحسب التقليد الكنسي كانوا مجموعة من الجنود الذين قتلوا بطريقة وحشية بسبب تمسكهم بإيمانهم المسيحي، وذلك قرب سبسطية في أرمينيا الصغرى عام 320 م، فكانوا بذلك من ضحايا اضطهاد ليسينيوس الذي أُعلنَ ضد مسيحيي الشرق بعد العام 316 بعد الميلاد. وهناك إحصاءات كثيرة لأعداد هائلة من المسيحيين الذين اضطهدوا بسبب دينهم، وقتل أغلبهم بأساليب وحشية .
لقد كان إزهاق روح الإنسان من أسهل أساليب التنكيل بالخصوم. يتم ذلك في ميادين القتال، كما يحدث في الساحات العامة بالمدن، حيث يقتل البشر بقرارات فردية احيانا. وبرغم توالي القرون على هذه الممارسة فما تزال تمارس على نطاق واسع.
كيف يمكن إنهاء سياسة قتل المناوئين والخصوم؟ وكيف يمكن استعادة كرامة الروح الإنسانية التي كرّمها الله؟ ثمة منظمات حقوقية عديدة ظهرت في العقود الأخيرة تعمل من أجل إلغاء عقوبة الإعدام على أساس أن الحياة حق أساس للإنسان لا يجوز لأحد سلبه إياه. مع ذلك لم يحسم النزاع حول ضرورة الحفاظ على توازن بين الحق الفردي في الحياة والحق المجتمعي في الأمن الذي تهدده جرائم التوحش والسادية التي تزداد انتشارا. المسلمون لا يعطون أنفسهم الحق بإلغاء عقوبة الإعدام القائمة على مبدأ «النفس بالنفس» ولكن بالإمكان التخفيف منها بالأساليب المذكورة ومنها منح عوائل الضحايا حق العفو عن القاتل.
إن من الضرورة بمكان التمسك بمبدأ كرامة النفس الإنسانية وحق البشر في الحياة وتحريم إزهاق الأرواح. وحتى الآن لا يبدو إلغاء عقوبة الإعدام خيارا عمليا، فبرغم ما يقال عنها فستبقى عاملا رادعا عن الجرائم المروّعة خصوصا القتل العبثي والإجرامي، صحيح أن الدور الأوروبية ألغت عقوبة الإعدام، ولكن دولا كثيرة في مقدمتها أمريكا تمارس عقوبة الإعدام برغم نشاط منظمات تكافح ضد هذه العقوبة مثل منظمة «ريبريف» البريطانية.
مطلوب من الأوساط الإسلامية فتح السجال حول هذه العقوبة وحول الأمن المجتمعي والسلم الأهلي في الوقت نفسه.

كاتب بحريني

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى