عندما يبتسم المخيم (١-٢)
بقلم مهند طلال الاخرس

الو، وينك؟

في المخيم.

وين في المخيم؟

في المطعم..

اوكي، هيني جاي ومعي ضيوف

اهلا وسهلا فيك وفيهم

سلام حبيب

 

وصلنا مدخل المخيم من جهته الجنوبية من عند المركز الفرنسي حيث الشارع الجديد والمخيم الجديد وكل شيء جديد بما فيها ضيفنا الجديد د.عاطف ابو سيف الكاتب والروائي ووزير الثقافة الفلسطيني الجديد.

سرنا في طريقنا الى المخيم وتهادت عجلات السيارة على مهل، اشبع عاطف عيونه من شوارع المخيم، وكان يمعن في الزقاق المتسخة، لكنه كان يمعن اكثر في الزقاق المتشحة بالسواد وخاصة تلك الزقاق التي تحمل جدرانها شعارات خُطت منذ زمن، توقفنا عند احداها والتقطنا بعض الصور، لفت نظرنا سقوط بعض الاحرف عن احد الشعارات، بحيث اصبح الشعار ركيكا وفاقدا لمعناه، لمست مكان الحرف وجدت بأن الجدار كان قد اهترأ كعادة جدران المخيم. قال عاطف: لا بأس، المهم ان هذا الشعار يؤكد بأن المخيم مازال اصل الحكاية، واضاف بان دلالة الشعار وغايته واضحة ، وبالعكس فان الفكرة تصل الى متلقيها مع اهتراء الجدار أكثر…

 

كان الشعار المخطوط على الجدار قوي العبارة والمضمون والايقاع، كانت صيغة الشعار تقول: “كل الارض العربية محتلة… الارض المحتلة” كان هناك ثلاث حروف سقطت بسقوط الجدار عند تلك النقطة، اصابني الفتور وشيئا من الغضب؛ لماذا نحن الفلسطينييون دائما تصعد اصواتنا للسماء ولا تعود بالاستجابة، لماذا نحن الفلسطينييون حتى عندما نخط امانينا على حيطان بيوتنا تميل البيوت نفسها، وفي احسن الاحوال تهترء جدرانها حتى انك تحسبها نسيا منسيا، عاد عاطف وقال لا تجزع، تلك مسيرة متوارثة متعاقبة، يحملها جيل بعد جيل، والمهم الايمان بحتمية النصر وذلك جوهر الفكرة، قلت له أحزنني هذا الحظ وهذا الغياب لتلك الحروف، فلقد اهتز المعنى كاملا، حتى اني اكاد اشك ان هذا الاهتراء ليس من فعل القدر، بل انه من فعل فاعل، وهو نفس ذلك الفاعل الذي يتكلم عنه الشعار. عند تلك النقطة وفي تلك اللحظة حضرت ثلة من الشبيبة في سيارة الحبيب يوسف كتكت، ترجلت واقتحمت الموضوع سريعا، وتابعت الترحيب بالضيف الجديد واخذت مع نفس الجدار بعضا من الصور فلفت عاطف انتباهم الى ان اخينا ابو طلال اصابه الكدر نتيجة سقوط بعض الحروف…

جهاد البريدي في تكريم وزير الثقافة الفلسطيني عاطف ابو سيف

اخذ الجمع الجديد يتحسس الجدار ويتفقد الاحرف الساقطة، فخلص الى نفس النتيجة، بأن الجدار عند تلك الاحرف هو الذي قد تهاوى وتساقط واخذ الاحرف معه ، وكلاهما شتته الرياح.

اخذت عيون يوسف تستطلع المنطقة بحثا عن فكرة بدات تختمر في رأسه، لوهلة شعرنا انه أدرك ضالته واشار برأسه الى رفيقيه محمد الكرمي ومحمد المحتسب واتبع تلك الاشارة بغمزة عين سريعة كنت قادرا على التقاطها وتخمين مغزاها…

عاد عاطف بعد ان تمعن بالشعار وقال: الشبيبة تحرس الفكرة وتوقع الشعارات بإسمها، هذه الشعارات ثمثل قناعات وبرنامج عمل واضاف:  ألكسندر فندت، رائد النظرية الاجتماعية في العلاقات الدولية يقول إنّ 500 سلاح نووي بريطاني لا تقلق الولايات المتحدة، وتقلقها خمسة أسلحة كورية شمالية، لأنّ معنى السلاح وسياقه هو الذي يخلق المعنى؛ ليس كمية ونوع السلاح. تماماً مثل أحاديث أبناء المخيمات، وأغنياتهم الجماعية، وشعاراتهم المخطوطة على الجدران، والتي مع تساقط اي جزء من الجدار يصبح لها معنى آخر ومدلول مختلف. وكثيرا ما يفاجأ الجميع كيف يصبح لأحاديثهم وشعاراتهم واغانيهم معنى إذا وضعتها في سياقها. قاطعته قائلا: هذا ما سترى جزء منه الليلة عندما ترى وتسمع اداء اخوانك الشبيبة في سهرة الليلة، امسك محمد المحتسب بناصية الحديث وقال: سنسمعك اغنيات وطنية خاصة من تأليفنا وتحويرنا ومن وجع الايام فينا ومن سياط القهر المحفور على اجسادنا والباقٍ اثره فينا لا يُمحى ولا يزول، يبقى ويتجدد كلما دب الحنين الى فلسطين.

تدخل عاطف وقال: اعتقد اننا مقبلون على برنامج حافل مع الشبيبة والظاهر ان هناك حفلة غنائية واعدة بانتظارنا، قلت هي كذلك، وتكاتفنا وسارت خطواتنا بإتجاه السيارة بغية اللحاق بموعدنا في المطعم عند اخينا الحبيب عامر العوضات، تباطأ يوسف كتكت ومحمد الكرمي ومحمد المحتسب خلفنا، أضمرت بخاطري ما قد يفعلون، فقلت لهم بعد ان صعدت السيارة انا وعاطف: لا تتاخروا علينا، احنا عازمين حالنا عند عامر في المطعم، اجابوني بعدم القلق، وانهم سيكونون ورائي بالحال.

 

كان ذلك التنبيه من قبلي تأكيداً على انجاز المهمة التي عقدوا العزم على انهائها سريعا…

سرت على مهل بغية السماح لعاطف بإشباع عيونه من حارات المخيم وزواريبه، وبغية اعطاء يوسف كتكت ورفاقه شيئا من الوقت الذي يريدون.

لوهلة شعرت كم هي الحياة صغيرة وكم هو الوقت قصير، غابت الكلمات بيننا، فانتهزتها فرصة لتشغيل مسجل السيارة، اخترت مجموعة من الاغنيات كانت اولها ياراية شعبي المرفوعة لفرقة بلدنا ثم جاء الدور على اغنية فلسطين فلسطين ضياعوك البياعين..للفرقة المركزية، حينها اعاد عاطف عينيه الشاردة في حواري المخيم الى السيارة واخذنا نردد معا تركو النهر لعدانا، مهر دمانا عليهم هان

يشهد الله جراحنا من جراحك يا عمان

عامر العوضات وجهاد البريدي والكاتب

 

فجأة وبدون سابق انذار انفجرنا من الضحك ودون ادنى سيطرة منا على ضحكاتنا، لا بل اكثر من ذلك فقد تركنا العنان لاسباب الفرح ان تخرج كما تريد وبالطريقة التي تحب، كان لكل منا سبب وجيه لهذا الضحك؛ فعاطف استذكر حواري مخيمات غزة وجباليا والبريج … واضاف بتعرف انه احنا زي بعض، اجبته نعم اعرف؛ فأنت ابو طلال وكذلك انا، نظر إلي وصحح مقصده واوضح نحن نشبه بعضنا، قلت له نعم اعرف ذلك، عاد وقال لا لم تفهمني، انا لا اقصد انا وانت، انا هنا اتحدث عن هذه الحواري وتلك الزقاق وذلك الجدران وهؤلاء الشباب، انا اتحدث عن الشبه بين المخيمات وعاداتها وسلوكيات ابنائها، انا اتحدث عن تلك الذكريات التي بنتها فتح تحت هذا الصفيح هنا في البقعة وهناك في غزة والبريج وجباليا والشجاعية… انا اتحدث عن الفكرة وعن اصل الحكاية.

كان في فمه مزيدا من الكلمات لكنه صمت ولم يكمل، فلقد غالبته بعض الدموع وحاولت ان تفر من مخدعها، فغالبها عاطف بنفس عميق وفتح الشباك وانزل نظارته عن عينيه بحجة تنظيفها، فابتسمت واشحت بوجهي عنه واخذت اشرح له عن بعض مناطق المخيم، لم يجب ولم يجارني في الحديث، لم التفت اليه لكني كنت اسمعه يبكي بصمت، قمت برفع صوت سماعات المسجل لاغالب صوت دمعات عاطف المكسورة ولأغطي على صوت يرغول منبعث من سيارة كبيرة “بكم دبل كبينا” وفي ظهرها فتية يدبكون ويتراقصون من الفرح.

 

توقف البكم امامنا في منتصف الشارع، وترجل الفتية وتحملقوا حول السيارة واغلقوا الشارع، وبسرعة الريح تزايد الجمع والتهبت الاحاسيس، وما هي إلا دقائق حتى اصبحنا بين امواج من البشر، كانت السيارات والبكمات من نوع الدبل كبينا ومن نوع الديانا تتقاطر تباعا الى نقطة توقفنا، كانوا وكأنهم على موعد مسبق، كان الجميع فرحا حد الجنون، لم أشا الخروج من اجواء ذلك الفرح، لكن تملكتني الحيرة انا وعاطف عن سبب كل ذلك الفرح، وبتواطىء ضمني وبدون مشاورة ترجلنا من السيارة، فتلك المنطقة تخصني وهذا المخيم مخيمي والكثير من هؤلاء الشباب من معارفي، هذا علاوة على ان هذه المنطقة بالذات يشترك كل من في المخيم بحب اناسها؛ فهي منطقة تشتهر بالبكمات والتنكات، وهي منطقة عامرة ومفعمة بالحيوية، فمعظم نواب المخيم من هذه المنطقة، ومركز بيع مواد التنظيف والخردة وسوق الجمعة، حتى انها الى امد قريب مركز بيع المياه في المخيم واكثر الشوارع ازدحاما بتنكات المياه وباصات المدارس، ومن جديد اختفت تنكات المياه وحلت محلها تجارة جديدة رائجة ألا وهي الملوخية، وبقي ما يميز تلك الصنعتان البائدة والسائدة ان ابطالها من دار ابو السيد الكرام.

الكاتب في مخيم البقعة وتكريم وزير الثقافة الفلسطيني واعضاء المجلس الوطني الفلسطيني

دار ابو السيد من اعلام تلك المنطقة ويمكن تمييزهم بسهولة، فنحن نعرفهم من حجم رؤوسهم، وهذا ما لفت انتباهي من الموجة الجماهيرية الاولى بتلك الحفلة المفاجئة، والتي اسست لشوط الدبكة الملتف، واطلقت العنان لتلك الفرحة التي تغزوه كالنار في الهشيم، كان قائد ذلك الفرح ولويح الدبكة محمد ابو السيد الشهير بلقب “الدودة”، والدودة هذا رفيق الصبا، وسبق ان جلست واياه ذات يوم على مقعد دراسي واحد، لكنه لم يكن يعرف من المدرسة غير حصة الرياضة ولعبة كرة القدم تحديدا، لم يكن يعرف شيئا في الحياة غيرها، اغتنمت الفرصة بأن نازعه احد الفرحين بهياج قيادة شوط الدبكة، فتقدمت منهم بغية نزع الفتيل الذي من المعتاد ان يحصل في مثل هكذا حالات، وعلى خلاف سجيته كان “الدودة” حكيما واغتنم الفرصة وبدأ يعانقني انا والضيف، فجأة وجدنا انفسنا بمنتصف شوط الدبكة والفرح يغمرنا، واخذنا نجاري الشباب المنتشي، واخذ شوط الدبكة يمتد ويمتد، لم تفارق عيني السيارة، وطلبت من عاطف ان يبقي عينه ايضا باتجاهها، اصابتني الغبطة والكثير من الشباب يتقاطرون للسلام عليّ والترحيب بالضيف، لوهلة شعرت بعاطف قد ابتعد عني واصبح بيني وبينه عشرات من الدبيكة، احتارت عيناي بأن تبقى مع عاطف او مع السيارة، وحده جهاد البريدي ابو عاصم ظهر كسنبلة ربيعية فارعة يقطر من سنابلها الندى، اذ إنسل من الصفوف ووقف امام عاطف ورمقني بنظرة مفادها، لا تقلق ايها الحبيب فأنا هنا.

جهاد البريدي ابو عاصم من قلة قليلة في المخيم تحبها في كل الظروف وفي جميع الاوقات، وقد تكفيك صحبته على طول العمر. فاتني ان اقول ان ابو عاصم ايضا من سكان تلك المنطقة وذلك الشارع، لكنه قولا واحد كان ولايزال اجمل واروع ما في ذلك الشارع.

 

عاد “الدودة” الى تولي قيادة الدبكة، بعد ان حاول العرايشة منازعته في ذلك، وكالصوت القادم من اعماق الصدى جاء ابو ياسر، وبدأت القبلات تنهال عليه، فأمثال ابو ياسر عقل “العرايشة” ما أن يلتحق بشوط الدبكة؛ تلتزم الدبكة بأوامره، وتصطف كالعسكر، وتهتز الاكتاف بإنتظار تلك المحرمة التي ما ان تخرج من جيبه وتعلو يده اليمنى حتى ينتظر الجميع التعليمات من لويح الدبكة الحقيقي، ابو ياسر عندما يلّوح بالمحرمة ويده الاخرى على خصره، يريد ان يخبر الجميع ان هذا هو اوان الفرح، فيا سواعد اشتدي ويا ارض اهتزي، فيبدأ كعادته بنظم شوط الدبكة، واخراج المتجمعين بالساحة، ويحمس الجميع بالدوران عليهم والترحيب بهم وبتقديم بعضهم الى اول شوط الدبكة، وتلك اوامر صارمة لا يجادله فيها احد، ولا يقدر عليها في المخيم إلا هو، فالدبكة لديه هواية وغواية وفي حالات اخرى اكثر من ذلك، فأفراح المخيم لا ينازعه احد فيها، وهو ملكها المتوج حبا وعطاء، سمحت لي الظروف ان اتصدر شوط الدبكة خلف ابو ياسر كثيرا وهذا ما تكرر ايضا في هذا الفرح المفاجىء، ومن نافلة القول هنا ان عاطف كان قد ابتعد عني اكثر واكثر، حتى اني اصبحت لا اراه، لكني رايت ابو عاصم فابتسمت، واطمأنيت الى ان عاطف بين ايدٍ امينة.

سمح لي الظرف والهدوء الذي يسيطر على راس الدبكة بسؤال ابو ياسر عن سبب هذا الفرح المفاجيء والجميل والذي ما زال الشباب من ابناء المخيم يتوافدون عليه فرادى وجماعات بعضهم سائرين وبعضهم محملين بالبكمات، قال لي: انظر هناك؛ وكان يشير الى رأس الشارع حيث أعلى نقطة فيه عند دوار العودة، نظرت فوجدت اعلام فلسطين قد بدات بالظهور، ورويدا رويدا تقدمت نحونا جموع غفيرة كانت تهتف بصوت هادر : “الله محييك يا شعب الفلسطيني، الله محييك يا شعب الفلسطيني”، استغربت واستهجنت ما يحدث؛ ايعقل ان تكون مظاهرة ليلية وانا غايب طوشة، كانت الافكار تتزاحم والانفاس تتصاعد والوضع يتعقد اكثر واكثر وعلامات الاستغراب تعلوا وجنتي اكثر واكثر.

تنبه ابو ياسر للموضوع سريعا واخبرني بأن البقعة فاز على الفيصلي، لم تثرني المعلومة، فالبقعة في اخر عشر سنوات تقريبا اعتاد الفوز على الفيصلي وفك تلك العقدة التي لازمته مدة طويلة، لكني فهمت هذا الوضع المعقد فيما بعد؛ اذ علمت ان البقعة فاز على الفيصلي في إخر مباراة بالدوري الاردني، وبأن البقعة كان بحاجة ماسة لهذا الفوز الهام كي يتفادى الهبوط الى الدرجة الثانية، الى هنا لم اجد سببا وجيها لكل هذه الجموع لكي تتسبب بكل هذه الضوضاء وهذا الفرح، عاد ابو ياسر وقال لي انظر هناك، كانت قافلة اخرى من الشباب قد وصلت الى مشارف ديوان عرب الديوك وبدات تعتلي جدرانه وتتسلق الاعمدة وتزينها بالاعلام، كانت تلك الجموع تحمل رايات لا تخفى على احد، كانت رايات خضراء وحمراء وجموعٌ بشرية فتية معظمها يرتدي زي نادي الوحدات، ازددت حيرة، لأعلم فيما بعد، ان الوحدات خسر مباراته الاخيرة امام الجزيرة وانه كان بأمس الحاجة لفوز البقعة على الفيصلي ليظفر هو بلقب بطولة الدوري، وهذا ما حصل؛ فبعد ان هُزم الوحدات من الجزيرة وتهاوى الحلم واصبح في مهب الريح جاء البقعة كالقادم من بعيد والحامل لكل اسباب الفرح ففاز على الفيصلي وظفر الوحدات بلقب بطولة الدوري.

 

كانت تلك مفارقة غريبة عجيبة استطاعت ان تحبس انفاس المهتمين والمتابعين حتى آخر دقيقة من عمر الدوري الاردني، لذلك كانت الفرحة هذه المرة اكبر.

 

لم تحتمل اطراف كثيرة هذا الفوز، وذهبت الى الغمز واللمز، وسرت شائعات هنا وهناك تناولتها اصوات شاذة في البلاد، كان مفادها ان البقعة والوحدات اتفقوا على الفيصلي وبإتفاقهم هذا خسر الفيصلي لقب الدوري، مع ان هذه صنعة في الاردن لا يجيدها إلا الفيصلي وله فيها سوابق وشواهد لا ينازعه فيها احد، ليس هذا وحسب بل صدحت في المدرجات اصوات نشاز تقول ما لا يقال، واسيت نفسي وقلت، لا عليك فتلك فئة مندسة عهدناها دائما بين جماهير الكرة، هتاف واحد من تلك الهتافات كان كفيلا بأن يهزّني ويُسقط ما تبقى فيّ من دموع، كان هتافهم يقول :” اولاد المخيمات، خواتهم……” آلمني هذا الهتاف وتلك الاصوات، فتفهمت نوعا ما احد اسباب ذلك الفرح العارم، فلم يكن من عادة الشعب الفلسطيني رد الشيمة بالشتيمة، وربما لم يكن بوسعه اصلا ردها، إلا بالتميز والتقدم والانتصار والتعالي على الجراح، وقد يكون هذا الفوز بهذه الطريقة الرد الجازم الحازم والخارق الحارق للجم كل تلك الاصوات النشاز.

 

خرجت من شوط الدبكة بحثا عن عاطف وابو عاصم وذلك بعد ان طلبت من ابو ياسر والدودة ان يفسحوا المجال امام السيارة وان يبتعدوا بالدبيكة بحركة وحدة ونص كي يهدا شوط الدبكة ويتسنى لنا المرور.

 

وجدت عاطف وابو عاصم قد سبقوني للسيارة التي ولجناها سريعا وودعنا الجميع وانطلقنا وبقلبي غصة، سألني ابو عاصم عن سبب ذلك التكدر في خاطري والظاهر على محياي، اجبته بألم عن سبب تلك الغصة وذكرت له ذلك الهتاف، اجابني لا عليك، هذا وضع عادي وهذا مرض مستشري وموجود بكثرة في الملاعب، قلت له، ما هكذا تورد الابل يا ابا عاصم، قال لي وقد اخذ بتسبيل شواربه في عادة الفتها منه حينما يريد ان ينهي جدل او يحسم امر او حين يريد ان يسكب الزيت على النار ويقلب عاليها واطيها، فأنصَتُّ بشدة منتظرا تلك القنبلة التي اتوقعها، فقال:” إذا لست انت كما يقال من خط ذلك الشعار على جدران المدرسة الصينية مقابل مكتب المخابرات والمخفر، صمتُّ ولم انبت ببنت شفة، تنبه عاطف للامر سريعا وادرك حجم تلك القنبلة وسأل ابو عاصم عن فحوى ذلك الشعار، وحدها جدران المخيم تكفلت في تلك اللحظة بالبوح لعاطف عن ذلك الشعار اذ كنا حينها قد ولجنا ذلك الشارع الذي خط عليه الشعار من عند محلات الصيدوني والبنك العربي باتجاه مكتبة ابو خميس المجاورة لمكتب المخابرات والمخفر، كان ابو خميس متسندقا بباب مكتبته يقتنص الجميع ويتفقد المنطقة وروادها وهي عادة بلغت فيه حد الهواية، تباطئت بالسيارة عند المرور بابو خميس ليتسنى لنا رد السلام عليه، وهذا ما حصل، وكعادته المحببة عاجلنا بصراخه، تفضلوا امانة الله، عليكم الجيرة، لوحت له وطلبت منه الالتحاق بنا عند عامر العوضات، لم يكذب خبرا ابو خميس، اذ سريعا ما اخذ باب المكتبة بيده والتحق بنا.

الكاتب في منزله برفقة كل من ورد في المقال

كنت قد تعمدت توفير بعضا من الوقت الذي يحتاجه ابو خميس ليتسنى له اغلاق المكتبة، ولكي نمنح عيني عاطف الفرصة لالتقاط ذلك الشعار القنبلة والذي خط على جدار المدرسة الصينية في مقابل المخابرات والمخفر، التقط عاطف الفكرة والمغزى بنباهة منه وبعض من التغشيش من قبلنا؛ التفت عاطف الى جدار المدرسة وقرأ علينا ما كنا نريد ان يقرأه، كان الشعار يلخص كل ما تعلمناه في المدرسة والتنظيم والمخيم، كان الشعار ناطقا بما فيه، كان الشعار يقول:

“عندما يبتسم المخيم تعبس المدن الكبيرة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى