عن التنسيق الأمني والتفاهمات…والخيط السري!
حسن عصفور 

تحتل مسألة التنسيق الأمني زاوية مهمة في النقاش الوطني في الفترة الراهنة، خاصة بعد خطاب الرئيس محمود عباس 19 مايو 2020، حيث أعلن التحلل من الاتفاقات كافة مع إسرائيل، ولا زال البعض يشكك تماما في مصداقية وقف التنسيق الأمني بكل مظاهره، وفي المركز تقف حركة حماس رافعة راية “التشكيك العام” ليس بحثا عن وقفه فعلا، بل لفتح جبهة تحاصر بها موقف السلطة وحكومتها، ما يساعدها في التهرب من الذهاب الى بلورة موقف وطني موحد ضد الضم وصفقة ترامب، لحسابات “سياسية خاصة”.

بشكل عام، مظاهر التنسيق الأمني تعطلت، وتعطلها ليس هو المسألة المركزية في قضية فك الارتباط مع الكيان، كونها عملية إجرائية لها بعد سياسي، رغم أن الواقع الميداني لا زال يتطلب بعض من مظاهرة التواصل بين الطرفين، ما كان يفرض دراسة لكيفية تغيير طابع العلاقة وفقا للقائم.

تركيز السلطة وحكومتها على مسألة التنسيق الأمني تظهرها كجهة متهمة، تحاول تبرير سلوك شابه الكثير من علامات الاستفهام، مع ان جوهر التنسيق الأمني وفقا لاتفاق أوسلو مرتبط بموضوع اعادة الانتشار والتبادلية في المعلومات التي تمثل خطرا على علاقات الاتفاق، وليس مسلة آلية من طرف واحد وكأنها شرط الضرورة دون ثمن، ولقد مرت السلطة منذ تأسيسها بكثير من التوترات في هذا الجانب، منذ المعركة الأولى عام 1996، ما عرف بهبة النفق، وصدام عسكري نتج عنه مقتل 16 جندي من جيش الاحتلال.

عمليا كان للسلطة وحكومتها، ان تعيد صياغة العلاقة في سياق مفهوم جديد يخدم حركة فك الارتباط، مع تكريس دولة فلسطين، لتأخذ تنسيق عدم الاشتباك بين قوات الأمن الوطني الفلسطيني وقوات الاحتلال في مناطق تماس، وتطوير مسالة المواجهة لمنع دخول أي إسرائيلي كان لمناطق السلطة المعروفة، والتي تبلغ 42% من الضفة، واعتبار الدخول اليها عدوانا مباشرا.

هناك كثيرا من الجوانب التي يمكنها أن تكون بديلا لصيغة واحدة، وهو ما يجب دراسته وفقا لمصلحة وطنية وضمن سياق أنها جزء من رؤية الدولة وليست السلطة، والتعامل بجدية كاملة مع مفهوم “أرض فلسطينية” يمنع الدخول إليها دون سماح فلسطيني.

في قطاع غزة، عقدت حركة حماس اتفاقية سرية مع دولة الاحتلال بواسطة قطر، باتت معروفة بمسمى “التفاهمات” أساسها “التهدئة مقابل المال”، والمفارقة السياسية التي تغيب عن أنصار ذلك الاتفاق، توقيته ومضمونه.

ويجب التدقيق في أن إسرائيل شنت ثلاث حروب تدميرية على قطاع غزة تركت ألاف الشهداء والجرحى وآلاف من بيوت مهدمة، لكنها لم تنتج أي من أشكال “التفاهمات” رغم انها تطلبت ذلك مع حجم الآثار التدميرية التي خلفتها تلك الحروب، لكن المفارقة أنه لم يتم التوصل الى أي من التوافقات مع ضرورتها كي لا تعيد دولة الكيان ذلك.

لكن بعد عرض ترامب لخطته 2017، حدث تغيير جوهري بعد انطلاق مسيرات كسر الحصار في مارس 2018، حيث أنتجت تلك المسيرات بشكل مفاجئ “تفاهمات” بين حماس وإسرائيل لم تلق توافقا فصائليا، بل غالبها لم يعلم بها، ولا تزال حتى ساعته سرية وغير معلنة العناصر، سوى أنها ترتبط بالمال والمنحة القطرية.

حماس تتجاهل أن تلك اتفاقية أمنية كاملة، وعليها ان تعلن رسميا تخليها عنها، دون ان تذهب لفتح جبهة عسكرية لو كانت صادقة حقا في مطالبتها بوقف التنسيق الأمني في الضفة، رغم ان حاجة السكان له أكثر من حاجة أهل قطاع غزة لتلك التفاهمات، ولو ان المسألة مرتبطة بالقضية الوطنية لا يجوز أن تبدو المواجهة كسلعة تستخدم عند الحاجة، وعدم وصول المال القطري عبر حقائب الشاباك الإسرائيلي.

معادلة التفاهمات هي أكثر مظاهر الإساءة للوجه الكفاحي الفلسطيني، فلأول مرة تقدم المقاومة كسلعة لها ثمن، كما حصل في تلك الاتفاقية البغيضة التي هندستها قطر وفقا لمقولة سفيرها محمد العمادي “نبيي هدوء”، والتي استغلت شهداء المسيرات وجرحاها لعقدها في الظلام.

لو ان المصلحة الوطنية هي الناظم لموقف حماس عليها وقف مفعول تلك التفاهمات، ولتعمل على خلق معادلة داعمة لوقف التنسيق الأمني في الضفة، في إطار المواجهة القادمة، هل يتم ذلك، ام ان هناك “اتفاقات سياسية” خلف التفاهمات الأمنية بين حماس وإسرائيل، وهل استمرارها يخدم المعركة الوطنية ضد المشروع التهويدي…تلك هي المسألة التي تستوجب التفكير!

ملاحظة: إعلام فتح و حماس غاضب من مقابلة السفير الإماراتي مع صحيفة عبرية، وهو محق جدا في رفضها، لكن لم نقرأ بيانا واحدا لكليهما ضد السلوك القطري..حتى أن فتح لم تغضب من الدوحة التي منحت هنية قاعدة اطلاق مشروع بديل للمنظمة..يا سرك الباتع يا قطر!

تنويه خاص: كتائب القسام بدأت تحتل شوارع قطاع غزة، الانتشار رسالة لأهل القطاع عشية ليلة ذكرى الانقلاب الأسود وخطف غزة 14 يونيو 2007..لكنها أيضا تكشف هزالة جهاز حماس الأمني الحكومي!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى