عن إسرائيل والانتخابات الفلسطينية في القدس
عادل شديد

أجازت إسرائيل مشاركة سكان القدس الشرقية الفلسطينيين في الانتخابات الفلسطينية الثلاث الماضية، وعلى الرغم من أن إجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس المحتلة لا يتعارض مع السياسات الإسرائيلية، حتى بعد الاعتراف الأميركي بالمدينة المقدسة عاصمة إسرائيل، إلا أن الحكومة الإسرائيلية، حسب صحيفة يديعوت أحرونوت، تجاهلت طلب السلطة الوطنية الفلسطينية السماح بإجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس، بعد دراسة عميقة للموضوع، شارك فيها مسؤولون إسرائيليون رفيعو المستوى.
ليس تجاهل إسرائيل الرد على السلطة الفلسطينية رفضاً ولا موافقة، إلا أن تزامن الطلب الفلسطيني مع اقتراب الحملة الإسرائيلية المسعورة لانتخابات ثالثة تجري في مارس/ آذار المقبل، في ظل أزمة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو القضائية، وخشيته من التعرّض للسجن وانتهاء حياته السياسية، ما أدى إلى دفع نتنياهو إلى عدم البتّ في الطلب الفلسطيني الخاص بإجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس الشرقية، خوفا من خصومه السياسيين من شتى الاتجاهات، واتهامه بالتنازل عن القدس، أو اتهامه بالخضوع للضغوط الدولية، ومنها الفلسطينية كما يحلو لليمين الاستيطاني المتطرّف أن يتهم نتنياهو أحيانا، حين يرغب بابتزاز نتنياهو بمزيد من مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات.
وفي قراءة سياسية لتجاهلها الطلب الفلسطيني، تريد إسرائيل أن تؤكّد أن إجراء أي انتخاباتٍ  فلسطينيةٍ تشريعيةٍ أو رئاسيةٍ، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وليس في القدس فقط، قرار يعود لها، وبدون موافقتها لن تجري الانتخابات الفلسطينية. كما أن القرار الإسرائيلي يتم فهمه بأن إسرائيل ترى في مطالبة السلطة بإجراء انتخابات سياسية في القدس تجاوزا من السلطة لدورها الوظيفي الأمني والإداري والاقتصادي والحياتي، إذ ممنوع عليها التدخل في القضايا السياسية، بعد أن نجحت إسرائيل في إيجاد واقع جديد، سواء في الضفة الغربية أو في قطاع غزة، وذلك بتكييف السلطتين وتعايشهما، ومتابعتهما الأمور الحياتية والحصار، وما تسمى في اللغة الإسرائيلية التسهيلات.
ليس سرّا أن أطرافا كثيرة داخل السلطة وحركتي فتح وحماس راهنوا على الرفض الإسرائيلي لإجراء الانتخابات في القدس، حيث لم يستطيعوا أن يرفضوا الانتخابات، وفي الوقت نفسه، لا يريدونها خوفا من نتائجها المجهولة، وإن كان النظام الانتخابي التمثيلي النسبي يزيل عقبةً من أمام “فتح”، والذي يزيح عنها مشكلة الوجوه والمرشحين في الدوائر، كما جرى في انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، حين خسرت الحركة كل مرشحي دائرة محافظة الخليل التسعة لصالح “حماس” بفرق كبير في الأصوات بين مرشحي الحركتين، فيما تقاربت مجاميع الأصوات في قائمة التمثيل النسبي للوطن الفلسطيني. وما يعزّز خشية حركة فتح من الانتخابات فشل مشروعها السياسي، وتحوّل مشروع السلطة إلى أقرب من مشروع بلديات  أمني إداري داخل التجمعات الفلسطينية التي حوّلتها إسرائيل إلى أقفاصٍ متناثرة. كما بات الحديث عن الفساد يشكل مقتلا لحركة فتح، كونها تدفع أثمان سلوك السلطة وسياساتها في الضفة الغربية، بينما تخشى “حماس” أيضا أنها ستخسر كثيرين دعموها في الانتخابات الماضية، اعتقادا منهم بأنها تمتلك مشروعا وبرنامجا قد يكون أفضل من مشروع “فتح”. إضافة إلى أزمات الحكم التي تواجهها “حماس” في غزة. وبالتالي، تشكل أي خسارة لحركة حماس عن ما حصلت عليه في الانتخابات الماضية ضربة لها وتضعفها كثيرا. ولذلك حاولت ألا تظهر بمظهر الرافض للانتخابات، وتخلت عن اشتراطاتها القديمة لإجراء الانتخابات.
وترى أصواتٌ فلسطينية في إجراء الانتخابات الفلسطينية مدخلا لإنهاء الانقسام بين حركتي فتح وحماس، وتجديدا للشرعيات الفلسطينية إذ مضى على آخر انتخابات 14 عاما، ولذلك تدعم هذه الأصوات هذه الانتخابات، إلا أن أحدا لا يضمن التزام الحركتين بالنتائج، سواء في حال حصلت “فتح” على أصوات أكثر من “حماس” في قطاع غزة، أو حصول “حماس” على أكثر الأصوات في الضفة الغربية. بالتالي يبقى احتمال أن تشكّل الانتخابات مدخلا لإنهاء الانقسام احتمالا ضعيفا، في ظل عدم وجود إرادة سياسية لدى قيادتي الحركتين لفتح صفحة جديدة.
سيؤدّي التجاهل الإسرائيلي للطلب الفلسطيني إلى تأجيل الانتخابات، على الأقل إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، إلا أن إجراءها يصبّ في مصلحة إسرائيل، طالما أنها ستجري وفق ما  تم إقراره في اتفاقية أوسلو، بمعنى أن إجراء انتخابات فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، ولمؤسسات السلطة، يعني في القراءة السياسية أن حركتي فتح وحماس تعيدان التأكيد على التزامهما باتفاقية أوسلو، على الرغم من أن إسرائيل لم تُبق منها إلا ما يصبّ في مصلحتها، وأن القرارات التي صدرت عن المجالس الوطنية والمركزية الفلسطينية بالتخلّي التدريجي عن التزامات الفلسطينيين باتفاقيات أوسلو ما هي إلا ذر للرماد في العيون، وليست أكثر من حبر على ورق، ثم إن إسرائيل تعي أن طرفي الانقسام لن يلتزما بنتائج الانتخابات، ما سيشكّل لها رافعة للاستمرار بسياساتها الأحادية، سواء تجاه الضفة الغربية بالتهويد، أو قطاع غزة بالتعامل الأمني والإنساني، مستغلة عدم التزام “فتح” و”حماس” بنتائج الانتخابات بمحاولة ضرب شرعيتهما في العالم، وإظهارهما بأنهما ليستا جديرتين بالمؤسسات، ولا بالحياة الديمقراطية، ما سيحول القضية الفلسطينية من قضية احتلال واستيطان وإحلال وحرمان للحقوق السياسية والوطنية إلى قضيةٍ فلسطينيةٍ داخليةٍ مطلوب التدخل الإقليمي والدولي لترتيب العلاقة المؤسساتية بين فتح وحماس.
في كل الأحوال، قد توافق إسرائيل مستقبلا على إجراء الانتخابات الفلسطينية في القدس المحتلة، ولكن إبقاء الحياة السياسية والمؤسساتية الفلسطينية مرتبطةٌ بقرار إسرائيلي يعتبر أحد مظاهر أزمة النظام السياسي الفلسطيني، الضعيف الذي بنى رهاناته على تحوّلاتٍ في إسرائيل والولايات المتحدة، مع أن كل التحولات تسير إلى الأسوأ. وفي الوقت نفسه، صدرت دعواتٌ فلسطينيةٌ تُطالب السلطة بعدم الطلب من إسرائيل وإجراء الانتخابات عنوة وبالقوة في القدس، فهذا أيضا جزءٌ من شعاراتٍ غير قابلة للتنفيذ، طالما أن إسرائيل تسيطر على كل تفاصيل الحياة هناك، وقادرة على منعها فورا. وبالتالي، يعيد طرح السؤال المهم المتعلق بجدوى بقاء السلطة بأدوارها الوظيفية كما هي الآن، في ظل نهاية الرهان الفلسطيني على أي تغييراتٍ في النظام السياسي الإسرائيلي، على الأقل في المدى المتوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق