عن أي فلسطين نتحدث؟
يوسف بزي كاتب وصحافي لبناني

لندخل بالموضوع مباشرة: بالطبع هناك فلسطين لفظية فقط. كلمة معلوكة مستهلكة في خطب ركيكة وفارغة المعنى. هي فلسطين الوهمية والكاذبة. شعار سياسي اضطراري، لجأت إليه الأنظمة العربية التقليدية تدعيماً لشرعيتها. والفلسطينيون بالنسبة إليها هم إما عبء يتم التخلص منه بتبرعات مالية و”مساعدات إنسانية” أو ببيعهم التأييد والمؤازرة “الديبلوماسية”. في ربع القرن الأخير، تخففت هذه الأنظمة والدول من فلسطين بأسرها، الإسم والبشر والأرض والقضية. ارتضت بذريعة السلام التضحية الكاملة. نسيان فلسطين تماماً.

في المقابل هناك فلسطين أخرى، أكثر تأثيراً وأشد وقعاً. وهذه من اختصاص أمثال معمر القذافي أو صدام حسين أو حافظ الأسد وابنه (وأشباههم بدرجة أقل من أمثال علي عبدالله صالح أو جعفر النميري.. إلخ). هؤلاء جعلوا فلسطين مرادفة لأعتى أنواع الابتذال السياسي المقرون بالعنف والاستبداد والحروب الأهلية والإقليمية والانقلابات الدموية. وهم كانوا كلما أوغلوا في الحكم والسياسة والقتل كلما جعلوا “فلسطين” مشروعاً مرعباً وشريراً يفاقم من رصيد “إسرائيل” أخلاقياً وحقوقياً. بل أن هؤلاء –وكما بات معروفاً وراسخاً- برعوا في قتل الفلسطينيين (كما مواطنيهم) أكثر مما اقترفت إسرائيل نفسها.

ثم، لدينا تلك الفلسطين الخاصة بإيران الخمينية. وهي “أرقى” بمراحل من فلسطين القذافي والأسد. هي حسب “ما علمنا وذقنا” منذ مطلع الثمانينات وعلى امتداد أربعين عاماً كانت فتنة شاملة، مذهبية، بالغة التعصب، قاتلة وتدميرية. وقد أنجزت ما لا يحلم به أشد الصهيونيين تطرفاً: تدمير المشرق العربي دولاً ومجتمعات ومقدرات، وتشظيته طوائف وعصبيات تمتهن الإرهاب والفوضى، وتحطيم ما كان يشكل الحد الأدنى من منظومة عربية فاعلة. وهذه الفلسطين الخمينية لا يتمناها أحد في العالم. ومن الواضح طوال هذه العقود أن الفلسطينيين أنفسهم يخافونها وينفرون منها، طالما أنها أيضاً تتحول إلى رافعة هائلة لليمين الإسرائيلي المتعصب دينياً والمتطرف عنصرياً.
وتشترك فلسطين الخمينية مع فلسطين الصدامية والأسدية (وباقي ما يسمى “ممانعة”) في شق طرق للقدس نحو وجهات معاكسة. فيكون شريط أوزو بتشاد عند القذافي، وخورمشهر والكويت عند صدام، والقصير وحلب وحمص عند نصرالله والأسد، وصنعاء ونجران عند الحوثي.. ولا ننسى خطيئة “منظمة التحرير” وإن اعتذرت عنها لاحقاً، في شق طريق القدس عبر جونية.

وبعض تلك الطرق كانت على جثث الفلسطينيين أنفسهم، كما “حرب المخيمات” وقبلها تل الزعتر، وآخرها مخيم اليرموك.

هناك فلسطين أميركية أيضاً، مستلهمة من نظام محميات “الهنود الحمر”، داخل دولة إسرائيل الكبرى. وهذه تقريباً ما يقّر به ويوافق عليه المتحمسون للتطبيع. كذلك ثمة فلسطين اليسار الأوروبي، عنوان “أممي” لمقارعة الامبريالية الرأسمالية والتطهّر من الإرث الكولونيالي. وهي على نحو أو آخر تنيط بالفلسطينيين “تغيير العالم” أكثر مما تطلب لهم حقوقهم الوطنية.

ثم هناك عند الفلسطينيين أنفسهم، ترجمات متعددة لفلسطين، لكن يمكن اختصارها بفلسطين حماس وفق نموذج غزة، وفلسطين “السلطة” وفق نموذج رام الله. والمريع في هذه الحال، أن غزة حماس هي خلاصة صافية للحرب الأهلية الفلسطينية الدائمة، ولغلبة السلاح على المجتمع بل وجعل السلاح نفسه هو القضية، فيما الأخيرة تتحول إلى ذريعة وحسب. وهذا تماماً يشابه المآل الذي يذهب إليه لبنان حالياً. أما نموذج رام الله، فهو على صورة الكثير من أحوال الدول العربية المحطمة، حيث تمسك نخبة فاسدة بالسلطة والثروة، وتبدد القضية الوطنية بمزيج من التفاهة والعجز والفساد والتبعية.

هناك فلسطين “متخيلة” خاصة بأبناء الشتات والمخيمات. أشبه بفلسطين الشعر والروايات لكنها هي الوجدان الذي يمنح الاسم والقضية والشعب والأرض هويتها ومعناها التأسيسي. وهذه بالضبط هي مصدر الخوف العميق المؤرق لإسرائيل وسرديتها.

بقيت فلسطين التي أعلنتها انتفاضة الفلسطينيين الأولى، هناك في أرضهم. انتفاضة شعب يطالب بالقيم التي تسود العالم: الحرية وحق تقرير المصير والعدالة والمساواة والديموقراطية. انتفاضة شكلت أبهى أنواع المقاومات المدنية والسياسية وكسرت صورة إسرائيل. بل وفضحتها وأجبرتها أخيراً على الاعتراف مرغمة بوجود شعب وقضية.

هذا بالضبط ما يحدث الآن، بعيداً عن “سلطة” رام الله ونموذج غزة، وبالتأكيد بعيداً عن الخمينيين والأسديين وسائر عصب الممانعة، وغصباً عن التبعيين والتطبيعيين.. هناك في القدس وفي كل أنحاء فلسطين التاريخية. الأهل، السكان الأصليون، أصحاب الأرض والحق، ينتفضون ضد الفاشية العنصرية، ضد جماعات الاستيطان المتعصبين، ضد هذا اليمين الديني والعسكريتاري.. ضد التطهير العرقي والديني.

مشهد القدس هذه المرة بدا لملايين المواطنين العرب أنه يتصل في العمق بمشهد الربيع العربي، بشعاراته ورغباته وطموحاته، بل وبوقائعه الميدانية وتفاصيله وأدواته. أي هذه المواجهة مع القوة الغاشمة والاستبدادية والفاشية طلباً للحرية والعدالة وحق تقرير المصير والديموقراطية، وعلى الضد من التعصب والتطرف والتمييز والاستبداد.

ومن هذا المشهد، عاد العرب إلى فلسطين وعاد الفلسطينيون إلى قضيتهم.

لكن، وتماماً كما حدث في الثورات المضادة، جاءت “نجدة” إسرائيل نتنياهو ومستوطنيه من الأعداء المفضلين، من صواريخ حماس ومن إهزوجات الممانعة كلها. لقاء الأنداد على الحرب التي تسحق فقط انتفاضة الشعب الفلسطيني، وتقتل مواطني غزة، وتهزم أهل القدس، كما هُزمت شعوب الربيع العربي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى