عناصر القوة والضعف لأطراف معارك التغيير السياسي بالجزائر.
بشير عمري

بالتوازي مع تواصل مسعى ترويض وتنضيب الحراك من عناصر قواه، تتصاعد وتيرة التطهير الكبير الذي تجريه السلطة الفعلية بداخلها والذي تجليه سلسلة التعيينات والتعديلات في مناصب تتفاوت في أهميته بهرم تلك السلطة الوظيفي، وترافق ذلك من حديث عن إطلاق سراح بعض الأسماء التي كانت محل اعتقال في إطار الصراعات الداخلية واتصالات تكون قد جرت مع بعض من كان مغضوب عليهم من بعض الضالين الذي غادروا مواقع صنع القرار ذخل هاته (السلطة الفعلية) أو غادروا الدنيا هاته كلها، ما دعا المراقبين والمهتمين بالفحص السريري لهاته السلطة لطرح عديد التساؤلات، لعل من أهمها:

هل بتنا أمام حالة استنساخ تجربة التعامل مع أحداث أكتوبر 1988 حين كسرت الانتفاضة الشعبية شكل الأحادية الصلبة دون مضمونها لتكسر فيما بعد هاته الأخير مضمون تلك الانتفتضة (تعددية هشة) دون شكلها؟ أي بالردة على منجزات وباقي ما يؤمل إنجازه من طرف الحراك الشعبي التاريخي؟

Font Awesome Icons

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعي:

إذا سلمنا بهكذا افتراض سنكون بصدد استخلاص جوهر ما بأزمة الانتقال السياسي في الجزائر وهو فكر الارتداد الذي يشكل عنصر من عناصر الخيال السياسي التأسسي لهاته السلطة حتى قبل أن تفقد القدرة على الاقناع الايديولوجي حتى ما قبل الربيع البربري سنة 1980، أي منذ بروز صراع الثنائيات والاأولويات لقديمة (السياسي على لعسكري) و (الداخل على الخارج).

فعلامَ يقوم هذا الفكر (الارتدادي)؟ وكيف يجري توظيفه؟ وهل ثمة من سبل لقوى المعارضة والاعتراض كي تتجاوز قوى تأثيره بما يمنحها فرصة فرض التغيير الذي بات ملحا لانقاذ الجزائر من حالة الثبات داخل مستنقع الازمات المتراكمة والمركبة؟

طبعا كلها أسئلة مركبة وتقود بقصد الاجابة عليها للغوص في عمق جينات هذه السلطة لتحديد شاكلة التفاعل الكيماوي لمكونتها، وهنا تتضح أن بنية التداخل السلبي الحاصلة فيما بين المجتمع والدولة على نمط أبوي هرمي وظيفي هو ما يغذي فكرة الارتداد وقابيلة حصولها في كل مرة يبرز  فيها مشروع تغيير صاعد من قواعد الوعي الجديد، ذلك ولأن هذا الوعي الجديد عادة ما ينطلق وينتهي عن حدود ألم الأزمة ولا ينفذ إلى أسباب ألم الأزمة فإن السلطة توظف حالا في عملية الالتفاف عليه بذلك التلازم الملتبس بين المجتمع والدولة ةوارتباط الشعبوي لا الشعبي، كشعبية الجمهورية، ومؤسساتها كالجيش والبرلمان وغيرها، بوصفها أداة اللحمة الوطنية وحامية وحدتها في حين يسلتزم من الوعي الجديد أن يستهدف أسس الوحدة على مستوى الخطاب كما على صعيد الفكر بعناصر جديدة وهو ما سيقوض الذرائعية الأولى المبررة لبقاء النظام القديم بشكله الأبوي.

المؤسف هو أنه يفوت البعض أننا نعيش فكرة (الكل الأمني) بشكل متواصل مذ استقلت البلاد، و(الأمنية الكلية) هنا ليست ظرفية عنفية كخيار سلطة الاستصال سابقا التي زجت بالدولة والجتمع في حرب أهلية طاحنة طيلة عقد التسعينيات، بل هي وظيفية سياسية تسيطر على زمنية المجتمع وفق أبعدها الثالثة الماضي، الحاضر والمستقبل، إذ خوفا على الوحدة الوطنية يتوجب الاحتراز من تفعيل أي مطلب من المكون التنوعي الثقافي للمجتمع، فتشتغل آلة التحدذير وتطلأق جراس الانذار مفعلة ومفتعلة للتناقضات، وهاته التنقاضات في حقيقة الأمر إنما صارت كذلك ليس بطبيعتها بل بخطاب الوصايا والوطنية المفروضة كفلسفة لسلطة انقلبت على التاريخ وأعادت صياغته وفق مشروعها، نفس ما يُفعل بالتنوع الثقافي يفعل مع التعدد السياسي حيث يُصار في أثناء عملية ترويض الاشراس إلى توظيف الذاكرة (الوطنية المصطنعة) ما يعزز لذا الجماهير حالة الاسترابة من هاته التيارات والاحزاب، بمعنى أنه ثمة قابلية ووعي مضمر للاستعمال وفق نظرية (الكل الأمني) في سيرورة المجتمع الجزائري ما يجدد عمر النظام بتقوية عناصر الارتداد على كل مشروع وحركة تغيير تنشأ أو تثور في المجتمع.

وفي السياق هذا رأينا مؤخرا كيف أن أحزاب وتيارات شكلت في الماضي البعيد الخصم العنيد للنظام ومعارضته لا في شكله بل طبيعته ومضمون تستنكف عن ذلك وتكتفي بالمطالب الانتقائية، كما كان الحال مع الحزب البربري المتطرف التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الذي خرج على الجميع رئيسه الحالي محسن بلعباس في عز معركة الحراك مع النظام من أجل التغيير ليطالب السلطة (النظام مُثار عليه) بضرورة تدريس العلوم باللغة الفرنسية وترقية البربرية في التعليم، مطلب يسر النظام في “كليته الأمنية” إذ يمنحه مبرر ومشروعية البقاء كحام للمجتمع حتى في لحظة قلقه الحراكي التغيير كضامن للوحدة ودارئ لمخاطر الانقسام التي تؤججها المطالب الثقافية وخاصية التنوع التي تطبعها.

يضاف إلى ذلك كله هو أن قوى الوعي التغييري لا تهتم كثيرا بالتموقع المؤسساتي في المجتمع ولا تخوض معاركه الجزئية الهامة التي يحرص النظام عن طريق استراتيجية تثبيت الأبوية  وفق آلية “الكل أمني” على ابقاء هيمنته عليها كالنقابات والاتحادات الأهلية عبر طرق شتى كشراء الذمم والرشوة وغيرها، وظلت هاته القوى شعبية الثائرة في كل مرة عزلاء مجردة من عناصر قوة الانبساط المؤسساتي الوظيفي في المجتمع، فهل كان أحد سيعتقد بقدرة المجتمع البولندي في الثمانينات في تغيير نظام أمني بوليسي عسكري بقيادة الجنرال جاروزيرسكي لولا أن جهاز نقابي سياسي متجدر في الشعب تولى تلك المأمورية؟

صحيح أن الضغط الشعبي ورقة قوة لكنها ليست ورقة حسم، ذلك لأنها قوة في حجمها وضعف في تفاصيلها، فحتى في عز الحراك رأينا كيف حدثت مشادات بين حملة الاعلام والرموز الخاصة، وفي هذه التفاصيل بالذات تكمن قوة فكرة الارتداد على الثورة وإحباط مشروعها، وعليه نحتاج إلى عقل وطني تغييري قوي مستعص عن التفافات الأبوية باسيعابه لعناصر القوة داخل منظومة حكم متلاصقة أو ملتصقة بتعبير أدق بالمجتمع ومتذرغة بتعبير عنه وخدمته وإلا فستؤول كل محاولات التغيير إلى الفشل طلما أن المعادلة تظل على شاكلة فلسفة أرقامها وتركيبها.

بشير عمري

كاتب سياسي جزائري

.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى