عن إبراهيمية نتنياهو وشركاه
ماجد الشيخ

السياسي – يفاخر رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بفجور فاقع وبعنجهية لا مثيل لها، بما يحققه “الأغيار” لصالحه ولمصلحته الشخصية، وما يؤدّونه من خدمات استراتيجية لمصلحة كيانه، بزعمه إن الأهم للأجيال القادمة هو “تطبيق السيادة الإسرائيلية الاحتلالية على الضفة، والإعلان عن إنشاء ما سمّي “صندوق إبراهام”، في وقت أعاد فيه “الفضل” في ما يحصل ويتحقق على صعيد التحالفات الجديدة الجارية في المنطقة، وتطبيعاتها السياسية والمالية والسياحية والتجارية والثقافية والعسكرية العلنية منها والسرية، للولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترامب، رابطا بين ما يجري وهدفه المعلن لما يسمى “تطبيق السيادة على الضفة” من خلال تنفيذ عملية الضم الموعودة، والإعلان عما يسمى “صندوق إبراهام” الذي أعلن عنه، خلال حفل استقبال “الشريك الإماراتي” أخيرا، وذلك باستثمارات قدرها ثلاثة مليارات دولار، لتعزيز “التحالفات الجديدة” تحت ستار سلام مزعوم وموهوم، يعتقد نتنياهو أنه مهم للأجيال القادمة، حيث المهمة الأبرز ليس استئناف المفاوضات مع السلطة الفلسطينية، ولا محاولة استرضائها، بل تطبيق ما يسميها السيادة على كامل الأراضي الفلسطينية، امتدادا حتى الأغوار والحدود مع الأردن، بغرض قطع أي تواصل مع أي دولة عربية، ولمنع إقامة أي كيان فلسطيني مستقل، وذلك كله تهيئة لإقامة مزيد من المشاريع والمخططات الاستيطانية، خصوصا في القدس ومحيطها بما تمثله من رمزية خاصة للفلسطينيين والعرب والمسلمين والمسيحيين عموما.

يعتقد نتنياهو من خلال ما يدعيه اليوم من “سلام الصفقة الترامبية” التي تجاوزت كل الحدود التي حلم بها ترامب، ومن قبله وبعده نتنياهو، لجهة إقامة ما هو أكثر من التطبيع؛ بل أكثر من إقامة مزيد من أشكال التحالفات المزرية بين “قوي متجبر” و”ضعيف خانع” يبدي استعداده لأن يدفع من جيبه كامل تكاليف الحماية، بل وأكثر من الارتماء في أحضان عدو استعماري استيطاني، يعتقد ذاك الضعيف أنه يقيم معه استثماراتٍ مربحةً لصالح صندوق استثماراته الخاصة في بلده، بينما هو في الحقيقة يقيم “شراكة احتلالية” مع كيان الاغتصاب والاستيطان الاستعماري فوق الأرض الفلسطينية التي لم يعرف لها يوما “صاحب توراتي”، وفق ما يزعم اليوم مؤوّلو اللاهوت الديني عن “بني إسرائيل” الواردة في النصوص الدينية، والذاهبون إلى التحالفات التطبيعية مع كيان الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، وذلك في محاولةٍ يائسةٍ “لصنع تاريخ سيبقى في الذاكرة لأجيال”، وفق تعبير نتنياهو في أثناء استقبال الوفد الرسمي الإماراتي.

من سخريات الأمور ما ذهب إليه نتنياهو، حين زعم إنه “عمل على مدار سنوات للتوصل إلى هذا السلام، وإن هذا تحقق لسببين: موقف إسرائيل الثابت ضد ايران، وتعزيز قوة إسرائيل العسكرية، الاقتصادية، السياسية والتكنولوجية”، وشدّد على أن العالم “يحترم القوي”، وأن لا أحد يرغب بالارتباط مع الضعيف. ثم عاد نتنياهو ليؤكد، في مناسبة أخرى، على أن “اتفاقات السلام” تثبت أن إسرائيل في طفرة سياسية غير مسبوقة، في دول آسيا، في أميركا اللاتينية، قائلًا: “هذا تغيير هائل، إنهم يأتون إلينا، لأنهم يدركون أننا قوة عظمى في عدد من المجالات”، وقال إن هذه الاتفاقات “كسرت الفيتو الفلسطيني”.

على وقع هذه “الانتصارات” الآتية من خارج السياق، أعلن رئيس بنك التنمية في الإدارة الأميركية، آدم بولر، خلال حفل استقبال الوفد الإماراتي يوم 21 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، عن إنشاء ما سمّي “صندوق إبراهام” باستثمارات قدرها ثلاثة مليارات دولار، لتعزيز المشاريع الاقتصادية التي من شأنها المساهمة في تعزيز السلام في المنطقة. وسيكون الصندوق مشروعا مشتركا بين الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات، وستكون لدى الدول الأخرى إمكانية المشاركة فيه لاحقا. ولفتت الإذاعة العبرية العامة إلى أن المشروعين الأولين اللذين يستثمر فيهما الصندوق، سيكونان تحديث المعابر بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وجسر الملك حسين (اللنبي)، إضافة إلى خط أنابيب النفط إيلات عسقلان. كما كشف النقاب عن أن الإمارات ستبيع نفطا لشركة إسرائيلية تقوم بدورها بتسلمه في ميناء إيلات في البحر الأحمر وسينقل في أنابيب إلى ميناء عسقلان تمهيدا، لتسويقه إلى دول حوض البحر المتوسط.

وإزاء خلط الدين بالسياسة، وعلى خطى نتنياهو، ذهب المرافق للوفد الرسمي الإماراتي إلى فلسطين المحتلة، ستيفن منوتشين، للتعبير عن ذلك بالزعم “يا له من حدث تاريخي. ترسي الاتفاقية الإبراهيمية علاقات اقتصادية مباشرة بين أكثر اقتصادين ازدهارا. مع زيادة الازدهار الاقتصادي، يزداد الأمن كذلك”.

وعلى الرغم من كل هذا الهراء، وفي وقت يستمر الجدل في الائتلاف الحكومي بشأن قضايا عديدة مختلف عليها، قالت القناة الإسرائيلية “أي 24” إن اتفاقية التطبيع مع الإمارات كشفت عن خلافات داخل التحالف المكون لحزب يمينا، المؤلف من “الاتحاد الوطني” و”اليمين الجديد”، وقالت إن حزب الليكود الحاكم بقيادة نتنياهو سيعمد إلى الاستثمار في هذه الخلافات الداخلية عند “يمينا”، بغية إضعاف الحزب في حال تم إجراء انتخابات قريبة، بعدما بينت استطلاعات رأي كثيرة أن “الليكود” يشهد مزيدا من التراجع، بينما يشهد “يمينا” حالة من الصعود.

وفي رد على خصمه السياسي نفتالي بينيت، رئيس حزب يمينا الذي استخفّ باتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات، ذهب نتنياهو إلى حد الزعم، لدى استقباله الوفد الإماراتي، “إن اليهود والعرب من نسل إبراهيم، وباسمه تم التوقيع على هذه الاتفاقية. السلام لا يبقى على الورق، بعض الثمار ظاهرة، سيؤدي ذلك إلى توسع كبير في السياحة والأعمال بين الدول، سيتم توقيع اتفاقية سياحية لعشرات الرحلات الجوية أسبوعيا، وسوف نذهب إليهم وسيأتون إلينا”. وشدّد على زعمه إن الأهم للأجيال القادمة هو تطبيق السيادة الإسرائيلية من خلال “تنفيذ عملية الضم في الضفة الغربية”.

تلك هي تجارة نتنياهو الرائجة هذه الأيام، تجارة استثمار ما يقدّمه بعض الرسميين العرب من تنازلاتٍ مجانية عن أرض فلسطين التاريخية وحقوق الفلسطينيين فيها، حيث يتبرأ بعضهم منها؛ وحتى بعض الفلسطينيين يتبرأون من بعض فلسطين “هدية إبراهيمية” لتوراتيي الخزر والغرب الإمبريالي واستعمارييه الذين نجحوا في إقامة كيان توراتي حفظ لهم مصالحهم مقابل حفاظهم على أمنه، وليس بالضرورة على سلامه أو سلامته.

من يستفيد أو ينجح في استغلال تلطيه خلف يافطة “إبراهيمية”، يزعمون إنها تجمع ولا تفرّق، بين أصحاب التحالفات المشبوهة، الخارجة عن كل عقل ومنطق، وهي في كل الأحوال لن تقود إلى سلام مزعوم وموهوم، ومن يستغل من أطراف “المعادلة الإبراهيمية” المزعومة؟ القوي أم الضعيف؟ أم الاثنان يستغلان ضعف القيادة الفلسطينية وسكونها وصمتها المريب، وتشتت وعدم انسجام الوضع الوطني الفلسطيني، وانقساماته غير المبدئية التي طاولت أكثر من لزوم الخلاف على السياسات، بقدر ما طاولت حتى النزعات السلطوية واستبداديتها التي لا يرى أيٌّ من أطرافها في المرآة غير ذاته، سلطة متوجة على بعض بعض وطن محتل بكامله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى