عن عصر الرِّدة… عن أزمة الحقوق الإنسانية
محمد حافظ يعقوب

من سمات المرحلة التي نعيش، وبالأصح من مفارقاتها، أن فكرة العدالة، التي اتّسعت اتساعاً مضطرداً خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم، واتخذّت أكثر فأكثر طابعاً عالمياً أو كونياً، تكابد، منذ سنوات عدة، أزمة شديدةً لا سابق لها. تبدو الأمور كما لو أن حركة نكوص تهيمن اليوم على فضاء الحقوق الإنسانية، من حيثُ النظرية أولاً، ومن حيثُ البعد الإجرائي المتصل بها على الخصوص، ثانياً. أقول نكوصاً لأننا نلحظ أخيرا حركات ونظماً سياسيةً شرعت تجهر باستهدافها، وتعمل على إضعافها وترّوج التحلل منها. وربما مثّلت سياسات إدارة الرئيس دونالد ترامب التعبيرَ الأكثر فجاجة عن الظاهرة التي إليها نشير.
لكن ظاهرةَ النكوص هذه ليست غير الوجه الطافي من القصّة، فشرعيات أشكال التضامن التي تنتسب إلى الحداثة السياسية هي التي تعيش سيرورةَ تحللٍ متسارع، يمكن توصيفها على سبيل التقريب في بعدين مترابطين. أولهما هو البعد الذي يحيل إلى تخلخل الإطار الكلي التنظيمي للحداثة السياسية، وللبشرية الحديثة بالتالي، وهو إطار الدولة القومية، وإلى تراجع دورها الذي كان مركزياً إنْ في العمليات الاقتصادية أو في صياغة الجماعات البشرية التي تقع في نطاقها على وجه الخصوص. والثاني هو البعد المتصل بتآكل الشرعيات التي وفّرت وتوفر لهذه الإطار نسغَ حياته وتزوده بأسباب المنعة والقوة. يتضح هذا البعد الأخير من خلال ظاهرتين كبريين: ظاهرة العودة الكثيفة الملحوظة اليوم لعصبيات ومعايير لا تنتمي إلى الحداثة  السياسية، كالقوميات المحلية والدينية والعرقيات الانفصالية وغيرها، وظاهرة التنامي المتعاظم لمعايير تتجاوز إطار الدولة، وتُشرعن لقيمٍ تتصل، كما سنلاحظ، بمضمونِ الفكرة الإنسانية ذاتها، وصنوها العدالة.
هكذا يمكن القول إن فكرة العدل تكتنفها حالياً حركة بيّنة من التغير يختصرها مفهوم الأزمة. والمقصود بالأزمة في هذا السياق المحدّد الإشارة إلى بعدين اثنين: البعد المتّصل بتكشف حدود العدل في الدولة القومية، بما هي الإطار السياسي للحداثة، وتمثل دولة الرعاية الاجتماعية تمامه والتعبير (الأمثل) عنه، وجملة الحقوق الإيجابية التي استنّتها هذه الدولة وافتُرِضَ أنها تطابق مفهوم العدل. والبعد الثاني في أزمة العدل يتعلق بتزايد إفصاح المؤسسة القضائية للدولة القومية عن عجزها المتزايد عن مواكبة التوسع الجاري اليوم في فكرة العدل، فقد اتسع مضمون فكرة الحقوق (أي ميدان العدل)، بحيث غدت تشمل حقوقاً ما كانت تندرج حتى وقت قريب في نطاقها؛ وما عاد مثالُ العدل محصوراً في المؤسسة القضائية فقط. صار كذلك اجتماعياً، وانفتح نطاق الأبعاد التي ما كان ممكناً، حتى وقت قريب مضى، اعتبارها تندرج فيه: من حق الطبابة والتعليم والسكن وحماية البيئة والترويح عن النفس والعطلة وغير ذلك. وبتقديري، سيظل نطاق الحقوق الإنسانية، وأسها فكرة الأنسنة، مفتوحاً ما دام مثال العدل نفسه قابلاً للتعريف باستمرار.
غير أن الوجه الآخر للصورة يتمثل في سيرورة التباعد المتزايد بين مثال العدل وجملة الحقوق الفعلية المتاحة وحدودها. هكذا يمكن القول إن “أزمة العدل” تتمثّل في أن مبدأ الدولة الحديثة،  وهو مبدأ السيادة، ينطوي على تناقض مركزي، لا حل له على الأغلب من داخل الدولة الحديثة نفسه، باعتبار أنه في أُسّه يجافي “العدل”، بما هو قيمة اجتماعية ومعيار إجرائي بين البشر، ففي السيادة وبها، أجرت الدولة الحديثة، وهي الدولة القومية كما قلنا، نقلة نوعية وقطيعة جذرية إذن مع القاعدة المعروفة في التراث الحقوقي الروماني، كما في الفقه الإسلامي، بـاسم حقوق الناس، فقد أحلَّت مبدأ حقوق الدول (أو الأمم) محل مبدأ حقوق الناس الذي ظل الناظم المعياري للعدل، ولكل عدالة بين البشر، من ناحية، وشكلت بذلك القاعدة الموضوعية لسيرورة الأزمة الحالية التي تحيط بفكرة العدالة، من ناحية ثانية.
يتصل بذلك التأكيدُ على أن الانتقالَ من سيادة السلطان إلى سيادة الدولة لا يعني انتقالاً جذرياً في مصادر الشرعية السياسية من السلطان/ السيّد إلى الأمة/ السيدة فقط، بل وقبل ذلك انتقالاً ضرورياً في وظائف الدولة ومهماتها في التاريخ، وفيما يخصنا هنا، انتقالاً في مبدأ العدل، بما هو وظيفة اجتماعية/ سياسية كما قلنا، من حقوق الناس (والإنسان) إلى حقوق الدولة، ففي السيادة، أصبحت هذه الأخيرة كائناً تاريخياً وفي الوقت نفسه صانعاً للتاريخ، وبحسب هيغل، تجلياً لروح التاريخ. وفي السيادة، ما عادت السلطة في الدولة (أو رأسها) هي ضامن الحكم العدل بمعنى إقرار الحقوق، بل الحفاظ على مصالح الدولة، وإنفاذ إرادتها التي تتجاوز، بحسب هيغل، “الحقوق الفردية كافة”. وما الذي يعنيه تعبير Raison d’Etat غير القول إن  شرعية الدولة مستمدة منها هي نفسها، أي من سيادتها وأن حقوقها تعلو على كل حق آخر؟ ألم تشكّل أوليّةُ السيادة في التاريخ الأرضية الصالحة لشرعيات الاستبداد الحديث وانتهاك آدمية الإنسان باسم مبدأ السيادة نفسه؟
ينبغي التعديل الفوري لما سبق قوله، تحاشياً للوقوع في مطب التبسيط، فلا يعني إبراز التناقض بين العدل والسيادة إجراء ربط سببي مباشر بين دولة السيادة وظاهرات التسلطية الحديثة والنظم الشمولية التي غطت ساحة القرن العشرين، وسامت أغلبية البشرية الحديثة، ومنها البشرية العربية، أقسى أشكال الاستعباد والقهر، وحولت الأقاليم التي تمارس فوقها سيادتها إلى معتقلات كبيرة مفتوحة الفضاء، فليس مبدأ السيادة بالسبب الكافي بالتأكيد؛ ويتعذر تعليل ظاهرة الظلم السياسي الحديث بالاقتصار عليه فقط. ولكنه يسهم من غير ريب في سبر هذا النمط غير المسبوق من الاستبداد، إنْ من حيث الدرجة أو من حيث الشمول. فضلاً عن أن الظلم المعمم الحديث، أي السياسي، يكمنُ سرُّه في الحداثة السياسية، أي في الدولة الحديثة التي هي الإطار التنظيمي للعمليات التاريخية الكبرى للأزمنة الحديثة ككل، وليس في غيرها.
.. أختتم باقتراح إجراء تصنيف لغوي يسهم، بتقديري، في تبيان ما أرغب في توصيله. العدل، كما الحرية والمساواة، لا يمكن حدّه إلا بالقياس إلى غيابه. ويتعذّر الحديث عن عدل (ومساواة وحرية) إن على الصعيد المفهومي، أي التعريفي/ الفلسفي، أو على الصعيد الحقوقي، أي الإجرائي/ السياسي، من غير العودة إلى الحد بالخُلف. في (لسان العرب) لابن منظور، العدل “هو ضد الجَوْر”، وهو “ما قام في النفوس أنه مستقيم” و”لم تظهر فيه ريبة”؛ وعَدَلَ سوّى ووازن وقوَّم. أما الجَوْر فهو الظلم، وهو “وضعُ الشيء في غير موضعه”. وجارَ عليه، مال عنه، ظلمه. والظلم، العتمة، ذهاب النور. وأصله الجَورُ ومجاوزة الحد والميل عن القصد. أما العَدلُ (الشخص، الحكم..) فهو الذي “لا يميل به الهوى فيجور في الحكم”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى