عن اللاحرب القادمة
حسام كنفاني

منذ اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، توالت التحليلات والتهويلات عن حربٍ كبرى ستعيشها المنطقة، وربما العالم، خصوصا مع تصدّر وسم “الحرب العالمية الثالثة” لائحة الأكثر تداولاً على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن واقع الأمور، والحسابات السياسية والاقتصادية، لا تدفع باتجاه سيناريو من هذا النوع، فلا حرب ستكون بالمعنى التقليدي للكلمة، بل بأشكالٍ حديثةٍ وضرباتٍ خاطفة، تماماً مثلما كانت عملية اغتيال سليماني، ولا سيما أن كلفة الدخول في حربٍ واسعةٍ تقليديةٍ ستكون باهظة على الأطراف المشاركة فيها، وتحديداً إيران التي تعاني من واقع اقتصادي صعب، ستزيد العمليات العسكرية وما قد ينتج عنها من صعوبته.
طهران، بمستوياتها السياسية والعسكرية والدينية، تدرك هذا الأمر. وعلى أساسه، تدرس خيار الرد وأشكاله وماهيته. من المؤكد أن إيران لن تغضّ الطرف عن الاغتيال، ولن تدعه يمر من دون ردة فعل، ولا سيما أن الضربة الأميركية أصابت “الكبرياء” الإيراني في الصميم، إذ كانت مباشرة، ولرأسٍ من رؤوس الهرم في تركيبة السلطة الإيرانية. لا شك في أن من ضمن الحسابات الإيرانية أن الضربة المباشرة الأميركية، وليس عبر الوكلاء (إسرائيل مثلاً)، تستدعي ردّاً مباشراً إيرانياً، وليس عبر الوكلاء أيضاً (المليشيات المتحالفة مع طهران في لبنان واليمن والعراق)، وذلك للحفاظ على ماء وجه القوة التي تجاهر بها إيران في كل مناسبة. هذا بالإضافة إلى أن أوضاع “الوكلاء الإيرانيين” ليست سانحةً لتنفيذ ضرباتٍ غير محسوبة التداعيات، فحزب الله اللبناني، على سبيل المثال، وهو الذراع الأقوى لإيران في الخارج، لديه حسابات داخلية في الظرف اللبناني الراهن، لا يمكنه التغاضي عنها، والمغامرة في عمل عسكري تزيد الأوضاع الداخلية سوءاً، فإضافة إلى الحركة الاحتجاجية اللبنانية، يشكل الوضع الاقتصادي وشحّ السيولة النقدية عاملاً ضاغطاً شعبياً، سيؤثر في مقوّمات الصمود والمواجهة في حال تدحرج أي رد إيراني، عبر حزب الله، إلى مواجهةٍ واسعة، وقد ينقلب على حزب الله نفسه، ومن داخل بيئته. الأمر نفسه يمكن أن يقال عن المليشيات التابعة لطهران في العراق، وهو البلد الذي يعيش ظروفاً مماثلة للبنان. ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة إلى الحوثيين في اليمن، المستنزفين في الحرب الطويلة التي تخوضها السعودية وحلفاؤها هناك.
هذا الواقع يدخل، بشكل أساسي، أيضاً في الاعتبار الإيراني في أثناء دراسة الرد على اغتيال سليماني، والذي تريده طهران مضبوطاً، وفي الوقت نفسه مؤثراً، معوّلة على عدم الرغبة الأميركية في التصعيد أو الدخول في مواجهة واسعة، خصوصاً في الموسم الانتخابي الأميركي، فالتحليلات التي أشارت إلى أن لجوء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى التصعيد مع إيران لكسب نقاط في حملته الانتخابية، لا أساس لها إذا تم الأخذ في عين الاعتبار أن معظم المواطنين الأميركيين، وتحديداً ناخبي ترامب، لا يعلمون ما يحدث خارج ولاياتهم، أو حتى المقاطعات التي يعيشون فيها. وبالتالي، لا تثمر الحرب مع إيران أو غيرها في صندوق الانتخاب، بل ربما على العكس، إذ إن السلاح الأساسي لترامب في حملته لإعادة انتخابه هو تحسين الاقتصاد وقدرته على خفض أسعار النفط بالنسبة للمواطنين الأميركيين، وزيادة التنافسية للبضائع الأميركية، وهو كله سيتلاشى في حال قرّرت الولايات المتحدة، بعد الرد الإيراني المرتقب، إشعال مواجهة واسعة مع إيران. هذا بالإضافة إلى أن واشنطن لا تحظى بأي دعم من الحلفاء الأوروبيين، والذين لا يودّون الدخول في “مغامرة ترامب”.
هذا لا يعني أن إيران لن ترد، بل سيكون هناك رد، وهو جزء من حربٍ أساساً مشتعلة، لكنها ليست بالمعنى التقليدي للكلمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى